يعتبر ظهور الجهل وانتشاره من علامات قرب وقوع الساعة ولقد ذم الله تعالى الجهل وحذر منه، ورتب النبي ﷺ ظهور الجهل وكثرته على قلة العلم ورفعه، ولما علم الصحابة رضوان الله عليهم خطورة الجهل حرصوا على تعليم الناس أمور دينهم وعلى تلقين أبنائهم أصول الاعتقاد.

الجهل
الجهل

ذم الجهل

لقد ذم الله تعالى الجهل وحذر منه وبيّن أنه سبب إعراض المعرضين عن دعوة الأنبياء والمرسلين وأن الناس لجهلهم كذبوا بهم يقول تعالى مخبراً عن قول نوح لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾.

وذكر سبحانه أن الجهل هو الذي دفع قوم لوط لعمل جريمتهم البشعة من اللواط، يقول تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.

عواقب الجهل

والجهل أيضا يدفع الناس للشرك بالله قال تعالى عن موسى عليه السلام وقومه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.

ويعتبر ظهور الجهل وانتشاره من علامات قرب وقوع الساعة، قال رسول الله ﷺ: [إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا]، فاعلم أيها الموفق أن النبي ﷺ رتب ظهور الجهل وكثرته على قلة العلم ورفعه.

وبالجهل يكثر وقوع المحرمات وانتهاكها ومن أعظمها القتل وهو الهرج وهذا القتل الواقع الآن بين المسلمين بعضهم البعض دليل على تفرقهم وجهلهم، قال رسول الله ﷺ: [إن من ورائكم أياما يرفع فيها العلم ويكثر فيها الهرج قالوا: يا رسول الله ما الهرج؟ قال: القتل].

خطورة الجهل

لما علم الصحابة رضوان الله عليهم خطورة الجهل على مستوى الفرد وعلى الجماعة حرصوا على تعليم الناس أمور دينهم وعلى تلقين أبنائهم أصول الاعتقاد وتوصيتهم بالتمسك بالسنة، فكان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يوصي الناس بتعلم العلم فيقول: «عليك بالعلم قبل أن يقبض وقبضه أن يذهب أهله أو قال أصحابه». 

إذ الجهل خطر عظيم يقود الناس إلى البدعة والإحداث في الدين والسير على غير هدى، وخير مثال على ذلك ما حدث وعبدالله بن مسعود حاضر وذلك أن أناسا من أهل الكوفة خرجوا إلى الجبانة يتعبدون واتخذوا مسجدا وبنوا بنيانا فأتاهم عبدالله بن مسعود فقالوا: مرحبا بك يا أبا عبدالرحمن لقد سرنا أن تزورنا قال: «ما أتيتكم زائرا ولست بالذي أترك حتى يهدم مسجد الجبان إنكم لأهدى من أصحاب رسول الله ﷺ ؟! أرأيتم  لو أن الناس صنعوا كما صنعتم من كان يجاهد العدو ومن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ ومن كان يقيم الحدود؟ ارجعوا فتعلموا ممن هو أعلم منكم وعلموا من أنتم أعلم منهم»، قال: واسترجع فما برح حتى قلع أبنيتهم وردهم.

فانظر كيف عزا ابن مسعود رضي الله عنه ما فعلوه إلى الجهل إذ أمرهم بالتعلم فقال: «ارجعوا فتعلموا ممن هو أعلم منكم»، وهذا ما فقهه ترجمان القرآن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن أشد ما يفرق الأمة ويوقع بينها الاختلاف هو الجهل بدينها.

» هل تعلم ما هي عوامل النجاح؟

أسباب الجهل

خلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم فجعل يحدث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ودينها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: «كيف تختلف هذه ونبيها واحد وقبلتها واحدة؟» فقال ابن عباس: «يا أمير المؤمنين! إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيما أنزل وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيما نزل فيكون لكل قوم فيه رأي فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا»، فزجره عمر وانتهره عليّ، فانصرف ابن عباس ونظر عمر فيما قال فعرفه فأرسل إليه وقال: «أعد عليّ ما قلته» فأعاد عليه فعرف عمر قوله وأعجبه.

