استكشف شرح المنظومة الحائية لابن أبي داود، وهي قصيدة جامعة لأصول عقيدة أهل السنة والجماعة. تعرف على مبادئ الإيمان والتوحيد والسنة، وكيفية فهمها وتطبيقها في ضوء الكتاب والسنة.

مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فإن علم العقيدة هو أشرف العلوم وأساسها، إذ به يصح إيمان المرء ويستقيم توحيده، وعليه تُبنى سائر الأعمال والعبادات. وقد أولى سلفنا الصالح هذا العلم عناية فائقة، فصنفوا فيه المؤلفات، ونظموا فيه المنظومات؛ ليسهل حفظه وتلقينه على الطلاب والسالكين. ومن تلك المنظومات الجليلة التي حظيت بقبول الأمة وتناقلتها الأجيال، “المنظومة الحائية” للإمام الحافظ أبي بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، المعروف بابن أبي داود السجستاني، صاحب السنن.
تُعد هذه المنظومة من المتون المختصرة الجامعة لأصول عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد صاغها الإمام بأسلوب شعري بليغ يسهل حفظه وفهمه، مع إيجاز لا يخل بالمعنى، وشمول يغطي أهم المسائل العقدية التي ميزت منهج السلف الصالح. وتأتي أهمية شرحها وتوضيحها في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن، واختلطت المفاهيم، وتعددت المذاهب، ليظل المسلم على بصيرة من دينه، متمسكًا بمنهج الوسطية والاعتدال الذي هو سمة الأزهر الشريف وعلمائه الأجلاء.
سنتناول في هذا الشرح المبارك، بإذن الله تعالى، أبرز معالم هذه المنظومة، موضحين مقاصد الإمام ابن أبي داود، مستنيرين بنهج أهل السنة والجماعة في العقيدة، وهو المنهج الذي يلتزم به الشيخ محمد نبيه، منهج يقوم على التنزيه المطلق لله تعالى، ونفي التشبيه والتجسيم، مع إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات الكمال والجلال، على الوجه الذي يليق به سبحانه، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، وعلى التفويض في الكيفية والكيف، والتأويل المجمل للمتشابهات بما يتفق مع كمال الله تعالى.
اقرأ أيضا: كتاب الروضة البهية في شرح منظومة ابن أبي داود الحائية
الإمام ابن أبي داود صاحب المنظومة
هو الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني، صاحب “السنن”، ولد سنة (٢٣٠هـ) وتوفي سنة (٣١٦هـ). كان أبوه الإمام الحافظ أبو داود السجستاني، صاحب “السنن” المشهورة، الذي يعد أحد الأئمة الستة لأصحاب الصحاح والسنن. نشأ ابن أبي داود في بيت علم وفقه وحديث، وترعرع في كنف والده الذي كان من كبار علماء عصره، فطلب العلم مبكرًا، وتلقى الحديث عن والده وعن طبقة واسعة من كبار المحدثين في عصره، منهم قتيبة بن سعيد، وأحمد بن صالح المصري، ومحمد بن يحيى الذهلي، وغيرهم كثير.
اشتهر الإمام ابن أبي داود بغزارة علمه، وحفظه للحديث، ومعرفته الواسعة بالرجال والعلل، حتى قيل عنه: “ابن أبي داود أعلم بالحديث من أبيه”. وقد كان له مجلس علم كبير في بغداد، يقصده طلاب العلم من كل حدب وصوب. ترك الإمام ابن أبي داود مؤلفات عديدة في الحديث والفقه، منها كتاب “المصاحف”، وكتاب “القدر”، وكتاب “الرد على أهل القدر”، وغيرها.
أما “المنظومة الحائية” فقد نُسبت إليه؛ لأنها جاءت على حرف الحاء في قافيتها، وهي قصيدة شعرية موجزة، اشتملت على أهم مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، وقد تلقاها العلماء والطلاب بالقبول، وتناقلوها عبر الأجيال، لما فيها من بيان شافٍ لأصول العقيدة بأسلوب سهل ميسر. وقد كانت هذه المنظومة بمثابة مرجع أساسي في تقرير عقيدة السلف، ونقلها للأجيال اللاحقة، مما يدل على مكانة مؤلفها وعمق فهمه للعقيدة الصحيحة.
