استكشف مكانة توقير كبار السن وإكرامهم كمنهج إسلامي أصيل، مستمد من القرآن والسنة النبوية الصحيحة. تعرف على فضل هذا الخلق العظيم، مظاهره العملية، والجزاء الإلهي لمن يلتزم به، كما يؤكد عليه الشيخ محمد نبيه.

توقير كبار السن وإكرامهم: منهج إسلامي رباني
إن الإسلام دين شامل يولي اهتمامًا بالغًا لكل جوانب الحياة، ويرسم للمسلمين منهجًا قويمًا لتعاملاتهم مع بعضهم البعض ومع سائر خلق الله. ومن أسمى هذه القيم وأجلّها، قيمة توقير كبار السن وإكرامهم. هذه القيمة ليست مجرد عرف اجتماعي أو سلوك حضاري، بل هي عبادة وقربة إلى الله تعالى، أمر بها الشرع الحنيف، وجعل لها مكانة عظيمة وفضلاً كبيرًا في الدنيا والآخرة.
في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتغير فيه المفاهيم، قد يغفل البعض عن أهمية هذه الشريحة الغالية من مجتمعاتنا، التي أفنت زهرة شبابها وعمرها في بناء الأوطان وتربية الأجيال. لذا، يأتي هذا المقال ليُسلط الضوء على عمق هذا المفهوم في الإسلام، مستندًا إلى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، ومبينًا آثاره الإيجابية على الفرد والمجتمع، ومذكرًا بالجزاء العظيم الذي أعده الله للموقّرين والمكرمين لكبار السن.
اقرأ أيضا: خطبة عن بر الوالدين في الإسلام
مكانة كبار السن في الإسلام: دعوة ربانية وفطرة إنسانية
لقد أولى الإسلام كبار السن عناية خاصة ومكانة رفيعة، فهم ليسوا مجرد أفراد تجاوزوا مرحلة الشباب والعطاء، بل هم بركة المجتمعات، وحكمة الأمة، وذاكرة الأجيال. إنهم يحملون في طياتهم قصصًا من الكفاح، وخبرات من التجارب، وحكمًا من السنين، يستضيء بها من جاء بعدهم.
إن نظرة الإسلام إلى كبار السن تنبع من فهم عميق لطبيعة الإنسان ودورة حياته، ومن تقدير لقيمة العمر الذي أفنوه في طاعة الله وخدمة أسرهم ومجتمعاتهم. وقد حثت الشريعة على احترامهم وتوقيرهم ليس فقط لأنهم ضعفاء يحتاجون إلى الرعاية، بل لأنهم يحملون قيمة ذاتية عظيمة تستوجب الإجلال والتقدير.
هذه المكانة تتجلى في عدة جوانب:
- التقدير الرباني: الله سبحانه وتعالى هو الذي أطال أعمارهم وكتب لهم البقاء، وهذا بحد ذاته نعمة تستوجب الحمد والشكر، وتلزم العباد بتقدير من قدر الله لهم طول العمر.
- الخبرة والحكمة: كبار السن هم خزائن الخبرة والتجارب، فمن عاش زمنًا طويلاً، رأى من تقلبات الدهر ما لم يره غيره، واكتسب من المعارف والمدارك ما يجعله مرجعًا للأجيال الشابة في كثير من الأمور الحياتية والدينية. قال تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [١]، وكبار السن غالبًا ما يكونون من ذوي العلم والحكمة المستفادة من تجارب الحياة.
- البركة: يُنظر إلى كبار السن في الإسلام على أنهم مصدر بركة للمجتمع والأسرة. فدعواتهم مستجابة غالبًا، ووجودهم يضفي سكينة وطمأنينة. وقد ورد في الأثر: “البركة مع أكابركم”. [٢]
إن توقير كبار السن ليس مجرد سلوك اختياري، بل هو جزء لا يتجزأ من بناء المجتمع الإسلامي المتماسك، الذي يرحم صغيره ويوقر كبيره، ويحافظ على أواصر الترابط والتكافل بين أجياله المختلفة.
