شرح كتاب أضواء السنة: فهم عميق لمقاصد الشريعة

مشاركة:

استكشف شرح الشيخ محمد نبيه لـ كتاب أضواء السنة، وتعمق في فهم السنة النبوية ومكانتها في التشريع الإسلامي، مع دروس عملية مستفادة.

شرح كتاب أضواء السنة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام
شرح كتاب أضواء السنة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام

مقدمة في شرح كتاب أضواء السنة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن العلم الشرعي هو نور القلوب وحياة الأرواح، ومن أجَلِّ العلوم وأعظمها شأنًا علم السنة النبوية المطهرة، التي هي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله تعالى. وقد أولى علماؤنا الأجلاء اهتمامًا بالغًا بالسنة، تأليفًا وشرحًا وتدريسًا، لبيان معانيها واستنباط أحكامها، وتوضيح مقاصدها السامية.

ومن بين الكتب القيمة التي تناولت السنة النبوية بالبحث والتحقيق، كتاب “أضواء السنة”، وهو كتاب مبارك يهدف إلى إلقاء الضوء على جوانب مهمة من السنة النبوية، سواء من حيث مكانتها، أو طرق فهمها، أو كيفية الاستدلال بها. وقد تفضل الله علينا بأن قيض لنا من يشرح هذا الكتاب العظيم، وهو فضيلة الشيخ محمد نبيه، الذي عُرف بعلمه الغزير، وفهمه الدقيق، ومنهجه الوسطي في تناول قضايا الشريعة. إن شرح الشيخ محمد نبيه لهذا الكتاب يمثل إضافة نوعية للمكتبة الإسلامية، حيث يقدم للطلاب والباحثين والعامة فهمًا عميقًا وميسرًا لمسائل السنة، مستفيدًا من خبرته الطويلة في التدريس والدعوة.

في هذا الدرس، سنتناول جانبًا من شرح الشيخ محمد نبيه لكتاب “أضواء السنة”، مركزين على أهمية السنة النبوية ومكانتها في التشريع الإسلامي، وكيف أنها لا غنى عنها لفهم كتاب الله وتطبيق أحكامه.

أهمية السنة النبوية ومكانتها في التشريع الإسلامي

تعد السنة النبوية الشريفة الركن الثاني من أركان التشريع الإسلامي، وهي المصدر العملي والتطبيقي لما جاء في القرآن الكريم. وقد أولى القرآن الكريم نفسه أهمية قصوى للسنة، وأمر بطاعة الرسول ﷺ واتباع هديه. إن فهم هذه المكانة أمر جوهري لكل مسلم، وهو ما يبرزه الشيخ محمد نبيه في شرحه لكتاب “أضواء السنة” بتفصيل ووضوح.

١. السنة مبينة للقرآن الكريم

القرآن الكريم جاء بقواعد عامة ومبادئ كلية، وجاءت السنة النبوية لتفصل هذه القواعد وتوضحها. فكثير من آيات القرآن الكريم تحتاج إلى بيان عملي وتفصيلي، وهذا البيان نجده في سنة النبي ﷺ. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤). ومن أمثلة ذلك:

  • الصلاة: أمر الله تعالى بالصلاة في القرآن الكريم بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (البقرة: ٤٣). لكن كيفية الصلاة، عدد ركعاتها، أوقاتها، شروطها وأركانها، كل ذلك بيَّنه النبي ﷺ بفعله وقوله. وقد قال ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (صحيح البخاري، ٦٣١).
  • الزكاة: أمر الله بالزكاة: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٤٣). ولكن تفاصيل الزكاة، من الأنصبة، والمقادير، والأموال التي تجب فيها، كل ذلك جاءت به السنة النبوية.
  • الحج: قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: ١٩٦). وقد بيَّن النبي ﷺ مناسك الحج بفعله وقوله، وقال: «خذوا عني مناسككم» (صحيح مسلم، ١٢٩٧).

٢. السنة مصدر مستقل للتشريع

بالإضافة إلى كونها مبينة للقرآن، فإن السنة النبوية قد تأتي بأحكام لم تُذكر في القرآن الكريم نصًا، وهي أحكام ملزمة للمسلمين. وهذا يدل على أن السنة ليست مجرد شرح، بل هي مصدر تشريعي مستقل بذاته، بأمر من الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: ٧). ومن أمثلة ذلك:

  • تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها: لم يرد هذا التحريم صراحة في القرآن الكريم، ولكنه ثبت بالسنة النبوية. قال ﷺ: «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها» (صحيح البخاري، ٥١١٠).
  • تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية: هذا التحريم جاء في السنة النبوية. «نهى النبي ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية» (صحيح البخاري، ٤٢١٩).
  • أحكام المواريث التفصيلية: بعض تفاصيل المواريث التي لم ترد في القرآن الكريم جاءت بها السنة، مثل ميراث الجدة.

٣. السنة شارحة لمجملات القرآن ومقيدة لمطلقاته ومخصصة لعموماته

  • شرح المجمل: القرآن يأتي بكلمات مجملة، والسنة تفصلها. مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، فالصلاة مجملة، والسنة فصلت هيئاتها وأركانها.
  • تقييد المطلق: قد يأتي القرآن بحكم مطلق، والسنة تقيده. مثل قوله تعالى في السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: ٣٨). اليد مطلقة، والسنة قيدتها بأنها من الرسغ، وقيدت القطع بنصاب معين.
  • تخصيص العام: قد يأتي القرآن بحكم عام، والسنة تخصص بعض أفراده. مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ (المائدة: ٣). هذا عام في الميتة، والسنة خصصت منه ميتة البحر والجراد، وخصصت من الدم الكبد والطحال. قال ﷺ: «أحل لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» (سنن ابن ماجه، ٣٣١٤).