أهمية العقيدة في الإسلام
العقيدة هي الأساس الذي يقوم عليه بنيان الإسلام كله، وهي أصل الأصول، ومحور الدين، فلا يصح عمل ولا يقبل قربان إلا بعد سلامة العقيدة وصحتها. لقد جاءت جميع الرسل والأنبياء بدعوة واحدة هي توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
إن أهمية العقيدة تكمن في عدة جوانب:
١. أساس قبول الأعمال:
لا يقبل الله من العبد عملاً صالحًا إلا إذا كان مبنيًا على عقيدة صحيحة خالية من الشرك والبدع. فالصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر العبادات لا تثمر ثمرتها المرجوة إلا إذا صدرت عن قلب موحد مؤمن بالله حق الإيمان. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
٢. تحقيق الأمن النفسي والسكينة القلبية:
العقيدة الصحيحة تمنح المسلم طمأنينة وسكينة نفسية، لأنه يعلم أن له ربًا واحدًا مدبرًا لكل الأمور، بيده ملكوت كل شيء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. هذا اليقين يدفع عنه القلق والخوف ويملأ قلبه بالرضا والتسليم لقضاء الله وقدره. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
٣. توجيه السلوك والأخلاق:
العقيدة الصحيحة هي المنبع الصافي للأخلاق الفاضلة والسلوك القويم. فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، يدفع المسلم إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، لأنه يعلم أنه محاسب على كل ما يصدر عنه، وأن الجزاء في الآخرة يكون على قدر الأعمال.
٤. وحدة الأمة:
العقيدة هي الرابط المشترك الذي يجمع المسلمين على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأوطانهم. فكلمة التوحيد “لا إله إلا الله محمد رسول الله” هي شعارهم، وهي الأساس الذي تتحد عليه صفوفهم. ولذلك، فإن الحفاظ على صفاء العقيدة ونقائها هو حفاظ على وحدة الأمة وقوتها.
من هنا، ندرك لماذا أولى الإمام ابن أبي داود وغيره من أئمة السلف عناية فائقة بتقرير العقيدة الصحيحة، وصياغتها في متون تحفظ الأجيال من الانحراف والزيغ.
اقرأ أيضا: شرح الشريعة للآجري
نظرة عامة على المنظومة الحائية
المنظومة الحائية هي قصيدة شعرية من بحر الرجز، تتألف من (٣٣) بيتًا، وهي موجزة الألفاظ، عميقة المعاني، وقد جاءت على حرف الحاء في قافيتها، ومن هنا جاءت تسميتها بـ “الحائية”. تتناول المنظومة جملة من أصول العقيدة الإسلامية، التي تُعد من معتقدات أهل السنة والجماعة، بأسلوب مباشر وتقريري، يهدف إلى تثبيت هذه المعتقدات في نفوس القارئين والحافظين.
أبرز المحاور التي تناولتها المنظومة:
- التوحيد والصفات الإلهية: التأكيد على وحدانية الله تعالى، وإثبات صفاته العلى وأسمائه الحسنى، مع التنزيه عن مشابهة المخلوقين.
- القرآن الكريم: بيان أنه كلام الله تعالى غير مخلوق.
- الرؤية: إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة.
- القدر: الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، وأن الله خالق كل شيء.
- الإيمان: تعريفه بأنه قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
- الصحابة الكرام: وجوب محبتهم وتقديرهم، والكف عما شجر بينهم.
- آل البيت: محبتهم وتوقيرهم.
- الشفاعة والحوض: الإيمان بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وحوضه يوم القيامة.
- الغيبيات: الإيمان بعذاب القبر، والصراط، والميزان، والجنة والنار.
- التحذير من البدع وأهلها: الدعوة إلى لزوم السنة والجماعة، والتحذير من الفرق الضالة.
تُعد هذه المنظومة خلاصة مركزة لعقيدة السلف الصالح، وقد جاءت في زمن كثرت فيه الفتن والمقالات البدعية، فكانت بمثابة حائط صد يحفظ المسلمين من الانحراف عن الجادة. ومنهج الشيخ محمد نبيه في فهمها هو منهج وسط، يثبت ما أثبته النص الشرعي، وينزه الله تعالى عن كل نقص أو مشابهة للمخلوقين، ويحذر من الغلو والتطرف في أي جانب من جوانب العقيدة.
