بدع شهر رجب المنتشرة وكيفية اجتنابها وفق المنهج الأزهري

مشاركة:

يكشف هذا المقال بدع شهر رجب الشائعة ويقدم إرشادات واضحة لاجتنابها، مستندًا إلى المنهج الأزهري الوسطي الذي يدعو إلى الالتزام بالسنة النبوية الصحيحة والتحذير من الابتداع في الدين.

بدع شهر رجب المنتشرة وكيفية اجتنابها وفق المنهج الأزهري
بدع شهر رجب المنتشرة وكيفية اجتنابها وفق المنهج الأزهري

مقدمة: شهر رجب بين الفضائل الثابتة والبدع المنتشرة

شهر رجب هو أحد الأشهر الحرم الأربعة التي عظمها الله تعالى في كتابه الكريم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ (التوبة: ٣٦). هذه الأشهر هي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. وقد خصها الله تعالى بزيادة حرمة، ونهى عن الظلم فيها بشكل خاص، وإن كان الظلم محرماً في كل وقت. ومع هذه المكانة العظيمة، نجد أن بعض الممارسات والاعتقادات قد تسربت إلى هذا الشهر الكريم، لا تستند إلى دليل شرعي صحيح، بل وتصنف ضمن البدع التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم. يأتي هذا المقال ليُسلط الضوء على أبرز بدع شهر رجب المنتشرة، ويبين كيفية اجتنابها وفق المنهج الأزهري الوسطي الذي يدعو إلى الالتزام بالسنة النبوية الصحيحة والتحذير من الابتداع في الدين.

إن المنهج الأزهري الشريف، الذي يمثله علماء كبار أمثال الشيخ محمد نبيه، يؤكد دائماً على ضرورة التمييز بين ما هو ثابت في الشرع وما هو مستحدث لا أصل له، وذلك حفاظاً على نقاء الدين وصفاء العبادة، وحماية للمسلمين من الوقوع في الشرك الخفي أو الغلو الذي قد يفسد عليهم دينهم.

مكانة شهر رجب في الإسلام

رجب هو الشهر السابع من شهور السنة الهجرية، ويأتي قبل شعبان ورمضان. وقد وردت أحاديث ضعيفة وموضوعة كثيرة في فضله، مما أدى إلى انتشار بعض البدع المرتبطة به. والصحيح الثابت أن رجب شهر من الأشهر الحرم، ولهذا فضله الخاص في تحريم القتال فيه وتعظيم الذنب، لكن لم يثبت تخصيصه بعبادات معينة أو فضائل زائدة على سائر الأشهر الحرم إلا ما كان من عموم فضل الطاعات فيها.

الأشهر الحرم وتعظيمها

الأشهر الحرم هي مواسم للطاعة والتقرب إلى الله، وقد كان العرب في الجاهلية يعظمونها ويحرمون فيها القتال. وجاء الإسلام ليؤكد هذه الحرمة ويزيدها تعظيماً، فجعل الظلم فيها أشد إثماً. قال قتادة رحمه الله: “العمل الصالح أعظم أجراً في الأشهر الحرم، والظلم فيهن أعظم إثماً من الظلم فيما سواهن”.

مفهوم البدعة في المنهج الأزهري

البدعة لغةً هي كل ما أُحدث على غير مثال سابق. أما شرعاً، فقد اختلف العلماء في تعريفها وتصنيفها. المنهج الأزهري يميل إلى تعريف البدعة بأنها: “كل ما أُحدث في الدين على وجه التعبد، ولم يكن له أصل في الشرع يدل عليه”، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك بدعاً حسنة وبدعاً سيئة عند بعض الفقهاء، خاصة في غير العبادات المحضة. ولكن في مجال العبادات، يكون التشدد في عدم الإحداث أكبر.

البدعة الإضافية والبدعة الحقيقية

  • البدعة الحقيقية: هي ما لا أصل له في الشرع أصلاً، لا في عموم ولا في خصوص. كصلاة الرغائب مثلاً.
  • البدعة الإضافية: هي ما كان أصله مشروعاً، لكن أُدخل عليه من الكيفيات أو التخصيصات ما لم يرد به الشرع. كصيام يوم معين من رجب بنية التخصيص لفضل لم يثبت.