وما قاله ابن عباس رضي الله عنهما هو الحق فإنه إذا عرف الرجل فيما نزلت الآية أو السورة عرف مخرجها وتأويلها وما قصد بها فلم يتعد ذلك فيها، وإذا جهل فيما أنزلت احتمل النظر فيها أو جهل فذهب كل إنسان مذهبا لا يذهب إليه الآخر وليس عندهم من الرسوخ في العلم ما يهديهم إلى الصواب أو يقف بهم دون اقتحام حمى المشكلات فلم يكن بد من الأخذ ببادئ الرأي أو التأويل بالترخص الذي لا يغني من الحق شيئا إذ لا دليل عليه من الشريعة فضلوا وأضلوا.

علاج الجهل

لذلك كان على المجتهد المتصدر للتعليم والفتيا العلم بعلوم الشريعة المتضمن العلم بكتاب الله تعالى وما يلحق به من معرفة أحكامه ومعانيه وفرضه وأدبه وإرشاده وإباحته وناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه وعليه أيضا العلم بالسنة النبوية دراية ورواية وكذلك عليه العلم بالإجماع والقياس، يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «على أن ليس لأحد أبدا أن يقول في شيء حل ولا حرم إلا من جهة العلم وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس»، فالواجب على العالمين أن لا يقولوا إلا من حيث علموا، وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة له إن شاء الله.

أنواع الجهل

والجهل الذي أخبر عنه رسول الله ﷺ أنه سيقع في الأمة وأنه سيكون من أسباب تفرقها هو جهل بأمرين:

• الجهل بعلوم الشريعة.

• الجهل باللغة العربية.

الجهل بعلوم الشريعة

ومن العلم بعلوم الشريعة: العلم بمقاصدها وقواعدها الكلية، ولقد نبه رسول الله ﷺ إلى ذلك وأخبر أن الأمة ستبتلى بمن يدعي العلم وليس له حظ منه إلا حفظ النصوص دون فهم لمعانيها واستيعاب لها أو معرفة بمقاصد الشريعة وقواعدها ومتى صدر – من هذا شأنه – وترأس حدثت الفتنة ووقعت الفرقة.

عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: بعث علي رضي الله عنه إلى النبي ﷺ بذهبية فقسمها بين الأربعة الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي وعيينة بن بدر الفزاري وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب فغضبت قريش والأنصار قالوا يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا قال: «إنما أتألفهم». فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتئ الجبين كث اللحية محلوق فقال: اتق الله يا محمد. فقال ﷺ: «من يطع الله إذا عصيت؟ أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنونني». فسأل رجل قتله – أحسبه خالد بن الوليد – فمنعه فلما ولى قال ﷺ: «إن من ضئضئ هذا أو في عقب هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الومية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».

ولقد تربى الصحابة رضي الله عنهم على يد النبي محمد ﷺ على تلقي النصوص وفهمها واستيعابها والعمل بها، يقول عبدالله بن عمر رضي الله عنه: «لقد لبثنا برهة من دهر وأحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن تنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما يتعلم أحدكم السورة، ولقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان يقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يعرف حلاله ولا حرامه ولا أمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينثره نثر الدقل»، ومر علي بن أبي طالب على قاص فقال: «أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: «هلكت وأهلكت».

دور العلماء في محاربة الجهل

فيجب على العلماء أن يلموا بعلوم الشريعة وأن يجمعوا الأمة بذلك ومتى ما اختل هذا الأمر وتصدر الناس ورأسهم من يدعي العلم وهو في الحقيقة جاهل بشيء مما مضى فهنا تقع الفتنة في الأمة والاختلاف في الدين ويصاب المجتمع المسلم بالفرقة.

ولقد أخبرنا رسول الله ﷺ بوقوع هذا الأمر وحذرنا من ذلك، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا].

فاعلم أيها الموفق: أن الاختلاف في بعض القواعد الكلية لا يقع في العاديات الجارية بين المتبحرين في علم الشريعة العاملين بمواردها ومصادرها.

