اكتشف منهج الشيخ محمد نبيه في تفسير آيات الأحكام القرآنية. فهم عميق لأحكام الشريعة الإسلامية بأسلوب سهل وميسر، مع دروس عملية لحياة المسلم.

مقدمة في تفسير آيات الأحكام
إن القرآن الكريم هو دستور الأمة الإسلامية ومنهج حياتها، وقد أنزله الله تعالى هداية للناس أجمعين، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويرشدهم إلى صراط مستقيم. ومن أسمى غايات هذا الكتاب العظيم بيان الأحكام الشرعية التي تنظم حياة المسلم في كل جوانبها، سواء كانت عبادات تقربه إلى خالقه، أو معاملات تنظم علاقته بالناس، أو أحوال شخصية تحفظ كيان الأسرة، أو جنايات تضمن أمن المجتمع واستقراره.
تُعرف هذه الآيات بـ “آيات الأحكام”، وهي تمثل الأساس المتين الذي تبنى عليه الشريعة الإسلامية الغراء. وقد أولى علماء الأمة عبر العصور اهتمامًا بالغًا بتفسير هذه الآيات، واستنباط القواعد والأحكام منها، فكانت لهم جهود مباركة في إثراء المكتبة الإسلامية بمؤلفات قيمة في هذا الفن الجليل. وفي عصرنا الحديث، برز علماء أفاضل سلكوا مسالك شتى في هذا المجال، مقدمين خلاصة جهود من سبقهم بأسلوب يناسب العصر.
ومن بين هؤلاء الأعلام، يبرز اسم الشيخ محمد نبيه، الذي اشتهر بمنهجه الواضح والميسر في تناول آيات الأحكام، مقدمًا للطلاب والباحثين وعامة المسلمين فهمًا عميقًا ومبسطًا في آن واحد. لقد استطاع الشيخ بأسلوبه الأزهري الرصين، وعلمه الواسع، أن يقرب هذه الأحكام إلى الأفهام، وأن يربطها بواقع الناس، مما جعل دروسه ومحاضراته ذات أثر كبير في نفوس المستمعين.
يهدف هذا المقال إلى استعراض منهج الشيخ محمد نبيه في تفسير آيات الأحكام، وتقديم أمثلة تطبيقية لبعض هذه الآيات المختارة من القرآن الكريم، مع استخلاص الدروس العملية المستفادة منها. نسعى من خلال هذا الطرح إلى تقديم دليل شامل للمسلم الذي يسعى لفهم دينه وتطبيق أحكامه في حياته اليومية، مستفيدًا من نور الوحي وهدي العلماء الربانيين.
اقرأ أيضا: شرح كتاب شمائل النبي للترمذي
منهج الشيخ محمد نبيه في تفسير آيات الأحكام
يتميز منهج الشيخ محمد نبيه في تفسير آيات الأحكام بعدة خصائص فريدة جعلت دروسه ومؤلفاته مرجعًا قيمًا للعديد من طلاب العلم وعامة المسلمين. هذه الخصائص لا تقتصر على الجانب النظري فحسب، بل تمتد لتشمل الجانب التطبيقي والتربوي، مما يجعله نموذجًا يحتذى به في التعليم الديني. يمكن تلخيص أبرز معالم هذا المنهج فيما يلي:
١. الاعتماد على القرآن بالقرآن والسنة النبوية المطهرة
يؤكد الشيخ محمد نبيه دائمًا على أن أفضل طرق تفسير القرآن هو تفسير القرآن بالقرآن نفسه، فكتاب الله يفسر بعضه بعضًا، وما أجمل في موضع يفصل في موضع آخر. ثم يأتي دور السنة النبوية المطهرة، قولًا وفعلًا وتقريرًا، لتكون المبينة والمفصلة لما أجمل في كتاب الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم هو خير من فسر القرآن وعمل به، وقد قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ (النحل: ٤٤). فالشيخ لا يكتفي بذكر الآية، بل يستعرض ما يرتبط بها من آيات أخرى، وما ورد فيها من أحاديث نبوية صحيحة، معتمدًا على كتب الصحاح والسنن، ليقدم فهمًا متكاملاً وشاملاً للحكم الشرعي، مدعمًا بالأدلة النقلية الصريحة.