التحذير النبوي من البدع واضح في قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (متفق عليه)، وقوله: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (رواه أبو داود). هذه الأحاديث تؤكد على خطورة الابتداع في الدين، خاصة في مجال العبادات التي توقيفية.

أبرز بدع شهر رجب المنتشرة

تنتشر في شهر رجب بعض الممارسات التي لا تستند إلى دليل شرعي صحيح، وقد حذر منها علماء الأمة على مر العصور. ومن أبرز هذه البدع:

١. صلاة الرغائب

تعد صلاة الرغائب من أشهر البدع التي ظهرت في شهر رجب. وهي صلاة تُصلى في أول ليلة جمعة من رجب، وتتكون من اثنتي عشرة ركعة بين المغرب والعشاء، بكيفية مخصوصة. وقد أجمع المحققون من أهل العلم على أنها بدعة منكرة.

قال الإمام النووي رحمه الله: “وهي بدعة منكرة قبيحة، مشتملة على منكرات، فينبغي الإعراض عنها وإنكارها على فاعلها”. ولم يثبت فيها حديث صحيح، بل الأحاديث الواردة فيها موضوعة باتفاق المحدثين.

٢. الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج ببدع معينة

ليلة الإسراء والمعراج هي ليلة عظيمة ومناسبة جليلة، وقعت فيها معجزة كبرى للنبي صلى الله عليه وسلم. ولكن لم يثبت في الشرع تخصيصها باحتفالات معينة أو عبادات خاصة. والاحتفال بها في السابع والعشرين من رجب، وتخصيصها ببعض المآكل أو المشروبات أو الاجتماعات على وجه التعبد، يعتبر من البدع الإضافية.

إن تحديد ليلة الإسراء والمعراج تحديداً جازماً في السابع والعشرين من رجب لم يقم عليه دليل قطعي، فضلاً عن عدم ورود تخصيصها بعبادات معينة. فالمسلم مطالب بالإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وتذكر سيرته في كل وقت، لا تخصيص ذلك بليلة لم يثبت فيها شيء.

٣. تخصيص صيام رجب أو بعض أيامه بفضيلة خاصة

لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح يدل على فضل خاص لصيام شهر رجب بأكمله أو تخصيص أيامه بالصيام. ما ورد في ذلك من أحاديث ضعيف جداً أو موضوع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وأما صوم رجب بخصوصه، فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة”. والصيام المشروع هو ما كان من صيام التطوع العام، كصيام الاثنين والخميس، أو الأيام البيض، أو صيام يوم وإفطار يوم، أو ما كان من قضاء أو نذر. أما تخصيص رجب بالصيام اعتقاداً لفضيلة خاصة لم تثبت، فهو من البدع.

٤. الذبح أو العتيرة في رجب

كانت العتيرة ذبيحة تذبح في رجب في الجاهلية تقرباً للأصنام، ثم جاء الإسلام وأبطلها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا فرع ولا عتيرة» (متفق عليه). والفرع هو أول النتاج من الإبل أو الغنم كانوا يذبحونه لآلهتهم. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن النهي عن العتيرة للتحريم، وأنها من بدع الجاهلية التي أبطلها الإسلام. فمن ذبح في رجب بنية العتيرة أو اعتقاد فضل خاص لذلك، فقد وقع في البدعة.

٥. قراءة أدعية معينة أو أذكار مبتدعة

تنتشر بعض الأدعية والأذكار التي تُنسب إلى شهر رجب، أو تُقرأ في لياليه وأيامه، لم يرد بها دليل من الكتاب أو السنة. مثل دعاء “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان”، وإن كان معناه صحيحاً، إلا أن تخصيصه برجب على أنه دعاء خاص به لم يثبت. والأصل في الأذكار والأدعية التوقيف، فلا يجوز إحداث صيغ أو تخصيص أوقات لم يخصصها الشرع.

٦. زيارة القبور على وجه مخصوص

زيارة القبور مشروعة في الإسلام للعظة والاعتبار والدعاء للموتى. ولكن تخصيص شهر رجب أو يوم معين منه لزيارة القبور على وجه مخصوص، أو اعتقاد فضل زائد في زيارتها في هذا الشهر، هو من البدع. فالمسلم يزور القبور في أي وقت تيسر له، دون تخصيص غير مشروع.