أما الاختلاف المؤدي للفرقة والذي يلقي العداوة بين المسلمين إنما يقع حينما يعتقد الإنسان في نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين – ولم يبلغ تلك الدرجة – فيعمل على ذلك ويعد رأيه رأيا وخلافه خلافا ولكن تارة يكون ذلك في جزئي وفرع من الفروع وتارة يكون في كلي وأصل من أصول الدين – كان من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية – فتراه آخذا ببعض جزئيات الشريعة في هدم لكيانها حتى يصير منها ما ظهر له بادئ رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصدها وهذا هو المبتدع وعليه نبه الحديث الصحيح.

أضرار الجهل

ولقد جاء التحذير من ترؤس الجهلة على لسان رسول الله ﷺ وأخبر أن ذلك من أشراط الساعة، عن أبي أمية اللخمي: أن النبي ﷺ قال: [إن من أشراط الساعة ثلاثة إحداهن أن يلتمس العلم عند الأصاغر]، والتماس العلم عند الأصاغر لا يكون إلا بترأسهم وتصدرهم للفتيا من جهة، وذهاب العلماء الراسخين أو تنحيتهم من جهة أخرى.

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ألا إن الناس لم يزالوا بخير ما أتاهم العلم عن أكابرهم»، وقال: «قد علمت متى صلاح الناس ومتى فسادهم: إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير وإذا جاء الفقه من قبل الكبير تابعه الصغير فاهتديا».

وليس المراد هنا صغار السن فقد كان عمر رضي الله عنه يستشير الصغار وكان القراء أهل مشورته كهولا وشبانا، ولكن الجهلة الذين يقولون برأيهم وبغير فقه في الكتاب والسنة فيضلون ويضلون وأهل البدع أصاغر في العلم.

الجهل يجلب الفتنة

ولقد جاءت نصوص أخرى تحذر من ترؤس هؤلاء الجهلة وتصدرهم لقيادة الأمة إذ بذلك تجتلب المحن والفتن على المسلمين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: [سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة «قيل وما الرويبضة؟» قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة].

» هل تعرف معنى الغيرة في الإسلام؟

إن ترؤس هؤلاء الأصاغر إضاعة للأمانة مؤذن بقرب قيام الساعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: [إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. «قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟» قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة].

يقول ابن حجر في الفتح: إن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم وذلك من جملة الأشراط ومقتضاه أن العلم ما دام قائما ففي الأمر فسحة وكأن المصنف أشار إلى أن العلم إنما يؤخذ عن الأكابر.

الجهل والفتنة على عثمان بن عفان

وما حدثت الفتنة في الأمة ودبت الفرقة إلا حينما تصدر مثل هؤلاء الناس وقادوهم، وهذا ما حدث في الفتنة على عثمان رضي الله عنه وهذا كان وصف الخارجين عليه المقدمين على قتله، فقد  كانوا من الأعراب ومن سفهاء الناس وعامتهم. ولما خرج سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى الخارجين على عثمان – وعثمان رضي الله عنه محصور – فرأى سعد رضي الله عنه رؤساءهم صفق بيديه أحدهما على الأخرى ثم استرجع ثم أظهر الكلام فقال: «والله إن أمرا هؤلاء رؤساؤه لأمر سوء»، وصدق رضي الله عنه، وهل أسوأ من قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه والذي نتج عن قتله اندلاع الفتن وفشو الفرقة في الأمة الإسلامية.

جهل أهل البدع

والناظر لأحوال أهل البدع ورؤسائهم المفرقين للأمة شيعا، يجدهم بعيدين عن استيعاب علوم الشريعة جاهلين بفهم معانيها ومعرفة قواعدها ومقاصدها معرضين عن تتبع سنة رسول الله ﷺ وسنة الصحابة رضي الله عنهم وهذا ما أوقعهم في الاختلاف والفرقة.

ويبوب بن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) بابا فيمن تأول القرآن وتدبره وهو جاهل بالسنة ثم يقول: «أهل البدع أجمع أضربوا عن السنة، وتأولوا الكتاب على غير ما بينت السنة فضلوا وأضلوا نعوذ بالله من الخذلان ونسأله التوفيق والعصمة برحمته».