٢. الاستفادة من أقوال الصحابة والتابعين وفهم السلف الصالح
يعتبر الشيخ أقوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم من المصادر الهامة في فهم آيات الأحكام، فهم خير من عاصر التنزيل وشهد أسباب النزول، وتلقوا العلم مباشرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كانوا أحرص الناس على تطبيق هذه الأحكام وفهم مراد الله منها. لذا، يحرص الشيخ على ذكر ما ورد عنهم من تفسيرات وآراء فقهية، مع الترجيح بينها عند الاختلاف بأسلوب علمي رصين، مستنيرًا بقواعد الترجيح المعتبرة عند أهل العلم، ومبتعدًا عن التعصب المذهبي، مع احترام جميع الآراء الفقهية المعتبرة.
٣. الاهتمام باللغة العربية وأساليبها البلاغية
بما أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، فإن فهم دلالات الألفاظ والتراكيب اللغوية يعد أمرًا أساسيًا لاستنباط الأحكام الشرعية. الشيخ محمد نبيه يولي اهتمامًا خاصًا بالجانب اللغوي، موضحًا المعاني الدقيقة للكلمات، ومستعرضًا أساليب البلاغة القرآنية من إيجاز وإطناب، وتقديم وتأخير، واستعارة وكناية، والتي تساهم في إجلاء المراد من الآية، وتكشف عن الإعجاز البياني للقرآن الكريم. هذا الاهتمام اللغوي يساعد على فهم الفروق الدقيقة بين الأحكام، ويزيل اللبس عن بعض التعبيرات القرآنية.
٤. التبسيط والتيسير مع المحافظة على العمق العلمي والأصالة
من أبرز سمات منهج الشيخ التيسير في عرض المعلومة، فهو يحرص على إيصال المعنى بأسلوب سهل ومفهوم للجميع، دون الإخلال بالعمق العلمي أو الإغراق في التفاصيل الدقيقة التي قد تشوش على الفهم العام. هذا التوازن بين التبسيط والعمق يجعل دروسه مناسبة للمتخصصين الذين يبحثون عن المنهجية الواضحة، وغير المتخصصين الذين يسعون لفهم دينهم دون تعقيد. يعرض الشيخ المسائل الفقهية بوضوح، ويذكر الخلافات إن وجدت، مع بيان الراجح بأدلته، معتمدًا على المذاهب الفقهية المعتبرة.
٥. ربط الأحكام بالواقع المعاصر ومراعاة مقاصد الشريعة
لا يكتفي الشيخ محمد نبيه بشرح الأحكام النظرية المجردة، بل يسعى دائمًا لربطها بواقع المسلم المعاصر، مقدمًا أمثلة تطبيقية من الحياة اليومية، ومجيبًا عن التساؤلات التي قد تطرأ في أذهان الناس حول كيفية تطبيق هذه الأحكام في ظل المستجدات والتحديات الراهنة. كما يبرز مقاصد الشريعة من وراء هذه الأحكام، كحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، مما يعزز من قناعة المسلم بجمال وكمال هذا الدين، ويجعله أكثر حرصًا على تطبيق أحكامه. هذا الجانب العملي يعزز من قيمة دروسه ويجعلها أكثر تأثيرًا في بناء الوعي الفقهي لدى الأفراد.
اقرأ أيضا: شرح كتاب السيرة النبوية لابن هشام
أمثلة تطبيقية من تفسير آيات الأحكام
لنأخذ بعض الأمثلة من آيات الأحكام التي تناولها الشيخ محمد نبيه في دروسه، لنرى كيف يطبق منهجه في التفسير والاستنباط، وكيف يربط النص بالواقع، مستخرجًا منه الفوائد الجليلة والدروس العملية:
١. آية الصيام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة: ١٨٣)
أ. شرح الآية ودلالاتها اللغوية والشرعية
يبدأ الشيخ محمد نبيه بتوضيح أن هذه الآية هي خطاب للمؤمنين، وهذا يدل على أن الصيام عبادة خاصة بهم، وأنها من علامات الإيمان الصادق. كلمة “كُتِبَ” هنا تعني فُرِضَ وأوجب، وهذا يؤكد فرضية الصيام على المسلمين، وهو ركن من أركان الإسلام الخمسة. ويشير إلى أن الصيام لم يكن خاصًا بهذه الأمة، بل فُرِضَ على الأمم السابقة أيضًا، وهذا يبعث على الطمأنينة بأن هذا الحكم ليس شاقًا أو غريبًا، بل هو عبادة ذات أصل قديم في الشرائع السماوية، مما يدل على أهميته البالغة في تزكية النفوس. أما قوله تعالى “لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”، فيبين الحكمة العظمى والغاية الأسمى من فرض الصيام، وهي تحقيق التقوى، التي تعني اجتناب المنهيات وفعل المأمورات، ومراقبة الله تعالى في السر والعلن. فالصيام يربي النفس على الصبر والتحمل، ويكسر شهوتي البطن والفرج، ويذكر الغني بحال الفقير، مما يورث الرحمة والإحسان.
