استكشف شرح الشيخ محمد نبيه لكتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب، وتعمق في أصول العقيدة الإسلامية الصحيحة، وأهمية التوحيد الخالص لله تعالى، مع بيان أنواع الشرك والتحذير منها.

مقدمة في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن التوحيد هو أساس دين الإسلام، وهو الغاية التي من أجلها خلق الله الجن والإنس، وأرسل الرسل وأنزل الكتب. ولا يمكن لمسلم أن يصح إيمانه إلا بتحقيق التوحيد الخالص لله تعالى، ونبذ كل أشكال الشرك صغيرها وكبيرها.
وفي هذا السياق، يأتي كتاب “التوحيد الذي هو حق الله على العبيد” للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، كواحد من أهم الكتب التي ألفت في بيان التوحيد وشرحه، والتحذير من الشرك وأنواعه. لقد جمع الإمام في هذا الكتاب المبارك نصوصًا صريحة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، مبينًا بها حقيقة التوحيد وما يضاده أو ينقص كماله.
وفي هذه السلسلة المباركة، سنتناول شرحًا مبسطًا وميسرًا لهذا الكتاب العظيم، مستفيدين من علم وفهم فضيلة الشيخ محمد نبيه الذي يحرص دائمًا على تبسيط العلوم الشرعية وتقريبها للناس، سائلين الله تعالى أن يرزقنا الفهم الصحيح والعمل بما نتعلم.
اقرأ أيضا: مقدمة عن التوحيد
أهمية التوحيد في الإسلام
التوحيد ليس مجرد كلمة تقال باللسان، بل هو عقيدة راسخة في القلب، وعمل يظهر على الجوارح. وهو أول واجب على المكلف، وأساس كل عمل صالح.
- أساس الدين: لا يصح إسلام عبد إلا بتوحيد الله تعالى، فشهادة “لا إله إلا الله” هي مفتاح الإسلام، وبها يدخل المرء في دين الله.
- غاية الخلق: قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦). والعبادة لا تكون صحيحة ومقبولة إلا إذا كانت مبنية على التوحيد الخالص لله وحده، بعيدًا عن أي شريك.
- سبب النجاة والفوز: التوحيد هو سبب دخول الجنة والنجاة من النار، وهو أعظم الحسنات التي يلقى بها العبد ربه يوم القيامة، فمن مات موحدًا دخل الجنة وإن كان له ذنوب.
- تحقيق الأمن والهداية: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٢). والظلم هنا هو الشرك، كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم، فالموحد الخالص له الأمن التام والهداية الكاملة في الدنيا والآخرة.
اقرأ أيضا: تعريف التوحيد لغة واصطلاحا
منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد
تميز الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بمنهج فريد في تأليف هذا الكتاب، جعله مرجعًا أساسيًا لطلاب العلم وعوام المسلمين على حد سواء، ومن أبرز معالم هذا المنهج:
- الاعتماد الكلي على الكتاب والسنة: كل باب من أبواب الكتاب يبدأ بآيات من القرآن الكريم، ثم أحاديث نبوية شريفة، ثم آثار عن السلف الصالح، مما يؤكد أن التوحيد ليس رأيًا شخصيًا أو مذهبًا مستحدثًا، بل هو دين الله المنزل، ومقتضى ما جاء به الأنبياء والمرسلون.
- التبويب الدقيق والمنظم: قسم الإمام الكتاب إلى أبواب وفصول، كل باب يتناول جانبًا من جوانب التوحيد أو الشرك، مما يسهل فهم الموضوعات المتشعبة، ويعرض المسائل بطريقة منهجية متسلسلة.
- التركيز على الدليل: لا يذكر الإمام حكمًا أو مسألة إلا ويتبعها بالدليل الشرعي من الكتاب والسنة، وهذا يعلم القارئ أهمية الرجوع إلى المصادر الأصلية للدين، وعدم الأخذ بالآراء المجردة من الدليل.
- التحذير من الشرك بجميع أنواعه: لم يقتصر الكتاب على بيان التوحيد الإيجابي وما يجب على العبد فعله، بل شمل التحذير من الشرك الأكبر والأصغر، وما يقدح في كمال التوحيد الواجب أو المستحب، وهذا يعكس شمولية الكتاب في معالجة قضية التوحيد.
