اكتشف وصايا النبي محمد ﷺ في الاعتدال بالطعام والشراب، وكيف تحقق التوازن الصحي والروحي لحياة أفضل، وفق منهج الشيخ محمد نبيه.

مقدمة: الاعتدال منهج حياة
إن الإسلام دين شامل، لم يترك جانبًا من جوانب حياة الإنسان إلا ونظمه ووضع له القواعد والأسس التي تضمن له السعادة في الدنيا والآخرة. ومن أهم هذه الجوانب ما يتعلق بصحة الإنسان وسلامة بدنه، والتي تُعد أساسًا لتحقيق العبودية لله على أكمل وجه. فالجسد أمانة، والعقل نعمة، وكلاهما يحتاج إلى رعاية واهتمام، وهذا ما يتجلى بوضوح في وصايا النبي محمد صلى الله عليه وسلم حول الاعتدال في الطعام والشراب.
الاعتدال ليس مجرد سلوك غذائي، بل هو فلسفة حياة متكاملة يدعو إليها الإسلام في كل شيء. فكما أن الإفراط في العبادة منهي عنه، كذلك الإفراط في تناول الطعام والشراب له عواقب وخيمة على صحة الإنسان الجسدية والنفسية والروحية. وقد جاءت السنة النبوية الشريفة لتضع لنا منهجًا واضحًا في هذا الصدد، منهجًا يضمن لنا حياة صحية متوازنة، بعيدًا عن الإسراف والتبذير من جهة، وعن الحرمان والتقتير من جهة أخرى.
يؤكد الشيخ محمد نبيه دائمًا في دروسه ومحاضراته على أن “الصحة تاج على رؤوس الأصحاء”، وأن الحفاظ على هذا التاج يبدأ من المائدة. فالإسلام لا يدعو إلى الرهبانية أو حرمان النفس من الطيبات، بل يدعو إلى الاستمتاع بها في حدود الاعتدال، مستشعرين نعمة الله وشاكرين فضله. وهذا ما سنستعرضه في هذا المقال من خلال وصايا نبوية خالدة.
اقرأ أيضا: أهمية النظافة في الإسلام: منظور شرعي وصحي شامل
وصايا نبوية في الاعتدال بالطعام والشراب
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة في كل أفعاله وأقواله، ومنها ما يتعلق بتناوله للطعام والشراب. لم يكن صلى الله عليه وسلم يبالغ في الأكل، ولا يحرم نفسه من الطيبات، بل كان وسطًا معتدلاً، وهذا ما أرشد إليه أمته.
القاعدة الذهبية: «ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطن»
من أبلغ وأوجز الوصايا النبوية في الاعتدال ما رواه الترمذي عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه». هذا الحديث الشريف يضع قاعدة ذهبية للحياة الصحية المتوازنة.
يشير الحديث بوضوح إلى أن الإفراط في ملء البطن بالطعام هو من أسوأ ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه. فالبطن الممتلئة تسبب الثقل والخمول، وتعيق الإنسان عن أداء عباداته وواجباته بنشاط وحيوية. واللقيمات التي تقيم الصلب هي القدر الكافي من الطعام الذي يحفظ للإنسان قوته ويمنعه من الضعف والهزال، دون أن يصل إلى حد الشبع المفرط الذي يثقل الجسد.
وإذا اضطر الإنسان إلى الزيادة، فقد وضع له النبي صلى الله عليه وسلم منهجًا لا يتجاوزه، وهو تقسيم البطن إلى ثلاثة أثلاث: ثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس (للتنفس). وهذا التقسيم النبوي الحكيم ليس مجرد توجيه عام، بل هو أساس علمي للصحة الوقائية، حيث يضمن عدم إرهاق الجهاز الهضمي، ويوفر مساحة كافية للتنفس، مما يحافظ على حيوية الجسم ونشاطه. وهذا ما يؤكده الطب الحديث اليوم في نصائحه بعدم الإفراط في الأكل.
التنوع والتوازن في الغذاء
لم يحدد الإسلام أنواعًا معينة من الطعام يحرمها أو يوجبها إلا ما جاء تحريمه بنص شرعي واضح، بل ترك الأمر واسعًا للمسلمين للاستمتاع بالطيبات التي أحلها الله. ولكن مع هذا الإباحة، جاء الأمر بالتوازن والتنوع والابتعاد عن الإسراف.