اقرأ أيضا: خطبة عن القيم والأخلاق
أوامر قرآنية ونبوية صريحة في توقير كبار السن
لم تترك الشريعة الإسلامية مسألة توقير كبار السن لتقدير الأفراد فحسب، بل نصت عليها نصوصًا صريحة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، لتؤكد على وجوبها وأهميتها.
من القرآن الكريم: بر الوالدين نموذجًا أعلى
على الرغم من أن آيات بر الوالدين لا تخص كبار السن فقط، إلا أنها تتجلى أبهى صورها عند كبر الوالدين وضعفهما. فالله تعالى يقرن الإحسان إليهما بعبادته، مما يدل على عظم مكانتهما وحقهما.
يقول تعالى في سورة الإسراء: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}. [٣] هذه الآيات الكريمة ترسم أروع صور الإحسان إلى الوالدين، خاصة عند بلوغهما الكبر. فالله تعالى ينهى عن أدنى درجات التضجر (“أفٍّ”)، ويأمر بالقول الكريم واللين والتواضع والرحمة والدعاء لهما. وهذا التوجيه الرباني ليس خاصًا بالوالدين فقط، بل هو مبدأ عام ينطبق على جميع كبار السن، وإن كان حقهما أعظم.
وفي سورة لقمان، يؤكد الله تعالى على وصية الوالدين: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}. [٤] هذه الآيات تذكر بجهد الوالدين وعنائهما، خاصة الأم، وتلزم الأبناء بالشكر والإحسان، وهو ما يزداد وجوبًا مع تقدم العمر وضعف الجسد.
من السنة النبوية المطهرة: توجيهات واضحة وشاملة
تزخر السنة النبوية الشريفة بالعديد من الأحاديث التي تحث على توقير كبار السن وإكرامهم، وتجعل ذلك من خصال الإيمان ومكارم الأخلاق:
- ليس منا من لم يوقر كبيرنا: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من لم يرحمْ صغيرَنا، ويُوَقِّرْ كبيرَنا”. [٥] هذا الحديث الشريف يُعد قاعدة ذهبية في بناء المجتمع الإسلامي المتراحم، حيث يقرن الرحمة بالصغير بتوقير الكبير، ويجعل من يفرط في ذلك خارجًا عن كمال خصال المسلمين.
- إكرام ذي الشيبة المسلم من إجلال الله: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ من إجلالِ اللهِ تعالى إكرامَ ذي الشيبةِ المسلمِ وحاملِ القرآنِ غيرِ الغالي فيه والجَافي عنه، وإكرامَ ذي السلطانِ المُقسطِ”. [٦] هذا الحديث يرفع من شأن إكرام المسن إلى درجة عظيمة، حيث يجعله من تعظيم شعائر الله وإجلاله، لما للمسن من قيمة دينية واجتماعية.
- البركة مع أكابركم: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “البَرَكةُ مع أكابِرِكم”. [٧] هذا الحديث يؤكد على أن وجود كبار السن في المجتمع والأسرة يجلب البركة والخير، مما يدعو إلى الحفاظ عليهم ورعايتهم والاستفادة من وجودهم.
- من أكرم شيخًا قيض الله له من يكرمه: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أكرمَ شابٌّ شيخًا لسنِّه إلَّا قيَّض اللهُ له مَن يُكرمُه عندَ سنِّهِ”. [٨] هذا الحديث يُعد حافزًا قويًا للشباب على إكرام كبار السن، فهو وعد نبوي بأن الجزاء من جنس العمل، فمن أكرم شيخًا في شبابه، أكرمه الله بمن يكرمه عندما يبلغ الكبر.