شرح مفصل لمسائل العقيدة في المنظومة
دعونا نتناول أبرز مسائل العقيدة التي وردت في المنظومة الحائية، مع شرحها وفق منهج أهل السنة والجماعة، الذي يتبناه الشيخ محمد نبيه.
١. توحيد الله تعالى وصفاته:
تبدأ المنظومة بالتأكيد على توحيد الله تعالى، وأنه سبحانه المعبود وحده لا شريك له. يدعو الإمام ابن أبي داود إلى التمسك بالكتاب والسنة، وهما أصل العقيدة الصحيحة، ويحذر من البدع التي تضل عن سبيل الحق. وهذا هو أساس منهج الشيخ محمد نبيه، الذي يدعو إلى اتباع الوحيين بفهم سليم لا إفراط فيه ولا تفريط.
ثم ينتقل إلى صفات الله تعالى:
أ. القرآن كلام الله غير مخلوق:
أكد الإمام على أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى، منزل غير مخلوق. وهذه المسألة من المسائل العقدية العظيمة التي خاض فيها أهل البدع، كالمعتزلة الذين زعموا أن القرآن مخلوق. وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن القرآن كلام الله حقيقة، حروفه ومعانيه، وأن الله تكلم به متى شاء، وأنه ليس مخلوقًا، فلو كان مخلوقًا لكان حادثًا، وحاشا لله أن يكون كلامه حادثًا. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩]، وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. منهج الشيخ في هذه المسألة هو التمسك بهذا الاعتقاد، مع التنبيه إلى أن اللفظ الذي يتلوه العبد هو مخلوق، أما كلام الله نفسه فهو صفة من صفاته الأزلية الأبدية.
ب. رؤية الله تعالى في الآخرة:
يؤكد الإمام على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة جهرة، كما يُرى البدر ليلة تمامه. وهذا ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]. وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فإنكم ترونه كذلك». أهل السنة والجماعة يثبتون الرؤية لله تعالى في الآخرة على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته، بلا تكييف ولا تحديد، ولا يؤولونها بمعنى “رؤية الثواب”. الشيخ يؤكد هذه العقيدة، وينزه الله تعالى عن أن يُرى رؤية إحاطة أو تحديد جهة، بل هي رؤية تليق به سبحانه، لا يعلم كيفيتها إلا هو.
ج. تنزيه الله تعالى عن المشابهة والحاجة:
يقرر الإمام تنزيه الله عن الولادة والمولودية، وعن كل شبه بالمخلوقين. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. هذه الآية الكريمة هي أساس التنزيه عند أهل السنة والجماعة. فالله تعالى منزه عن صفات النقص، وعن كل ما يوهم التشبيه بخلقه. الشيخ يؤكد على هذا التنزيه المطلق، ويرى أن أي إثبات لصفات الله تعالى يجب أن يكون مقرونًا بهذا التنزيه، بحيث لا يفهم منه تجسيم أو تحيز أو تحديد. فالله تعالى موجود بلا مكان ولا زمان، ولا يحويه شيء، ولا يحده شيء، ولا يشبه شيئًا من خلقه.
٢. الإيمان بالقضاء والقدر:
يؤكد الإمام على قضيتين أساسيتين هنا: الإيمان بالقدر، وتعريف الإيمان.
أ. الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر هو ركن من أركان الإيمان الستة، وهو أن تؤمن بأن كل ما يحدث في الكون من خير وشر، ونفع وضر، وعلم وجهل، وموت وحياة، ومحبة وبغض، كله بتقدير الله تعالى وعلمه السابق ومشيئته النافذة وخلقه. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. يجب الإيمان بالقدر على مراتبه الأربع: العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق.
- العلم: أن الله علم أزلاً ما كان وما يكون.
- الكتابة: أن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ.