مناظرة أهل البدع لأهل السنة

ولجهل أهل البدع نجدهم عند مناظرتهم لأهل السنة العالمين بقول الله وقول رسوله ﷺ نجدهم ينقطعون ويحيدون في المناظرة بالمنقول من الكتاب والسنة ويقرون على أنفسهم بذلك وأنهم إنما يجيدون الرأي والنظر والقياس كما فعل بشر المريسي، لما ناظر الإمام عبدالعزيز بن يحيى الكناني في مسألة خلق القرآن التي يدعيها بشر وكانت المناظرة بحضرة الخليفة العباسي «المأمون» أظهر بشر من الجهل بالقرآن والسنة النبوية الشيء الكثير ولما حاد عن المناظرة بنص التنزيل قال: عندي أشياء كثيرة إلا أنه (أي الإمام عبدالعزيز الكناني) يقول بنص التنزيل وأنا أقول بالنظر والقياس فليدع مناظرتي بنص التنزيل وليناظرني بغيره ومن أراد المناظرة فلينظرها في كتاب «الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن».

حال أصحاب البدع

ولا عجب أن يكون هذا حال أصحاب البدع من الجهل بالكتاب والسنة والبعد عن تلقي العلم من السلف الصالح وتصدرهم قبل استيعابهم لما قال الله وقال رسوله ﷺ مع دخول الشبهات إليهم، فهذا واصل بن عطاء اعتزل حلقة الحسن البصري وكون له حلقة يرأسها يعلم فيها الناس رأيه فضل وأضل، وهؤلاء الخوارج الأزارقة فأول من أظهر البدع الزائدة فيهم رجل يقال له: عبد ربه الكبير وهو بائع رمان وعبد ربه الصغير وهو معلم كتاب.

وهذا جهم بن صفوان يُسأل عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها فيفتي بأن عليها العدة فيخالف كتاب الله بجهله فقد قال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾.

مقولات عن الجهل

عن أبي الدرداء، أنه كان يقول: تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب بأصحابه، والعالم والمتعلم شريكان في الخير، وسائر الناس لا خير فيهم، إن أغنى الناس رجل عالم افتقر إلى علمه فنفع من افتقر إليه، وإن استغني عن علمه نفع نفسه بالعلم الذي وضع الله عز وجل عنده، فما لي أرى علماءكم يموتون، وجهالكم لا يتعلمون، ولقد خشيت أن يذهب الأول، ولا يتعلم الآخر، ولو أن العالم طلب العلم لازداد علمًا وما نقص العلم شيئًا، ولو أن الجاهل طلب العلم لوجد العلم قائمًا فما لي أراكم شباعًا من الطعام جياعًا من العلم؟!.

الجهل والعلم

إن من الجهل عدم العمل بالعلم، ولقد ذم الله سبحانه علماء السوء الذين يقولون ما لا يعملون فقال سبحانه وتعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.

لذلك كان الصحابة رضي الله عنهم حريصين على العمل الذي علموه يخافون من السؤال يوم القيامة، يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: «إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي: وقد علمت فماذا عملت فيما علمت؟»، ويوصينا رضي الله عنه فيقول: «لا تكون تقيا حتى تكون عالما ولا تكون بالعلم جميلا حتى تكون به عاملا».

مقولات عن العلم

يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «تعلموا، تعلموا، فإذا علمتم فاعملوا».

ويقول الشاطبي: «العلم المعتبر شرعا – أعني الذي مدح الله ورسوله أهله على الإطلاق – هو العلم الباعث على العمل الذي لا يخلي صاحبه جاريا مع هواه كيفما كان، بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه الحامل له على قوانينه طوعا أو كرها».

ثم إن مخالفة عمل العالم لقوله الذي يدعو إليه قد يصد الناس عن دين الله تعالى خاصة إذا كان عمله ظاهرا لهم، ثم إنه قد يوقعهم في الفتنة من حيث هو عالم فيقتدي بعمله الناس قد يتلبس عليهم من عمله ما هو صحيح موافق للحق بما هو باطل فالله المستعان.

إن من الجهل عدم فهم الدليل ووضعه في غير موضعه وهذا نتيجة قصور العلم لذلك وصف رسول الله ﷺ الخوارج بأنهم: [يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم].

يقول ابن تيمية: «وكانت البدع الأولى مثل (بدعة الخوارج) إنما هي من سوء فهمهم للقرآن لم يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه».