ب. الأحكام المستنبطة والتفصيلات الفقهية
من هذه الآية الكريمة، يستنبط الشيخ عدة أحكام وتفصيلات فقهية:
- فرضية الصيام: الصيام فريضة محكمة على كل مسلم بالغ عاقل مقيم غير مريض أو مسافر، ويجب صيام شهر رمضان كاملاً.
- الحكمة من الصيام: ليست مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل هي تربية للنفس على التقوى ومراقبة الله، وتطهير للروح من أدران المعاصي، وتدريب على الصبر والتحمل.
- عمومية فرض الصيام: كونه فرضًا على الأمم السابقة يدل على أهميته في تزكية النفوس وتهذيبها، وأنها عبادة ذات أثر عميق في بناء الشخصية الإيمانية.
- من يجب عليه الصيام ومن يعفى منه: يوضح الشيخ أن هناك فئات معينة يعفى عنها الصيام كالمريض والمسافر والحائض والنفساء، مع تفصيل أحكام القضاء والفدية لكل حالة.
ج. الدروس العملية والتربوية
يؤكد الشيخ على أن الصيام ليس حرمانًا أو تعذيبًا للنفس، بل هو ارتقاء روحي وتهذيب أخلاقي. فعلى المسلم أن يستغل شهر رمضان في تقوية صلته بالله، وأن يبتعد عن كل ما ينقص أجر صيامه من قول الزور والعمل به، مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه » (صحيح البخاري، ١٩٠٣). كما يدعو إلى الإكثار من تلاوة القرآن والذكر والدعاء والصدقات في هذا الشهر الفضيل، وأن يكون الصيام دافعًا للتغيير الإيجابي في حياة المسلم بعد رمضان أيضًا.
٢. آية الوضوء: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ (المائدة: ٦)
أ. شرح الآية ودلالاتها اللغوية والفقهية
يشرح الشيخ محمد نبيه أن هذه الآية تبين أركان الوضوء التي لا تصح الصلاة إلا بها، وهي من أهم آيات الأحكام المتعلقة بالعبادات. يبدأ بالخطاب للمؤمنين، مما يدل على أن الوضوء شرط لصحة الصلاة، وهي من خصائص هذه الأمة التي أكرمها الله بهذه الطهارة الحسية والمعنوية. يوضح الشيخ أن قوله تعالى “إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ” يعني إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم على غير وضوء، وليس كلما قام المصلي. ثم يفصل الأركان الأربعة التي لا يصح الوضوء إلا بها، مع بيان حدود كل عضو:
- غسل الوجه: يشمل من منابت الشعر المعتادة إلى الذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا. ويجب تعميم الماء على جميع هذه المساحة.
- غسل اليدين إلى المرافق: والمرفق (المفصل بين الساعد والعضد) داخل في الغسل، بدليل أن “إلى” هنا بمعنى “مع” أو لبيان الغاية التي يدخل ما بعدها في الحكم.
- مسح الرأس: اختلف العلماء في القدر الواجب، والشيخ يرجح القول بمسح بعض الرأس، مع استحباب مسحه كله اتباعًا للسنة النبوية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
- غسل الرجلين إلى الكعبين: والكعبان (العظمان الناتئان على جانبي القدم) داخلان في الغسل، بنفس الدليل السابق.