- المشيئة: أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
- الخلق: أن الله خالق كل شيء، ومنه أفعال العباد. منهج الشيخ في القدر هو الوسطية، فلا إفراط كالجبرية الذين سلبوا العبد الاختيار، ولا تفريط كالقدرية الذين أنكروا علم الله السابق ومشيئته لأفعال العباد. بل العبد له اختيار ومشيئة تحت مشيئة الله وقدرته، وهو مسؤول عن أفعاله. قال تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨-٢٩].
ب. تعريف الإيمان:
يُعرف الإيمان بأنه: “قول باللسان، وتصديق بالجنان (القلب)، وعمل بالأركان (الجوارح)”. ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للمرجئة الذين زعموا أن الإيمان هو مجرد التصديق بالقلب أو النطق باللسان، وأن الأعمال ليست جزءًا من الإيمان. «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». هذا الحديث يؤكد أن الإيمان يشمل القول والعمل والاعتقاد. الشيخ يقرر هذا التعريف الشامل للإيمان، ويحذر من مذهب المرجئة الذي قد يؤدي إلى التساهل في الطاعات والوقوع في المعاصي بحجة أن الإيمان لا يتأثر بذلك.
٣. الصحابة الكرام وآل البيت:
أ. محبة الصحابة وتقديرهم:
تؤكد المنظومة على وجوب محبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتقديرهم، والكف عن الخوض فيما شجر بينهم. الصحابة هم خير القرون بعد الأنبياء، وقد اصطفاهم الله لصحبة نبيه ونقل دينه. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه». منهج أهل السنة والجماعة، وهو منهج الشيخ، هو الإمساك عما شجر بين الصحابة، واعتقاد أنهم مجتهدون مأجورون، وأن الله قد غفر لهم ورضي عنهم. ولا يجوز سبهم أو الطعن فيهم، فذلك من علامات أهل الضلال.
ب. محبة آل البيت:
كما تدعو المنظومة إلى محبة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهم قرابته من بني هاشم وبني المطلب، وزوجاته أمهات المؤمنين. قال صلى الله عليه وسلم: «أذكركم الله في أهل بيتي». محبة آل البيت واحترامهم وتوقيرهم هو جزء من محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن دون غلو أو إطراء يتجاوز حدود الشرع، كما تفعل بعض الفرق الضالة. الشيخ يؤكد على هذا التوازن، محبة الجميع بلا إفراط ولا تفريط.
٤. الشفاعة والحوض وعذاب القبر والصراط:
أ. الشفاعة والحوض:
يؤمن أهل السنة والجماعة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وهي أنواع: الشفاعة العظمى للخلق لفصل القضاء، والشفاعة في إخراج الموحدين من النار، والشفاعة في رفع درجات أهل الجنة، وغيرها. قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. كما يؤمنون بحوض النبي صلى الله عليه وسلم الذي يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة، وقد جاء وصفه في أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ أبدًا». هذه الأمور من الغيب الواجب الإيمان بها، يثبتها الشيخ كما جاءت في النصوص الشرعية، دون تأويل يخرجها عن ظاهرها أو إنكار لها.
ب. عذاب القبر ونعيمه:
يؤكد الإمام على الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وهما من أمور الغيب التي جاءت بها النصوص الشرعية. قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. وفي الحديث: «إذا وضع الميت في قبره أتاه ملكان…» الحديث. الشيخ يقرر الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، على الحقيقة، وهو من مسائل العقيدة التي لا يجوز إنكارها.
ج. الصراط والميزان والحشر والجنة والنار:
المنظومة تؤكد على الإيمان بهذه الأمور الغيبية التي هي من مشاهد يوم القيامة:
- الحشر: جمع الناس للحساب يوم القيامة. ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].
- الميزان: ميزان حقيقي له كفتان توزن به أعمال العباد. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧].
- الصراط: جسر ممدود فوق جهنم يمر عليه الناس، وهو أدق من الشعرة وأحدّ من السيف.
- الجنة والنار: هما دارا الجزاء الأبدي، الجنة للمؤمنين الطائعين، والنار للكافرين والعصاة. وهما مخلوقتان موجودتان الآن. الشيخ يؤمن بكل هذه الحقائق الغيبية كما وردت في النصوص، دون تحريف أو تأويل يخرجها عن معناها الظاهر، مع التأكيد على أنها حقائق تليق بجلال الله تعالى، ولا يمكن إدراك كيفيتها على وجه التفصيل بعقولنا القاصرة.