» قد ترغب في قراءة شرح عمدة الأحكام

صور الجهل

› من الجهل المنازعة في المسألة قبل استكمال العلم وإحكامه وجمع حواشيه وأطرافه، فيظن المسلم أنه بقراءته للقرآن قد استكمل العلم فيذهب للمنازعة وإنكار ما يجهله فلقد أنكرت أم يعقوب على عبدالله بن مسعود لعنه للواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، قالت له: ما هذا؟ قال: «ومالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ في كتاب الله» قالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته فقال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾».

الجهل ببعض العلم

لذلك أرشدنا رسول الله ﷺ إلى ما يفعله المسلم عند الجهل ببعض العلم، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من صحابة رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حجرة إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله ﷺ مغضبا قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول: [مهلا يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا بل يصدق بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه].

انتبه أيها الموفق لما أرشد إليه رسول الله ﷺ حيث قال: [وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه] ولم يقل نازعوا فيه أو اعملوا برأيكم أو ردوا ما جهلتم.

› ومن الجهل أن ينكر الإنسان ما يجهله وما غاب عن علمه خاصة إذا كان مع المخالف فيقع منه التكذيب ببعض الحق ومن الجهل أن يرد بعض الحق الذي يكون مع مخالفه إذا كان مختلطا بالباطل فيؤدي هذا الرد إلى الاختلاف والنزاع.

الجهل بالدين

› ومن الجهل الانشغال والاهتمام بالعلوم الدنيوية التي يتحصل المسلم بها على وظيفة ودخل ويكون انشغاله على حساب تعلمه أمور دينه الأساسية فكثيرا ما نجد من المسلمين من بلغ مراتب عالية في العلوم الدنيوية ولكنه قليل العلم في أمور دينه حتى لا يكاد يفرق بين أركان الصلاة وواجباتها فضلا عن مستحباتها فيكون بذلك لقمة سائغة وبيئة خصبة لتقبل البدع ونشرها إذ لا حصانة لديه من العلم الشرعي الصحيح.

› ومن الجهل تجزئة الشريعة والأخذ ببعض النصوص بدون بعض أو الزعم بالاستغناء بالقرآن الكريم عن السنة النبوية، يقول الشاطبي رحمه الله: «ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد والجهل بمقاصد الشرع وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المرتب على خاصها … إلى أن قال: فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان، وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما؛ أي دليل كان عفوا وأخذاً، وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي فكأن العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا فمتبعه متبع متشابه ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ كما شهد الله به».

دور ولاة الأمر في محاربة الجهل

لهذا يجب على ولاة الأمر والمربين الحرص على تزويد المناهج الدراسية بالعلوم الشرعية الكفيلة بتزويد المسلم كفايته وحاجته مع تعليمهم العلوم الدنيوية فلا تعارض البتة بين الأمرين.

كلام عن الجهل

يقول بن تيمية: «إذا ميّز العالم بين ما قاله الرسول ﷺ وما لم يقله، فإنه يحتاج أن يفهم مراده ويفقه ما قاله، ويجمع بين الأحاديث ويضم كل شكل إلى شكله، فيجمع بين ما جمع الله بينه ورسوله، ويُفرق بين ما فرق الله بينه ورسوله؛ فهذا هو العلم الذي ينتفع به المسلمون، ويجب تلقيه وقبوله، وبه ساد أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم».

وينبغي للمسلم أن يتنبه إلى مخططات أعداء الدين الموجهة للمسلمين من محاولتهم تجزئة الشريعة والحد من العمل بها وتعطيل بعض أحكامها لإضعاف المجتمع المسلم ومحاولتهم الدائمة لتشكيك الناس في السنة النبوية.

ولقد علم أعداء الدين أهمية العلم الشرعي في بقاء الأمة المسلمة وقوتها وعلموا أيضا خطورة الجهل وكيف أنه أقوى سلاح لتفريق هذه الأمة ومن ثم السيطرة عليها فعمدوا جاهدين إلى نشر الجهل بالدين الإسلامي بين صفوف أبنائه ومحاولة فصل المسلم عن دينه ثم استغلال المسلمين الجهلاء لبث مخططاتهم الاحتلالية ولمد نفوذهم على ثروات المسلمين بل وعقولهم.