- تقديم الأكبر في الكلام والإمامة: وردت عدة أحاديث تدل على تقديم الأكبر سنًا في الكلام والإمامة وفي بعض المواقف الاجتماعية، كحديث: “كَبِّرِ الكُبْرَ” [٩]، وحديث “يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فإنْ كَانُوا في القِرَاءَةِ سَوَاءً، فأعْلَمُهُمْ بالسُّنَّةِ، فإنْ كَانُوا في السُّنَّةِ سَوَاءً، فأقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فإنْ كَانُوا في الهِجْرَةِ سَوَاءً، فأقْدَمُهُمْ سِلْمًا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ في بَيْتِهِ علَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بإذْنِهِ”. [١٠]
هذه النصوص الشرعية الواضحة لا تدع مجالاً للشك في وجوب توقير كبار السن وإكرامهم، وتجعلها من صميم الدين وجوهر الأخلاق الإسلامية.
اقرأ أيضا: خطبة عن رحمة الله بعباده
مظاهر عملية لتوقير كبار السن وإكرامهم في الحياة اليومية
إن توقير كبار السن وإكرامهم ليس مجرد شعور داخلي، بل هو سلوك عملي يترجم إلى أفعال ومواقف يومية تعكس الاحترام والتقدير. والشيخ محمد نبيه، أحد الدعاة الأزهريين البارزين، يؤكد دائمًا في دروسه ومحاضراته على أن هذه المظاهر العملية هي المحك الحقيقي لصدق الإيمان وكمال الأخلاق. ومن أبرز هذه المظاهر:
1. القول الحسن والتعامل اللين:
يجب أن يكون الكلام مع كبار السن رقيقًا، مهذبًا، خالياً من أي تضجر أو رفع صوت أو استخفاف. يجب استخدام الألفاظ التي تدل على الاحترام والتوقير، مثل “يا أبي”، “يا أمي”، “يا عمي”، “يا خالتي”، أو الألقاب التي تدل على مكانتهم. الاستماع إليهم باهتمام، وعدم مقاطعتهم، والصبر على حديثهم وإن تكرر، أو كان فيه شيء من البطء، كل ذلك من الإكرام.
2. المساعدة وتقديم العون:
كبار السن قد يعانون من ضعف في الجسد أو البصر أو السمع، مما يجعلهم بحاجة إلى المساعدة في كثير من الأمور. من مظاهر إكرامهم تقديم العون لهم في حمل الأمتعة، عبور الطريق، قضاء الحوائج، المساعدة في الأعمال المنزلية، أو حتى في أبسط الأمور كفتح غطاء زجاجة أو رفع شيء ثقيل. المبادرة بتقديم المساعدة دون طلب منهم دليل على النبل والتقدير.
3. تقديمهم في المجالس والمواقف:
من الأدب الإسلامي الأصيل تقديم كبار السن في المجالس، بأن يجلسوا في صدر المجلس، وفي أماكن مريحة. وكذلك تقديمهم في الدخول والخروج، وفي تناول الطعام والشراب، وفي إبداء الرأي. هذا التقديم يعكس مكانتهم واحترامهم.
4. زيارتهم وتفقد أحوالهم:
الاهتمام بكبار السن يشمل زيارتهم بانتظام، خاصة إذا كانوا يعيشون بمفردهم أو بعيدًا عن الأبناء. تفقد أحوالهم، السؤال عن صحتهم، التخفيف عن وحدتهم، إدخال السرور إلى قلوبهم بالهدايا البسيطة أو بالحديث الودود، كل ذلك من أعظم صور الإكرام والبر.
5. الصبر عليهم واستيعابهم:
قد يعاني بعض كبار السن من أمراض الشيخوخة، مثل النسيان أو التكرار في الحديث، أو قد تتغير بعض طباعهم. في هذه الحالات، يتوجب على الأجيال الشابة التحلي بالصبر والحلم، واستيعاب هذه التغيرات بروح من الرحمة والمودة، وتذكر أنهم قد ربونا وتحملوا الكثير من أجلنا ونحن صغار.