ب. الأحكام المستنبطة والمسائل الفقهية
من هذه الآية، يستنبط الشيخ أحكامًا فقهية دقيقة ومسائل خلافية مع بيان الراجح:
- وجوب الوضوء للصلاة: لا تصح الصلاة إلا بوضوء صحيح، وهو شرط من شروط صحة الصلاة.
- ترتيب أركان الوضوء: الآية جاءت بالترتيب، وهذا يفيد وجوب الترتيب عند جمهور الفقهاء، خلافًا للحنفية الذين يرون أن الترتيب سنة.
- دخول المرافق والكعبين في الغسل: وهو ما دلت عليه السنة وأقوال الصحابة والجمهور.
- مسح الرأس لا غسله: وهو ما يميزه عن باقي الأعضاء، ويدل على التخفيف في هذا العضو.
- الموالاة في الوضوء: أي تتابع غسل الأعضاء دون فاصل زمني طويل، وهي سنة عند الجمهور وواجبة عند المالكية والحنابلة.
ج. الدروس العملية والفضائل
يؤكد الشيخ على أهمية إتقان الوضوء، فهو مفتاح الصلاة وقبولها. ويذكر بفضل الوضوء في تكفير الذنوب ورفع الدرجات، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: « ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة » (صحيح مسلم، ٢٣٤). كما ينبه على ضرورة تعميم الماء على العضو المغسول وعدم ترك أي جزء منه، والحرص على التخليل بين الأصابع، والتدليك، والاهتمام بالسنن والآداب الواردة في الوضوء لتحصيل الأجر كاملاً.
٣. آية الربا: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ (البقرة: ٢٧٥)
أ. شرح الآية ودلالاتها الاقتصادية والاجتماعية
يشرح الشيخ محمد نبيه هذه الآية التي تمثل قاعدة عظيمة في فقه المعاملات المالية والاقتصاد الإسلامي. يوضح أن الله تعالى أحل البيع لما فيه من تبادل للمنافع، وتيسير لحياة الناس، وتنشيط للاقتصاد، وهو أساس المعاملات القائمة على العدل والرضا المتبادل، وتحمل المخاطر المشتركة. وفي المقابل، حرم الربا تحريمًا قاطعًا، وهو الزيادة في الدين أو في أحد العوضين دون مقابل شرعي حقيقي، أو ما يعرف بالزيادة المشروطة في القرض. ويشير إلى أن الآية جاءت ردًا على من قالوا “إنما البيع مثل الربا”، فبين الله تعالى الفارق الجوهري بينهما، فالبيع فيه مخاطرة ومشقة وعمل وجهد، أما الربا فهو أخذ مال بلا مقابل حقيقي، وفيه استغلال لحاجة الناس، وظلم لهم، وتكديس للثروات في أيدي فئة قليلة، مما يؤدي إلى فساد الاقتصاد وتدمير القيم الاجتماعية.
ب. الأحكام المستنبطة وأنواع الربا
من هذه الآية، يستنبط الشيخ أحكامًا أساسية في المعاملات، ويفصل في أنواع الربا:
- حل البيع: الأصل في المعاملات المالية الحل والإباحة، ما لم يرد دليل خاص على التحريم أو كانت المعاملة تتضمن غررًا أو جهالة فاحشة أو ربا.
- حرمة الربا: الربا بجميع أنواعه وأشكاله محرم شرعًا، سواء كان ربا الفضل (الزيادة في أحد العوضين المتجانسين مع اتحاد علة الربا) أو ربا النسيئة (الزيادة المشروطة مقابل الأجل في القروض).
- الفرق الجوهري بين البيع والربا: البيع يقوم على تبادل السلع والمنافع وتحمل المخاطر، بينما الربا يقوم على الزيادة بلا مقابل حقيقي، وهو استغلال لحاجة المحتاجين.
- التحذير الشديد من الربا: يذكر الشيخ بالوعيد الشديد الذي جاء في القرآن والسنة لمن يتعامل بالربا، كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ (البقرة: ٢٧٨-٢٧٩).