صناعة الجهل

ولقد سلكوا وسائل عدة لتحقيق هدفهم من نشر الجهل بين المسلمين منها:

← استفادوا من فترة احتلالهم لبلاد المسلمين بالتدخل في المناهج التعليمية، ومحاولة إحلال المنهج الغربي – كما يدعون – مكان المناهج الإسلامية في البلاد المحتلة.

← عملوا على محاولة استبعاد دراسة القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي في البرامج التعليمية العامة.

← العمل على تشويه عقائد المسلمين وإثارة الشكوك والشبهات حولها عبر وسائل التربية والتعليم من جهة وعبر وسائل الإعلام من جهة أخرى وكم خدم المستأجرون والمندسون والمنافقون والجهلاء أعداء الدين في تحقيق أهدافه.

ولم يقتصر أعداء الدين من نشر الجهل بالدين الإسلامي وتعزيز وجوده بل عمدوا أيضا إلى محاولة تجهيل المسلمين بلغة دينهم لغة القرآن الكريم: (اللغة العربية)، ولذلك يشجعون العامية في الإعلام والإعلان نطقا وكتابة.

الجهل باللغة العربية

من الجهل الذي يؤدي إلى سوء فهم نصوص الشريعة ومن ثم تعدد الآراء وتفرقها هو الجهل باللغة العربية لذا عد تعلم اللغة العربية من العلوم الواجب على المجتهد معرفتها إذ علم اللغة العربية علم لا يحل الاجتهاد في الشريعة إلا بالاجتهاد فيه فالمجتهد بلا بد مضطر إليه.

يقول الإمام ابن عبد البر رحمه الله: «ومما يستعان به على فهم الحديث ما ذكرناه من العون على كتاب الله عز وجل وهو العلم بلسان العرب ومواقع كلامها وسعة لغتها».

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى الآفاق أن يتعلموا السنة والفرائض واللحن – يعني النحو – كما يتعلم القرآن.

الجهل بلسان العرب

وكثيرا ما يقع الخطأ والاشتباه في فهم النصوص الشرعية بسبب الجهل بلسان العرب، يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «إن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها».

وكم من شبهة دخلت على أهل الفرقة والبدعة لجهلهم بلسان العرب.

يقول الإمام الشاطبي: من المآخذ التي تؤخذ على أهل البدع والتي تعد من سماتهم تخرصهم على الكلام في القرآن والسنة العربيين مع العُرُوّ عن علم العربية الذي يفهم به عن الله ورسوله، فيفتاتون على الشريعة بما فهموا ويخالفون الراسخين في العلم وإنما دخلوا في ذلك من جهة تحسين الظن بأنفسهم واعتقادهم أنهم من أهل الاجتهاد والاستنباط، وليس كذلك كما حكي عن بعضهم أنه سئل عن قول الله عز وجل: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾، فقال: هو هذا الصرصر، يعني صرار الليل.

أمثلة عن الجهل باللغة العربية

ثم ذكر رحمه الله أمثلة كثيرة تبين جهلهم بالعربية ثم قال: فمثل الاستدلالات لا يعبأ بها وتسقط مكالمة أهلها، إذ هو خروج عن طريقة كلام العرب إلى اتباع الهوى فحق ما حكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: «إنما هذا القران كلام فضعوه مواضعه ولا تتبعوا به أهواءكم»، أي: فضعوه على مواضع الكلام ولا تخرجوه عن ذلك فإنه خروج عن طريقه المستقيم إلى اتباع الهوى.

وعن الحسن رحمه الله أنه قيل له: أرأيت الرجل يتعلم العربية ليقيم بها لسانه ويقيم بها منطقة؟ قال: نعم! فليتعلمها، فإن الرجل يقرأ بالآية فيعياه توجيهها فيهلك. وعنه أيضا قال: أهلكتكم العجمة تتأولون القرآن على غير تأويله.

ويقول الشاطبي أيضا: ولعلك إذا استقريت أهل البدع المتكلمين أو أكثرهم وجدتهم من أبناء سبايا الأمم ومن ليس له أصالة باللسان العربي، فعما قريب يفهم كتاب الله على غير وجهه.