6. استشارتهم والاستفادة من خبراتهم:
إن استشارة كبار السن في أمور الحياة المختلفة، وطلب نصيحتهم، والاستماع إلى قصصهم وتجاربهم، ليس فقط من باب الأدب، بل هو أيضًا من باب الاستفادة من كنوز الخبرة والحكمة التي يمتلكونها. هذا الفعل يشعرهم بقيمتهم وأهميتهم، ويمنحهم شعورًا بأنهم ما زالوا جزءًا فاعلاً ومؤثرًا في المجتمع.
7. الإنفاق عليهم ورعايتهم ماديًا:
إذا كان كبار السن في حاجة مادية، فإن الإنفاق عليهم ورعايتهم ماديًا يعد من أوجب الحقوق وأعظم القربات، خاصة إذا كانوا من الوالدين أو الأقارب. قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}. [١١]
8. الدعاء لهم بالخير والرحمة:
الدعاء لكبار السن، سواء كانوا أحياء أو أمواتًا، بالصحة والعافية والمغفرة والرحمة، هو من أجلّ صور البر والإكرام. فدعوة الأبناء الصالحين لوالديهم أو لأقاربهم من كبار السن هي صدقة جارية تنفعهم في حياتهم وبعد مماتهم.
هذه المظاهر العملية، إذا ما ترسخت في سلوك الأفراد والمجتمعات، فإنها تبني جسورًا من المحبة والتقدير بين الأجيال، وتخلق مجتمعًا متماسكًا قويًا تسوده الرحمة والمودة.
اقرأ أيضا: خطبة عن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم
الجزاء العظيم لمن يوقر كبار السن ويكرمهم
لقد وعد الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بجزاء عظيم وثواب وافر لمن يلتزم بخلق توقير كبار السن وإكرامهم. هذا الجزاء لا يقتصر على الآخرة فحسب، بل يمتد ليشمل خيرات وبركات في الدنيا أيضًا.
- رضا الله تعالى والجنة: إن الإحسان إلى كبار السن، وخاصة الوالدين، من أعظم القربات التي يرضى الله عنها. وقد ورد في الحديث الشريف أن “الجنَّةُ تحْتَ أقدامِ الأمَّهاتِ” [١٢]، وهذا يدل على عظم بر الوالدين، الذي يندرج تحته إكرامهم وتوقيرهم عند الكبر. من يبر بكبير السن، يرجو بذلك وجه الله، فينال رضاه وجنته.
- البركة في العمر والرزق: من أبرز الجزاءات الدنيوية لمن يوقر كبار السن، هو أن يبارك الله له في عمره ورزقه. وقد ورد في الحديث: “مَن سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، أوْ يُنْسَأَ له في أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ”. [١٣] وكبار السن هم أصل الرحم، والإحسان إليهم من أعظم صور صلة الرحم.
- أن يُقيض له من يكرمه عند كبره: كما ذكرنا سابقًا في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: “ما أكرمَ شابٌّ شيخًا لسنِّه إلَّا قيَّض اللهُ له مَن يُكرمُه عندَ سنِّهِ”. هذا وعد نبوي صريح بأن الجزاء من جنس العمل. فمن زرع الإكرام والتوقير في شبابه، حصد الرعاية والاحترام في شيخوخته. وهذا يعزز التكافل بين الأجيال ويضمن استمرارية القيم النبيلة.
- نيل الرحمة الإلهية: الرحمة بخلق الله، وخاصة الضعفاء منهم ككبار السن والأطفال، هي سبيل لنيل رحمة الله تعالى. “ارحموا مَن في الأرضِ؛ يرحمْكم مَن في السماءِ”. [١٤] فإكرام كبار السن هو مظهر من مظاهر الرحمة، ومن كان رحيمًا، رحمه الله.
- صلاح الذرية: من بركة الإحسان إلى كبار السن، أن يصلح الله ذرية من يقوم بذلك. فكما أن الأبناء يرون آباءهم يبرون أجدادهم، فإنهم يتعلمون هذه القيمة ويطبقونها بدورهم، فتكون الأجيال متعاقبة على الخير والبر.