حجية السنة النبوية ووجوب اتباعها

يؤكد الشيخ محمد نبيه في شرحه على أن حجية السنة النبوية ثابتة بالقرآن الكريم والإجماع والعقل. فالله تعالى أمر بطاعة رسوله ﷺ في آيات كثيرة، وجعل طاعته من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله. قال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: ٨٠). وقال أيضًا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦).

وقد أجمع الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان على حجية السنة ووجوب العمل بها، ولم يخالف في ذلك إلا شذاذ من الناس ممن لا يعتد بخلافهم. والعقل السليم يدرك أن الرسول ﷺ هو المبين عن الله، ولا يمكن أن يُفهم مراد الله تعالى إلا من خلال بيانه ﷺ.

أقسام السنة النبوية

للسنة النبوية أقسام ثلاثة رئيسية، وهي ما يوضحه العلماء في كتبهم، ويشير إليه “أضواء السنة” ويشرحه الشيخ محمد نبيه:

  • السنة القولية: وهي الأحاديث التي صدرت عن النبي ﷺ قولًا، مثل قوله: «إنما الأعمال بالنيات» (صحيح البخاري، ١).
  • السنة الفعلية: وهي الأفعال التي قام بها النبي ﷺ، مثل كيفية أدائه للصلاة والحج، وكيفية وضوئه.
  • السنة التقريرية: وهي ما أقره النبي ﷺ من قول أو فعل صدر عن أحد الصحابة في حضرته أو علمه، ولم ينكره، فكان ذلك بمثابة إقرار منه ﷺ ومشروعية له.

منهج التعامل مع السنة النبوية

يجب على المسلم أن يتعامل مع السنة النبوية بمنهج سليم، قائم على الاحترام والتقدير والتفهم، بعيدًا عن التأويلات الفاسدة أو الإنكار الجاهل. وهذا المنهج يتضمن ما يلي:

  1. التثبت من صحة الحديث: قبل العمل بأي حديث، يجب التأكد من صحته وثبوته عن النبي ﷺ، وذلك بالرجوع إلى كتب الحديث المعتمدة وأقوال أئمة الجرح والتعديل.
  2. فهم الحديث في سياقه: يجب فهم الحديث في سياقه العام، ومعرفة أسباب ورود الحديث، وظروفه، وما يحيط به من قرائن، حتى لا يُفهم على غير مراده.
  3. الجمع بين الأحاديث المتعارضة ظاهريًا: قد تبدو بعض الأحاديث متعارضة في ظاهرها، ولكن العلماء يبذلون جهودًا كبيرة للجمع بينها أو الترجيح، وهذا يتطلب علمًا واسعًا بأصول الفقه والحديث.
  4. العمل بالسنة قدر الاستطاعة: بعد التثبت والفهم الصحيح، يجب على المسلم أن يسعى جاهدًا للعمل بالسنة النبوية في حياته، فهي طريق السعادة في الدنيا والآخرة.

دروس عملية مستفادة من شرح كتاب أضواء السنة

من خلال استعراضنا لجزء من شرح كتاب “أضواء السنة” لفضيلة الشيخ محمد نبيه، يمكننا استخلاص العديد من الدروس العملية التي تعين المسلم في حياته:

  • تعظيم السنة النبوية: يجب على كل مسلم أن يعظم السنة النبوية ويقدر مكانتها، فهي وحي من الله تعالى، وطاعة الرسول ﷺ هي طاعة لله.
  • الرجوع إلى أهل العلم: في فهم السنة النبوية، لا بد من الرجوع إلى العلماء الراسخين، مثل الشيخ محمد نبيه وغيره من الأئمة، الذين يمتلكون الأدوات العلمية اللازمة لاستنباط الأحكام وتوضيح المعاني.
  • التدبر والتفكر: لا يكفي مجرد قراءة الأحاديث، بل يجب تدبرها والتفكر في معانيها ومقاصدها، وكيف يمكن تطبيقها في واقعنا المعاصر.
  • العمل بالعلم: العلم بلا عمل لا قيمة له. فبعد تعلم السنة وفهمها، يجب أن نسعى جاهدين لتطبيقها في أقوالنا وأفعالنا ومعاملاتنا.
  • الحذر من البدع والأهواء: إن التمسك بالسنة النبوية يحمي المسلم من الوقوع في البدع والضلالات، ويجعله على صراط مستقيم.

خاتمة

في الختام، نؤكد على الأهمية البالغة لكتاب “أضواء السنة” وشرحه الماتع لفضيلة الشيخ محمد نبيه. إن هذا الشرح يقدم لنا نافذة قيمة على كنوز السنة النبوية، ويعمق فهمنا لمكانتها ودورها المحوري في بناء التشريع الإسلامي وحياة المسلم. إن دراسة السنة النبوية والعمل بها هي السبيل إلى النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة، وهي طريق الاقتداء بخير البشرية محمد ﷺ.

نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا وعملًا، وأن يجعلنا من المتبعين لسنة نبيه ﷺ قولًا وفعلًا واعتقادًا. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مشاهدة شرح كتاب أضواء السنة

الاستماع لـ شرح كتاب أضواء السنة MP3

مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top