» هل تعلم ما هو تعريف الأدب؟

جهل بشر المريسي

ولقد أظهر بشر المريسي القائل بخلق القرآن من جهله باللغة العربية ما أظهره عند مناظرته للإمام عبدالعزيز الكناني في أكثر من موضع، كان جهله بالعربية من أسباب قوله بخلق القرآن. حتى قال الإمام عبدالعزيز عنه: وإنما دخل الجهل على بشر ومن قال بقوله لأنهم ليسوا من العرب ولا علم لهم بلغة العرب ومعاني كلامها، فتأول القرآن على لغة العجم التي لا تفقه ما تقول وإنها تتكلم بالشيء كما يجري على لسانها وكل كلامهم ينقض بعضه بعضا، ولا يعتقدون ذلك من أنفسهم ولا يعتقده عليهم غيرهم لكثرة خطئهم ولحنهم وادعائهم لذلك وسمعت عبد الملك بن قريب الأصمعي وقد سأله رجل فقال له: أتدغم الفاء في الباء؟ فتبسم الأصمعي – وقبض على يدي وكان لي إلفاً صديقا – فقال: أما تسمع يا أبا محمد؟ ثم أقبل على السائل وهو متعجب من مسألته فقال: يا هذا أتدغم الفاء في الباء في لغة ماني الساساني، فأما العرب فلا تعرف هذا.

جهل أصحاب البدع

إن جهل أصحاب البدع باللغة العربية جعلهم يقولون بأصولهم الاعتقادية البدعية والتي يفارقون بها جماعة المسلمين ويفرقون الأمة ويخالفون نصوص الكتاب والسنة وليس لهم مستند إلا الجهل والرأي والظن.

فقد جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو من العجمة أتيت. يا أبا عثمان إن الوعد غير الوعيد إن العرب لا تعد خلفا ولا عارا أن تعد شرا ثم لا تفعله، ترى إن ذاك كرما وفضلا إنما الخلف أن تعد خيرا ثم لا تفعله.

محاربة الجهل

على المسلمين ولاة وعامة العناية باللغة العربية حكاية وفهما والحذر مما يحيكه أعداء الدين من المحاولات الأكيدة التي يعملونها لصرف المسلمين عن دينهم وكتاب ربهم بصرفهم عن اللغة العربية بوسائل شتى ودعاوى كاذبة، منها: أن اللغة العربية صعبة التناول والاستعمال ولا تواكب التقدم الحضاري المادي فأخذوا يدعون إلى إحلال اللهجة المحلية العامية مكانها كما دعوا إلى إحلال اللغة الأجنبية من إنجليزية أو فرنسية أو غيرها مكان اللغة العربية وجعل هذه اللغة الأجنبية هي لغة الدراسة واللغة الرسمية في البلاد كما عملوا إلى الدعوة إلى رسم المصحف بالرسم الإملائي الحديث وترك الرسم العثماني بدعوى التسهيل والتيسير وهدفهم صد المسلمين وتجهيلهم بالقرآن الكريم ولغته.

أهمية اللغة العربية

إن بتنحية اللغة العربية أو إهمالها يتحقق للأعداء هدفان وتضرب الأمة المسلمة بذلك ضربتين هما:

• جهل الناس بدينهم وبفهم كتاب الله تعالى إذ ليس المقصود من نزول القرآن قراءته فقط بل تدبر معانيه والعمل به ولا يكون ذلك إلا لمن يجيد اللغة العربية.

• تمزيق الأمة المسلمة، والقضاء على عامل من عوامل وحدة الأمة وتحقيق جماعتها ألا وهو عامل اللغة، فاللغة لغة القرآن الكريم هي من عوامل جمع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها فأنى اتجهت إلى قطر إسلامي ولقيت مسلما حييته بتحية الإسلام العربية (السلام عليكم) فرد السلام باللسان العربي، وإن سألته عن حاله أجابك بلسان عربي: الحمد لله؛ تسري بينهم الألفة والمحبة وإن اختلفت ألوانهم وأجناسهم فالذي يجمعهم كتاب ربهم القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين. وبهذه اللغة العربية لغة القرآن ولغة الدين يكتب الفكر وتكتب ثقافة الأمة أجمع فتتوحد الأمة وتستقل عن غيرها وتتبع كتاب ربها لا تتبع غيره.

التصنيفات: مقالات قصيرة

التعليقات