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: ٣١). هذه الآية الكريمة هي دستور إلهي في الاعتدال. فهي تدعو إلى الأكل والشرب، ولكنها تنهى عن الإسراف، لأن الله لا يحب المسرفين. والإسراف لا يقتصر على الكمية الزائدة عن الحاجة، بل يشمل أيضًا الإسراف في التبذير، وإلقاء الطعام الزائد، وتناول الأطعمة الضارة بكميات كبيرة.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل من أنواع الطعام المختلفة المتاحة، كالتمر والشعير والخبز واللحم واللبن والعسل، مما يدل على أهمية التنوع الغذائي. ولم يكن يرفض طعامًا حلالاً، ولكنه كان يأكل بقدر حاجته، ويحمد الله على نعمته. وهذا يعلمنا أن نأكل ما ينفعنا، وأن ننوع في غذائنا لنحصل على الفوائد الغذائية المتكاملة، وأن نبتعد عن التركيز على نوع واحد أو الإفراط في تناول ما يضر، كالحلويات والدهون المصنعة.
شرب الماء وأهميته
الماء هو أساس الحياة، وقد أولاه الإسلام أهمية بالغة. وقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شرب الماء من أروع الأمثلة على الاعتدال والحرص على الصحة.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب الماء على ثلاث دفعات، ويتنفس بين كل دفعة وأخرى، ويقول: «إذا شرب أحدكم فليشرب بثلاثة أنفاس، فإن ذلك أهنأ وأمرأ وأبرأ» (رواه مسلم). هذا الهدي النبوي ليس مجرد أدب في الشرب، بل هو توجيه صحي عميق. فشرب الماء دفعة واحدة يمكن أن يسبب اضطرابًا في المعدة، بينما الشرب على ثلاث دفعات يساعد على امتصاص الماء بشكل أفضل، ويمنع من حدوث التقلصات، ويجعل الشرب أكثر راحة وفائدة للجسم.
الماء ضروري لوظائف الجسم الحيوية، من ترطيب الخلايا إلى تنظيم درجة الحرارة، ونقل المغذيات، وتخليص الجسم من السموم. والاعتدال في شرب الماء يعني شرب الكمية الكافية التي يحتاجها الجسم دون إفراط أو تفريط، مع مراعاة الظروف البيئية والنشاط البدني. وهذا ما يوصي به الشيخ محمد نبيه دائمًا في سياق حديثه عن الصحة المتكاملة للمسلم.
آداب الطعام والشراب النبوية
لم يقتصر الهدي النبوي على كمية ونوعية الطعام والشراب، بل امتد ليشمل آدابهما، والتي تعكس احترام النعمة وشكر المنعم، وتساهم في صحة الإنسان وسلامته.
من هذه الآداب:
- التسمية قبل البدء والحمد بعد الانتهاء: «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره» (رواه الترمذي). وهذا يذكر المسلم بأن هذا الرزق من الله، ويجلب البركة.
- الأكل باليمين: «يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك» (رواه البخاري ومسلم). وهو أدب يعكس النظافة والبركة.
- عدم النفخ في الطعام والشراب: «نهى عن النفخ في الطعام والشراب» (رواه أحمد). لما فيه من ضرر صحي، وربما نقل الجراثيم.
- عدم الشرب من فم السقاء مباشرة: «نهى أن يشرب من في السقاء» (رواه البخاري). وذلك لضمان النظافة وعدم تلويث الماء للآخرين.
- الجلوس عند الأكل والشرب: «لا يشربن أحدكم قائمًا» (رواه مسلم). وإن كان هناك رخصة للضرورة، فالأصل هو الجلوس لما فيه من راحة للجهاز الهضمي.
هذه الآداب ليست مجرد شكليات، بل هي جزء لا يتجزأ من ثقافة الاعتدال، وتساهم في تناول الطعام بوعي وهدوء، مما يساعد على الهضم السليم والاستفادة القصوى من الغذاء.
اقرأ أيضا: الصبر والشكر: ركيزتان للحياة الطيبة
الآثار الصحية والروحية للاعتدال
إن الالتزام بوصايا النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتدال بالطعام والشراب له آثار إيجابية عظيمة تتجاوز الجسد لتشمل الروح والنفس.
الصحة الجسدية
الاعتدال في الطعام والشراب هو حجر الزاوية في الوقاية من العديد من الأمراض المزمنة التي أصبحت وباءً في عصرنا الحديث. فالإفراط في الأكل هو السبب الرئيسي للسمنة، والتي بدورها تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، والسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والشرايين، وبعض أنواع السرطان، وآلام المفاصل، وغيرها الكثير. عندما يلتزم المسلم بالثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه، فإنه يحمي جسده من هذه الأمراض، ويحافظ على وزنه الصحي، ويزيد من طاقته وحيويته.
الجسم السليم هو الأقدر على أداء العبادات والطاعات، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا لمقاصد الشريعة التي تهدف إلى حفظ النفس. فالصحة ليست غاية في ذاتها، بل هي وسيلة لتحقيق غايات أسمى، وهي عبادة الله وعمارة الأرض.