٥. التحذير من البدع وأهلها:
يختتم الإمام منظومته بالتحذير الشديد من البدع وأهل الأهواء، ويحث على لزوم السنة والجماعة، والالتزام بمنهج السلف الصالح. البدعة هي كل ما أحدث في الدين على غير مثال سابق، مما لم يأذن به الشرع. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم منها بقوله: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». منهج أهل السنة والجماعة هو التمسك بالسنة، والتحذير من البدع بأنواعها، سواء كانت بدعًا اعتقادية أو عملية. وهذا ما يؤكد عليه الشيخ دائمًا، ويحارب به الشطط والغلو والتطرف، ويدعو إلى فهم سليم للدين بعيدًا عن الابتداع والتغيير.
منهج الشيخ في فهم المنظومة وشرحها
يعتمد الشيخ محمد نبيه في فهم وشرح مثل هذه المتون العقدية على منهج وسطي معتدل، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويحقق التوازن بين العقل والنقل، ويمكن تلخيصه في النقاط التالية:
١. الإثبات والتنزيه:
يؤمن الشيخ بجميع ما ورد في الكتاب والسنة من أسماء الله الحسنى وصفاته العلا، ويُثبتها لله تعالى على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته، دون تشبيه بخلقه أو تكييف لكيفيتها. وفي الوقت نفسه، ينزه الله تعالى عن كل ما لا يليق بكماله، كالحلول، والاتحاد، والتشبيه، والتجسيم، والتحيز في مكان أو جهة. فـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
٢. التفويض والتأويل المجمل:
فيما يتعلق بآيات الصفات المتشابهة وأحاديثها، يميل الشيخ إلى التفويض في الكيفية، أي الإيمان بالصفة كما جاءت مع تفويض علم كيفيتها إلى الله تعالى، مع تنزيهه عن مشابهة المخلوقين. أو التأويل المجمل، وهو صرف اللفظ عن ظاهره الذي يوهم التشبيه إلى معنى لائق بالله تعالى، دون الخوض في تفاصيل التأويل التي قد تؤدي إلى التعطيل. على سبيل المثال، في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: ٥]، يؤمن الشيخ بالاستواء اللائق بالله تعالى، الذي لا يستلزم حلولاً أو استقراراً أو مكانًا، ويفوض علم كيفيته إلى الله.
٣. احترام السلف الصالح:
يؤكد الشيخ على احترام جميع الصحابة الكرام، وأئمة السلف الصالح، وعدم الخوض فيما شجر بينهم، مع الاعتقاد بأنهم مجتهدون مأجورون. ويحذر من سب الصحابة أو تكفيرهم، فهو خروج عن منهج أهل السنة والجماعة.
٤. محاربة الغلو والتطرف:
يُعد منهج الشيخ سدًا منيعًا ضد الغلو والتطرف في جميع أشكاله، سواء كان غلوًا في التكفير، أو غلوًا في التشبيه والتجسيم، أو غلوًا في إنكار السنن والبدع. يدعو الشيخ إلى الوسطية والاعتدال في جميع الأمور، وأن الدين يسر لا عسر.
٥. التمسك بالكتاب والسنة بفهم صحيح:
يؤكد الشيخ على أن مصدر العقيدة هو الكتاب والسنة، ولكنهما يُفهمان بفهم سليم، مستنيرًا بفهم السلف الصالح، ومراعيًا لقواعد اللغة العربية، وأصول التفسير والحديث، ومقاصد الشريعة، وبعيدًا عن الظاهرية الجامدة التي لا تراعي التنزيه، أو التأويلات الباطلة التي تؤدي إلى التعطيل.
٦. وحدة الأمة:
يسعى الشيخ دائمًا إلى جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم على عقيدة صحيحة، بعيدًا عن الفرقة والخلافات المذهبية المتشددة، مؤكدًا على المشتركات التي تجمع الأمة، ومحذرًا من النزاعات التي تفت في عضدها.