اقرأ أيضا: أنواع التوحيد
نقاط تعليمية من كتاب التوحيد
دعونا نستعرض بعض الأبواب الهامة في كتاب التوحيد، ونستخلص منها دروسًا قيمة، كما يوضحها لنا الشيخ محمد نبيه في دروسه وشروحاته الماتعة.
باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب
هذا الباب يفتتح به الإمام كتابه، ليبين عظم منزلة التوحيد وثواب الموحدين. فالتوحيد ليس مجرد عقيدة صحيحة، بل هو سبب لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات، وهو أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه.
- الدرس الأول: التوحيد الخالص سبب لمغفرة الذنوب العظام. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨). ومفهوم المخالفة أن من لم يشرك بالله، فإن الله يغفر له ما دون الشرك من الذنوب، وهذا يدل على عظم فضل التوحيد.
- الدرس الثاني: حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (صحيح البخاري، ٤٢٥؛ صحيح مسلم، ٣٣). هذا الحديث يبين أن النطق بالشهادة مع الإخلاص والعمل بمقتضاها هو سبب للنجاة من النار ودخول الجنة.
- الدرس الثالث: حديث البطاقة المشهور، حيث يأتي الرجل يوم القيامة بذنوب كالجبال، ولكن ببطاقة فيها “لا إله إلا الله” ترجح الموازين. «يخرج الله من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة» (صحيح البخاري، ٧٤١٠؛ صحيح مسلم، ١٩٣). هذا يؤكد عظم كلمة التوحيد إذا صدقت بها القلوب وعملت بمقتضاها الجوارح.
باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب
هذا الباب يبين منزلة عظيمة للموحدين الذين بلغوا درجة عالية في تحقيق التوحيد، وهي دخول الجنة بلا سابقة عذاب ولا حساب، وهذا فضل عظيم لا يناله إلا الخواص من الأمة.
- الدرس الأول: تحقيق التوحيد يعني تخليصه من شوائب الشرك والبدع والمعاصي. ليس مجرد النطق بالشهادة، بل العمل بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا، والابتعاد عن كل ما ينقضها أو ينقصها.
- الدرس الثاني: من صفات هؤلاء المحققين للتوحيد التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب:
- «هم الذين لا يسترقون»: أي لا يطلبون الرقية من غيرهم، بل يتوكلون على الله وحده في شفائهم وعافيتهم، وإن كانوا لا يمنعون من الرقية الشرعية المباحة.
- «ولا يكتوون»: لا يلجأون للكي كعلاج إلا للضرورة القصوى، معتمدين على الله في الشفاء، لأن الكي فيه نوع من الشدة والألم.
- «ولا يتطيرون»: لا يتشاءمون من شيء، ولا يعتقدون في الطيرة (التشاؤم بالطيور أو الأرقام أو الأيام)، بل يتوكلون على الله وحده، ويعلمون أن الخير والشر بيده سبحانه.
- «وعلى ربهم يتوكلون» (صحيح البخاري، ٥٧٠٥؛ صحيح مسلم، ٢٢٠). وهذا هو جوهر تحقيق التوحيد، كمال التوكل على الله في جميع الأمور، مع الأخذ بالأسباب المشروعة.
- الدرس الثالث: هذا الباب يدفع المسلم إلى الارتقاء في درجات الإيمان والتوكل، والسعي لتحقيق التوحيد الكامل في حياته، طمعًا في هذا الفضل العظيم.
باب الخوف من الشرك
بعد بيان فضل التوحيد، يحذر الإمام من الشرك، ليبين خطورته وعظم جرمه، وأن الخوف منه من علامات الإيمان الصادق.
- الدرس الأول: الشرك هو الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله لمن مات عليه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء: ٤٨). وهذا يوجب على المسلم أن يكون شديد الحذر من الوقوع فيه.
- الدرس الثاني: الشرك يحبط جميع الأعمال الصالحة. ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ٨٨). فمهما عمل العبد من خيرات، إذا شابها الشرك الأكبر، فإنها تذهب هباءً منثورًا.