الصحة الروحية والنفسية
للاعتدال في الطعام والشراب أثر بالغ على صفاء الروح ونقاء النفس. فالبطن الممتلئة تثقل الجسد وتخمد الهمة، وتجعل الإنسان يميل إلى الكسل والخمول، مما يؤثر سلبًا على خشوعه في الصلاة، وقدرته على الذكر والتفكر، وتلاوة القرآن. بينما الجسد الخفيف النشيط يساعد على اليقظة الروحية، ويزيد من القدرة على التركيز في العبادات، ويفتح القلب لتدبر آيات الله.
كما أن الاعتدال يربي في النفس فضيلة الشكر والرضا بما قسم الله، والبعد عن الشره والطمع. فالشخص المعتدل في أكله وشربه يكون أكثر قدرة على التحكم في شهواته ورغباته، وهذا ينعكس إيجابًا على أخلاقه وسلوكه العام. يرى الشيخ محمد نبيه أن الاعتدال في الطعام هو بوابة للاعتدال في سائر شؤون الحياة، فهو يعلم النفس الانضباط والتحكم، وهما صفتان أساسيتان للمسلم الواعي.
اقرأ أيضا: كيف نحقق السعادة في الدنيا والآخرة: رؤية إسلامية متكاملة
الاعتدال في زمن الوفرة: تحديات وحلول
في عصرنا الحالي، حيث تتوفر الأطعمة بأنواعها وأشكالها المختلفة، وتنتشر الوجبات السريعة والمصنعة، وتكثر الإعلانات المغرية، يصبح الالتزام بالاعتدال تحديًا أكبر من أي وقت مضى.
تحديات العصر الحديث
- وفرة الطعام: سهولة الحصول على الطعام في أي وقت ومكان، مما يغري بالإفراط.
- الوجبات السريعة والمصنعة: التي غالبًا ما تكون غنية بالدهون والسكريات والأملاح الضارة، وتفتقر إلى العناصر الغذائية الضرورية.
- الضغوط الاجتماعية: التي قد تدفع الأفراد لتناول كميات أكبر في المناسبات الاجتماعية.
- قلة النشاط البدني: مع انتشار الحياة المكتبية ووسائل الراحة، يقل حرق السعرات الحرارية، مما يتطلب تقليل المدخول الغذائي.
- الإعلانات والتسويق: التي تشجع على الاستهلاك المفرط للأطعمة غير الصحية.
كيف نطبق الهدي النبوي اليوم؟
على الرغم من هذه التحديات، فإن وصايا النبي صلى الله عليه وسلم تظل هي المصباح الذي ينير لنا الطريق نحو حياة صحية متوازنة. ويمكننا تطبيقها في حياتنا اليومية من خلال:
- الوعي بما نأكل: قراءة الملصقات الغذائية، واختيار الأطعمة الطبيعية الكاملة قدر الإمكان.
- التخطيط للوجبات: إعداد الوجبات في المنزل والتحكم في مكوناتها وكمياتها.
- الأكل ببطء وتأنٍ: مضغ الطعام جيدًا، والاستمتاع بنكهاته، مما يساعد على الشعور بالشبع بكميات أقل.
- الاستماع إلى إشارات الجسد: التوقف عن الأكل عند الشعور بالشبع، وليس عند الامتلاء المفرط.
- التربية الأسرية: غرس قيم الاعتدال في الأبناء منذ الصغر، وتقديم القدوة الحسنة لهم.
- الاستفادة من توجيهات العلماء: مثل الشيخ محمد نبيه الذي يربط بين تعاليم الدين والصحة البدنية والروحية، ويقدم نصائح عملية لتطبيق الهدي النبوي في حياتنا المعاصرة.
- العودة إلى الأطعمة الصحية: التركيز على الفواكه والخضروات والحبوب الكاملة والبروتينات الخالية من الدهون.
اقرأ أيضا: الرياضة في الإسلام: بناء جسد قوي وعقل سليم على منهج الأزهر الشريف
خاتمة: الاعتدال سبيل النجاة
في الختام، يتبين لنا أن الاعتدال في الطعام والشراب ليس مجرد نصيحة صحية عابرة، بل هو ركيزة أساسية من ركائز المنهج الإسلامي الشامل لحياة الإنسان. إنه دعوة إلى التوازن بين متطلبات الجسد وحاجات الروح، وبين الاستمتاع بنعم الله وشكرها، وبين السعي للدنيا والعمل للآخرة.
إن اتباع وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب يضمن للمسلم صحة جسدية قوية، ونفسًا صافية، وروحًا متصلة بخالقها، مما يمكنه من أداء رسالته في الحياة على أكمل وجه. فلنجعل من الاعتدال منهجًا لحياتنا كلها، مستلهمين الهدي النبوي الشريف، لننعم بحياة طيبة في الدنيا، ونفوز برضا الله في الآخرة.