الخاتمة
وفي الختام، فإن “المنظومة الحائية” للإمام ابن أبي داود السجستاني تُعد من المتون العقدية المباركة التي حفظت لأجيال المسلمين خلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة. وقد سعينا في هذا الشرح الموجز إلى إبراز معالم هذه العقيدة، مستنيرين بمنهج الشيخ محمد نبيه، الذي يمثل الوسطية والاعتدال في فهم الدين.
إن التمسك بهذه الأصول العقدية هو صمام الأمان للأمة في زمن الفتن، وهو الطريق الموصل إلى مرضاة الله تعالى وجنته. فعلى كل مسلم أن يتعلم عقيدته ويصححها، وأن يلتزم بمنهج السلف الصالح الذي قام على الكتاب والسنة بفهمٍ سليمٍ، بعيدًا عن الغلو والتطرف، ومتحليًا بآداب العلم والتعلم.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه، وأن يثبتنا على عقيدة أهل الحق، وأن يجعل عملنا هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل من قرأه أو سمعه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أسئلة شائعة
ما هي المنظومة الحائية لابن أبي داود وما أهميتها؟
المنظومة الحائية هي قصيدة شعرية في العقيدة السلفية، كتبها الإمام الحافظ أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني (ت ٣١٦هـ). سميت بالحائية لأنها تنتهي بحرف الحاء في كل بيت. تكمن أهميتها في أنها تعد من المتون المختصرة الجامعة لأصول عقيدة أهل السنة والجماعة، وتتناول مسائل الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، والقدر، والصحابة، وموقف أهل السنة من البدع، مما يجعلها مرجعاً أساسياً لطلاب العلم في فهم العقيدة الصحيحة.
من هو ابن أبي داود وما مكانته العلمية؟
هو الإمام الحافظ أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني، ابن الإمام أبي داود صاحب السنن. ولد سنة ٢٣٠هـ وتوفي سنة ٣١٦هـ. كان من كبار أئمة الحديث والفقه في عصره، وقد ورث العلم عن أبيه وعن شيوخ كبار آخرين. اشتهر بعلمه الواسع وحفظه للحديث، وله مصنفات عديدة في الحديث والفقه والعقيدة، ومن أبرزها “كتاب المصاحف” والمنظومة الحائية التي تعد من أشهر أعماله في العقيدة.
ما هي أبرز المسائل العقدية التي تناولتها المنظومة الحائية؟
تتناول المنظومة الحائية جملة من المسائل العقدية الأساسية لأهل السنة والجماعة، منها: إثبات صفات الله تعالى على ما يليق بجلاله بلا تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، الإيمان بالقدر خيره وشره، الإيمان بالقرآن الكريم كلام الله غير مخلوق، الإيمان برؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، الإيمان بالشفاعة والحوض والميزان والصراط، محبة الصحابة والترضي عنهم، التحذير من البدع والضلالات، ووجوب لزوم السنة والجماعة.
لماذا سميت بالمنظومة “الحائية”؟
سميت المنظومة “الحائية” نسبة إلى حرف الحاء الذي تنتهي به قافية كل بيت من أبياتها الشعرية. هذا الأسلوب في التسمية كان شائعاً في الشعر العربي، حيث ينسب العمل إلى الحرف الأخير من القافية الغالبة فيه، مثل “اللامية” و”النونية” وغيرها. وهذا يسهل حفظها وتمييزها بين المنظومات الأخرى.
كيف يمكن للمسلم المعاصر الاستفادة من دراسة المنظومة الحائية؟
يمكن للمسلم المعاصر الاستفادة من دراسة المنظومة الحائية بعدة طرق. أولاً، تعمق فهمه لعقيدة أهل السنة والجماعة الصافية، بعيداً عن الشبهات والتحريفات المعاصرة. ثانياً، ترسخ الإيمان الصحيح في قلبه وتزيد من بصيرته الدينية. ثالثاً، توفر له أساساً متيناً للتمييز بين السنة والبدعة، مما يحميه من الوقوع في الضلالات. رابعاً، تساعده على فهم منهج السلف الصالح في التعامل مع نصوص الوحي والقضايا العقدية، مما يعزز لديه الاعتدال والتوازن في الفكر الديني.