- الدرس الثالث: أنواع الشرك:
- الشرك الأكبر: يخرج من الملة، مثل دعاء غير الله، أو الذبح لغير الله، أو النذر لغير الله، أو الاستغاثة بالأموات، أو اعتقاد أن أحدًا يملك الضر والنفع مع الله.
- الشرك الأصغر: لا يخرج من الملة ولكنه ينقص التوحيد ويؤدي إلى الشرك الأكبر، مثل الرياء (العمل لأجل مدح الناس) أو الحلف بغير الله، أو قول “لولا الله وفلان”، أو لبس الحلقة والخيط لدفع البلاء.
- الدرس الرابع: يجب على المسلم أن يخاف من الشرك ويجتنبه بجميع أنواعه، وأن يتعلم ما هو الشرك ليحذره، وأن يدعو الله أن يجنبه الشرك، كما كان يدعو النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» (مسند أحمد، ١٩٦٠٦).
باب ما جاء في الذبح لغير الله
هذا الباب يوضح صورة من صور الشرك الأكبر المنتشرة في بعض المجتمعات، وهو الذبح لغير الله، سواء كان ذلك للأصنام أو الأضرحة أو الأولياء أو الجن أو غيرهم.
- الدرس الأول: الذبح عبادة عظيمة لا تصرف إلا لله وحده. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢). والنسك هنا هو الذبح. فمن ذبح لغير الله فقد أشرك به شركًا أكبر مخرجًا من الملة.
- الدرس الثاني: لعن الله من ذبح لغيره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من ذبح لغير الله» (صحيح مسلم، ١٩٧٨). وهذا يدل على عظم هذا الذنب وخطورته.
- الدرس الثالث: الذبح لغير الله قد يكون بقصد التقرب أو التعظيم أو الاستعانة، وكل هذه المقاصد لا تصرف إلا لله تعالى. فلا يجوز الذبح عند الأضرحة أو القبور أو للأولياء الصالحين، فإن هذا شرك بالله العظيم.
اقرأ أيضا: شرح كتاب الشريعة للآجري
دروس عملية مستفادة
إن دراسة كتاب التوحيد ليست مجرد تحصيل معلومات، بل هي دعوة للعمل والتطبيق في حياتنا اليومية، ليكون توحيدنا خالصًا لله تعالى.
- التدبر المستمر للقرآن والسنة: يجب أن نجعل القرآن والسنة هما المرجع الأساسي في كل أمور ديننا ودنيانا، وأن نتدبر آيات التوحيد وأحاديثه، ونفهمها الفهم الصحيح.
- مراجعة العقيدة الشخصية: على كل مسلم أن يراجع عقيدته باستمرار، ويتأكد من خلوها من أي شوائب شركية أو بدعية، وأن يجدد توحيده لله تعالى، ويتبرأ من كل صور الشرك.
- الدعوة إلى التوحيد: بعد أن يتعلم المسلم التوحيد ويطبقه، يصبح واجبًا عليه أن يدعو غيره إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يحذرهم من الشرك بجميع أنواعه، وأن يكون قدوة حسنة في ذلك.
- الاجتهاد في العبادة مع الإخلاص: لا يكفي أن نعبد الله، بل يجب أن تكون عبادتنا خالصة لوجهه الكريم، بعيدة عن الرياء والسمعة، فالله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه وابتغي به وجهه.
- الاستفادة من العلماء الربانيين: إن الاستماع لشروح العلماء الأجلاء، أمثال الشيخ محمد نبيه، لكتاب التوحيد وغيره من كتب العقيدة، يعين على الفهم الصحيح والتحصين من الشبهات والرد على الضلالات.
الخلاصة
في ختام هذا الشرح الموجز، نؤكد أن كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب هو منارة تهدي إلى صراط الله المستقيم، وتوضح معالم العقيدة الصحيحة. إنه يدعو إلى توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ويحذر من كل ما يضاد ذلك أو ينقص كماله.
فلنجعل هذا الكتاب رفيقًا لنا في رحلتنا الإيمانية، ولنحرص على فهمه وتطبيقه، سائلين الله تعالى أن يثبتنا على التوحيد الخالص حتى نلقاه وهو راضٍ عنا. اللهم اجعلنا من الموحدين الصادقين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين. آمين.