ج. الدروس العملية والبدائل الشرعية
ينبه الشيخ إلى خطورة التعامل بالربا وآثاره المدمرة على الفرد والمجتمع، فهو يورث العداوة والبغضاء، ويقضي على روح التكافل والتعاون، ويجعل المال دولة بين الأغنياء. ويحث المسلمين على البحث عن البدائل الشرعية للمعاملات المالية، مثل البيوع المشروعة، والمضاربة، والمشاركة، والمرابحة، والإجارة، وغيرها من العقود التي تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية. كما يدعو إلى التيسير على المعسرين وعدم استغلال حاجتهم، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ (البقرة: ٢٨٠). ويؤكد على أهمية الاقتصاد الإسلامي القائم على العدل والإنصاف في تحقيق التنمية المستدامة والرخاء الاجتماعي.
٤. آية الميراث: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ﴾ (النساء: ١١)
أ. شرح الآية ودلالاتها في العدل الإلهي
هذه الآية من آيات الميراث التي تبين قسمة التركات في الإسلام، وهي من أدق وأهم الأحكام الشرعية التي تولى الله تعالى بيانها بنفسه، مما يدل على أهميتها وعظم شأنها ودقتها وكمال عدلها. يوضح الشيخ محمد نبيه أن الله تعالى هو الذي تولى قسمة المواريث بنفسه، ولم يكلها إلى نبي مرسل أو ملك مقرب، وهذا يدل على أهميتها وعدلها المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. يبدأ بالحديث عن نصيب الأولاد، فيبين أن الذكر يأخذ ضعف نصيب الأنثى، وهذا ليس انتقاصًا من قدر المرأة أو ظلمًا لها، بل هو عين العدل والتوازن الذي يتناسب مع التكاليف المالية الملقاة على عاتق الرجل في الإسلام (من نفقة الزوجة والأولاد، والمهر، وغيرها)، بينما المرأة معفاة من هذه التكاليف، ومالها خاص بها. ثم يذكر أحكام البنات إذا كن أكثر من واحدة أو واحدة، وأحكام الوالدين، وغيرهم من الورثة، مع تفصيل دقيق لكل حالة. ويؤكد الشيخ أن هذه القسمة من الله تعالى هي عين الحكمة والعدل، ولا يجوز لأحد أن يغير فيها أو يبدل، أو أن يعترض عليها، لأنها من عند الحكيم الخبير.
ب. الأحكام المستنبطة وتفصيلات علم الفرائض
من هذه الآية، يستنبط الشيخ أحكامًا تفصيلية لعلم الفرائض، وهو علم المواريث:
- نصيب الذكر من الأولاد: ضعف نصيب الأنثى، وهي قاعدة عامة في الميراث بين الذكر والأنثى إذا كانا من نفس الدرجة والقرابة.
- نصيب البنات: إذا كن اثنتين فأكثر فلهن الثلثان من التركة، وإن كانت واحدة فلها النصف.
- أحكام الوالدين: لكل واحد منهما السدس إن كان للميت ولد، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث والباقي للأب.
- وجوب قسمة الميراث وفق شرع الله: لا يجوز التهاون في ذلك أو مخالفته، أو حرمان بعض الورثة، أو تأخير القسمة بقصد الإضرار، فكل ذلك من كبائر الذنوب.
- أهمية علم الفرائض: يشدد الشيخ على أهمية تعلم هذا العلم وتطبيقه، فهو من العلوم التي ترفع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « يا أبا هريرة تعلموا الفرائض وعلموه فإنه نصف العلم وهو ينسى وهو أول شيء ينتزع من أمتي » (سنن ابن ماجه، ٢٧١٩).
ج. الدروس العملية والتحذيرات
يؤكد الشيخ على أن تطبيق أحكام الميراث هو من تمام الإيمان والعدل، ويحفظ حقوق الأفراد ويمنع النزاعات. ويحذر من التهاون في قسمة الميراث أو أكل حقوق الورثة، خاصة النساء والأيتام، لما في ذلك من ظلم عظيم ووعيد شديد من الله تعالى، كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ (النساء: ١٠). ويدعو إلى تعلم أحكام الميراث وتطبيقها بدقة لضمان حقوق الجميع، ولتجنب النزاعات والخلافات التي قد تنشأ بسبب الجهل بهذه الأحكام أو مخالفتها، مما يؤدي إلى تفكك الأسر وفساد العلاقات الاجتماعية. ويحث على الاستعانة بأهل العلم والاختصاص في قسمة التركات لضمان العدل والإنصاف.