- تقوية الروابط الاجتماعية: على المستوى الاجتماعي، فإن توقير كبار السن وإكرامهم يقوي الروابط بين أفراد المجتمع، ويزرع المحبة والوئام، ويجعل المجتمع كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، فلا يشعر كبير السن بالغربة أو الإهمال، ولا يشعر الشاب بالاستغناء عن خبرات من سبقه.
إن هذه الجزاءات الدنيوية والأخروية تزيد من أهمية هذا الخلق العظيم، وتدفع المسلم إلى التمسك به والحرص عليه، ابتغاء مرضاة الله ونيل فضله.
اقرأ أيضا: خطبة عن العبادة في الإسلام
عواقب إهمال توقير كبار السن والتفريط في حقوقهم
كما أن للبر والإكرام جزاء عظيمًا، فإن للتفريط في حقوق كبار السن وإهمال توقيرهم عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة، تنعكس سلبًا على الفرد والمجتمع.
- الحرمان من رحمة الله وبركته: الحديث النبوي الشريف: “ليس منا من لم يرحمْ صغيرَنا، ويُوَقِّرْ كبيرَنا” يدل دلالة واضحة على أن من لا يوقر الكبير، فإنه قد حُرم من خصال المسلمين الكاملة، وقد يُحرم من رحمة الله وبركاته.
- عقوق الوالدين وسخط الله: إذا كان الكبير من الوالدين، فإن إهماله وعدم توقيره يعد عقوقًا، وهو من كبائر الذنوب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رضا الرَّبِّ في رضا الوالدِ وسخطُ الرَّبِّ في سخطِ الوالدِ”. [١٥] والعقوق لا يورث إلا الشقاء في الدنيا والعذاب في الآخرة.
- العقوبة من جنس العمل: من أهمل كبار السن في شبابه، ولم يوقرهم، فإنه قد يُعاقب بأن يُعامل بنفس المعاملة عند كبره. وقد رأينا كثيرًا من القصص التي تؤكد هذا المعنى، حيث يلقى الجاحد جزاء جحوده على يد أبنائه أو من حوله.
- ضعف الروابط الاجتماعية وتفكك الأسر: إهمال كبار السن يؤدي إلى ضعف الروابط الأسرية والاجتماعية، ويخلق فجوة بين الأجيال. هذا التفكك يهدد استقرار المجتمع وسلامته، ويجعل الأفراد يعيشون في عزلة ووحدة، مما يؤثر سلبًا على الصحة النفسية للمسنين ولغيرهم.
- خسارة الخبرة والحكمة: عندما لا يُقدر كبار السن، ولا تُستشار خبراتهم، فإن المجتمع يخسر مصدرًا ثمينًا للحكمة والتوجيه، ويحرم الأجيال الشابة من الاستفادة من تجارب من سبقوهم، مما قد يؤدي إلى تكرار الأخطاء وضعف البناء الحضاري.
إن هذه العواقب تبرز بوضوح لماذا اهتم الإسلام بهذا الجانب اهتمامًا بالغًا، وحث على توقير كبار السن وإكرامهم، ليس فقط من باب الأخلاق الحسنة، بل من باب حفظ كيان الأمة وصلاحها.
اقرأ أيضا: خطبة مقومات الحياة الطيبة
دور المجتمع والمؤسسات في تعزيز ثقافة إكرام كبار السن
لا يقع واجب توقير كبار السن وإكرامهم على عاتق الأفراد والأسر فحسب، بل هو مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود المجتمع بأسره، بما في ذلك المؤسسات المختلفة.
- دور الأسرة: الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع، وهي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء القيم والأخلاق. يجب على الوالدين غرس حب كبار السن واحترامهم في نفوس أبنائهم منذ الصغر، من خلال القدوة الحسنة، والتوجيه المباشر، وربطهم بالأجداد والجدات.