موقف المنهج الأزهري من هذه البدع

يتميز المنهج الأزهري بالوسطية والاعتدال، والحرص الشديد على نقاء الشريعة من كل ما يشوبها من بدع وخرافات. ولذلك، فإن علماء الأزهر الشريف، ومنهم الشيخ محمد نبيه، يؤكدون على ضرورة الالتزام بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، والابتعاد عن كل ما لم يثبت عنه.

١. الالتزام بالسنة النبوية

المنهج الأزهري يدعو إلى التمسك بالسنة النبوية المطهرة، فهي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم. وكل عبادة لم يقم عليها دليل من الكتاب أو السنة فهي مردودة على صاحبها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (رواه مسلم).

٢. التحذير من الغلو والتنطع

يحذر المنهج الأزهري من الغلو في الدين والتنطع فيه، وهو تجاوز الحدود الشرعية في العبادات أو المعتقدات. فالإسلام دين يسر واعتدال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون» (رواه مسلم)، وكررها ثلاثاً.

٣. الاعتدال والوسطية

الوسطية هي السمة البارزة للمنهج الأزهري، وهي تعني التوازن بين النصوص الشرعية والعقل، وبين التيسير والتشديد. فلا إفراط ولا تفريط. وهذا ما يدعو إليه علماء الأزهر في التعامل مع فضائل الشهور والعبادات، فلا يُبالغ في فضل ما لم يثبت فضله، ولا يُهمل ما ثبت فضله.

كيفية اجتناب البدع والالتزام بالمنهج الصحيح

للوقاية من الوقوع في البدع والالتزام بالمنهج الشرعي الصحيح، ينبغي للمسلم أن يتبع الخطوات التالية:

١. التعلم والتفقه في الدين

طلب العلم الشرعي هو الحصن المنيع ضد البدع والخرافات. فالمسلم الذي يعرف ما صح من السنة وما لم يصح، وما هو مشروع وما هو مبتدع، يكون أقدر على التمييز والاجتناب. وقراءة كتب أهل العلم الموثوقين، وحضور الدروس والمحاضرات، من أهم وسائل التفقه.

٢. الرجوع إلى أهل العلم الراسخين

عندما تشتبه الأمور أو يختلط الحق بالباطل، يجب على المسلم أن يرجع إلى أهل العلم الراسخين في العلم والورع، الذين يتبعون المنهج الوسطي المعتدل، كعلماء الأزهر الشريف. فالله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣). والاستماع إلى توجيهات علماء أجلاء مثل الشيخ محمد نبيه يساعد على فهم صحيح الدين.

٣. التركيز على العبادات المشروعة

بدلاً من البحث عن فضائل مبتدعة أو عبادات لا أصل لها، ينبغي للمسلم أن يركز على العبادات الثابتة والمشروعة في كل وقت، مثل الصلوات الخمس، وصيام التطوع العام (كالاثنين والخميس والأيام البيض)، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والصدقة، وصلة الأرحام، وغيرها من الطاعات التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة الصحيحة.

٤. نشر الوعي الصحيح

يجب على كل مسلم أن يكون داعية خير، فينشر الوعي الصحيح بين أهله وأصدقائه ومجتمعه، ويصحح المفاهيم الخاطئة حول البدع المنتشرة، بالحكمة والموعظة الحسنة، دون تجريح أو تنفير. فالدعوة إلى الله على بصيرة هي سبيل الأنبياء والمرسلين.

خاتمة

إن شهر رجب شهر عظيم من الأشهر الحرم، وله مكانته في الإسلام، ولكن هذه المكانة لا تعني جواز إحداث عبادات أو تخصيص فضائل لم يأت بها الشرع. وقد بين المنهج الأزهري الشريف، الذي يمثله علماء أجلاء، أن الالتزام بالسنة النبوية الصحيحة هو السبيل الوحيد لسلامة الدين والعبادة.

إن اجتناب بدع شهر رجب وغيرها من البدع هو واجب شرعي، يحفظ للمسلم دينه ويضمن له قبول عمله. فلنحرص جميعاً على اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، والابتعاد عن كل ما لم يثبت عنه، سائلين الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من المتبعين لا المبتدعين.

مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top