اقرأ أيضا: شرح كتاب عمدة الأحكام
الدروس العملية المستفادة من تفسير آيات الأحكام
إن دراسة تفسير آيات الأحكام، بمنهج الشيخ محمد نبيه، لا تقتصر على مجرد المعرفة النظرية، بل تتعداها إلى استخلاص دروس عملية عميقة تؤثر في حياة المسلم وسلوكه، وتوجهه نحو الكمال والرضا الإلهي:
- تعميق الإيمان والتقوى في القلوب: فهم أحكام الله وتدبر آياته يرسخ الإيمان بقدرة الله وحكمته البالغة في تشريعاته، ويدفع المسلم إلى مراقبته والخشية منه في كل أفعاله وأقواله، مما يعزز التقوى في قلبه ويجعله أكثر قربًا من ربه.
- التطبيق العملي والشامل للشريعة: المعرفة الصحيحة بالأحكام تمكن المسلم من تطبيق الشريعة في جميع جوانب حياته، من عبادات ومعاملات وأخلاق، مما يحقق له السعادة والطمأنينة في الدنيا، والفوز بالجنة في الآخرة. فالعلم بلا عمل لا ينفع.
- فهم مقاصد الشريعة وجمالها: تفسير آيات الأحكام يساعد على إدراك الحكم والمقاصد الكامنة وراء التشريعات الإلهية، كحفظ الضروريات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال)، مما يزيد من قناعة المسلم بجمال وكمال هذا الدين، وأنه جاء لمصلحة البشرية جمعاء.
- الابتعاد عن الشبهات والمحرمات: العلم بالأحكام الشرعية يحصن المسلم من الوقوع في الشبهات والمحرمات، ويجعله يميز بين الحلال والحرام بوضوح، ويجنبه الوقوع في المعاصي عن جهل أو غفلة.
- حل المشكلات المعاصرة برؤية شرعية: فهم أصول استنباط الأحكام وقواعد الفقه تمكن المسلم من التعامل مع المستجدات والقضايا المعاصرة برؤية شرعية واضحة، والبحث عن الحلول الإسلامية التي تتوافق مع روح الشريعة ومقاصدها، دون جمود أو تفريط.
- بناء مجتمع إسلامي سليم ومتماسك: تطبيق الأحكام الشرعية في المجتمع يؤدي إلى إقامة العدل، وحفظ الحقوق، ونشر الفضيلة، ومحاربة الرذيلة، مما يسهم في بناء مجتمع متماسك وقوي، تسوده المحبة والتعاون والتكافل، وينعم بالأمن والاستقرار.
- الاستقامة على أمر الله: فهم الأحكام الشرعية يدفع المسلم إلى الاستقامة على أمر الله، والالتزام بمنهجه في كل شؤونه، مما يجعله قدوة حسنة لغيره، ويسهم في نشر الخير والصلاح في الأرض.
اقرأ أيضا: شرح كتاب سنن الدارمي
خاتمة
لقد تبين لنا من خلال هذا الاستعراض الموجز لأهمية تفسير آيات الأحكام، ومنهج الشيخ محمد نبيه في تناولها، أن هذا العلم من أجل العلوم وأعظمها نفعًا. فالقرآن الكريم هو مصدر التشريع الأول، وفهم آياته التي تتعلق بالأحكام هو السبيل الوحيد لتطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقًا صحيحًا وشاملاً، بما يحقق مصالح العباد في المعاش والمعاد.
إن منهج الشيخ محمد نبيه، الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، والعمق والتبسيط، يقدم نموذجًا يحتذى به في تدريس الفقه والتفسير. فهو لا يكتفي بالشرح النظري، بل يحرص على ربط الأحكام بواقع المسلم، ويسعى لغرس التقوى والعمل الصالح في النفوس، ويبرز الجمال والعدل في التشريع الإلهي. لقد أثرى الشيخ المكتبة الإسلامية بجهوده، وقدم للجيل الحالي فهمًا ميسرًا لأحكام دينهم، مما يسهل عليهم تطبيقها في حياتهم.
نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يوفقنا لتطبيق أحكام دينه في كل حين، وأن يجزي الشيخ محمد نبيه خير الجزاء على جهوده المباركة في خدمة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يجعل عمله هذا في ميزان حسناته، وأن يتقبله منه قبولًا حسنًا.