- دور المساجد والمراكز الإسلامية: للمساجد دور محوري في تعزيز هذه القيمة النبيلة. يجب على الأئمة والخطباء والدعاة، ومنهم الشيخ محمد نبيه، أن يكثروا من التذكير بفضل توقير كبار السن وإكرامهم، وبيان النصوص الشرعية الواردة في ذلك، وتقديم النماذج العملية من سيرة السلف الصالح. كما يمكن للمساجد تنظيم فعاليات لزيارة كبار السن أو دعوتهم للمشاركة في الأنشطة المجتمعية.
- دور المؤسسات التعليمية: يجب أن تُدرج هذه القيمة ضمن المناهج الدراسية في جميع المراحل التعليمية، ليتعلم الأطفال والشباب أهمية احترام وتقدير كبار السن، وكيفية التعامل معهم ببر وإحسان.
- دور الإعلام: يمكن لوسائل الإعلام المختلفة (المرئية والمسموعة والمقروءة والرقمية) أن تلعب دورًا فعالاً في نشر الوعي بأهمية رعاية كبار السن، وتسليط الضوء على قصص النجاح في برهم، وعرض النماذج الإيجابية، ومواجهة السلوكيات السلبية.
- دور الحكومات والمؤسسات الرسمية: يجب على الحكومات والمؤسسات الرسمية توفير الدعم اللازم لكبار السن، من خلال برامج الرعاية الصحية والاجتماعية، وتوفير دور الرعاية لمن لا عائل لهم، وتسهيل حياتهم في الأماكن العامة، وتوفير فرص للمشاركة المجتمعية لهم، ووضع قوانين تحميهم من الإهمال أو الإساءة.
بتكامل هذه الأدوار، يمكن للمجتمع أن يبني بيئة حاضنة لكبار السن، تضمن لهم العيش بكرامة وعزة، وتستفيد من حكمتهم وخبراتهم.
اقرأ أيضا: خطبة عن الأسرة في الإسلام
الخاتمة
إن توقير كبار السن وإكرامهم ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو ركن أساسي من أركان المجتمع الإسلامي المتماسك، وقيمة عظيمة من قيم ديننا الحنيف. إنه منهج رباني شامل، يحفظ للإنسان كرامته في كل مراحل حياته، ويضمن له الرعاية والاحترام حتى في أضعف حالاته.
لقد رأينا كيف أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة قد أكدا على هذه القيمة تأكيدًا بالغًا، وجعلا لها من الأجر والثواب في الدنيا والآخرة ما لا يعد ولا يحصى. إن هذا التوجيه النبوي: “ليس منا من لم يرحمْ صغيرَنا، ويُوَقِّرْ كبيرَنا” يجب أن يكون نبراسًا يضيء دروبنا، ويوجه سلوكياتنا.
فلنحرص جميعًا على تطبيق هذا المنهج الرباني في حياتنا اليومية، ولنكن قدوة حسنة لأبنائنا وأجيالنا القادمة، حتى ننعم ببركة كبار السن في حياتنا، وننال رضا الله تعالى وجنته، ونسهم في بناء مجتمع تسوده الرحمة والمودة والتكافل بين جميع أفراده. نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا من البارين والمكرمين لكبار السن.
[١] (يوسف: ٧٦)
[٢] (صحيح الجامع: ٢٨٨٤).
[٣] (الإسراء: ٢٣-٢٤).
[٤] (لقمان: ١٤).
[٥] (صحيح الجامع: ٥٤٤٥).
[٦] أخرجه أبو داود (٤٨٤٣).
[٧] (صحيح الجامع: ٢٨٨٤).
[٨] أخرجه الترمذي (٢٠٢٢)
[٩] (رواه البخاري ومسلم)
[١٠] (رواه مسلم)
[١١] (البقرة: ٢١٥)
[١٢] (ضعيف الجامع: ٢٦٦٦)
[١٣] (رواه البخاري ومسلم)
[١٤] (رواه الترمذي، وصححه الألباني)
[١٥] (رواه الترمذي، وصححه الألباني)

