شرح مبهمات القرآن من الإتقان للإمام السيوطي

مشاركة:

استكشف مبهمات القرآن الكريم وحكمتها البالغة في هذا الدرس الشامل، مستنيرين بمنهج الإمام السيوطي في كتابه ‘الإتقان في علوم القرآن‘. يقدم الشيخ محمد نبيه شرحاً مبسطاً لأمثلة تطبيقية ودروس عملية لتعميق فهمك لكتاب الله.

شرح كتاب مبهمات القرآن الكريم
شرح كتاب مبهمات القرآن الكريم

مقدمة

إن كتاب الله تعالى هو النور المبين، والهدى القويم، وقد أنزله الله بلسان عربي مبين، ليكون دستوراً وهادياً للبشرية جمعاء. ومع وضوح آياته وجلائها، إلا أن هناك بعض المواضع التي قد تبدو غامضة للوهلة الأولى، أو تحتاج إلى إيضاح وتفصيل، وهي ما يُعرف بـ “مبهمات القرآن”. هذه المبهمات ليست نقصاً في البيان القرآني، بل هي جزء من إعجازه وحكمته، تدعو المتدبر إلى البحث والتعمق، وتفتح آفاقاً واسعة للتأمل والفهم. في هذا الدرس المبارك، سنتناول جانباً مهماً من علوم القرآن، وهو “شرح مبهمات القرآن” مستنيرين بما جاء في كتاب “الإتقان في علوم القرآن” للإمام جلال الدين السيوطي، هذا الكتاب الذي يُعد مرجعاً أساسياً لكل طالب علم وباحث في علوم القرآن. وسنحرص على تقديم هذا الشرح بأسلوب مبسط وواضح، كما عودنا فضيلة الشيخ محمد نبيه في دروسه العلمية القيمة، ليكون في متناول الجميع، ويُعين على فهم أعمق لكتاب الله.

ما هي مبهمات القرآن؟

المبهمات في القرآن الكريم هي تلك الألفاظ أو العبارات التي لم يُصرح فيها بذكر أسماء أو تحديد أشخاص أو أماكن أو أزمنة، بل جاءت بصيغة الإبهام أو الإجمال، مثل “رجل”، “قوم”، “الذي”، “الذين”، “امرأة”، “مدينة”، “يوم”، ونحو ذلك. هذا الإبهام ليس عجزاً عن البيان، بل هو لحكم بالغة ومقاصد عظيمة، منها:

  • التعميم والشمول: قد يكون الإبهام مقصوداً لتعميم الحكم أو العبرة، فلا يقتصر على شخص أو زمان أو مكان معين، بل يشمل كل من تتوافر فيه الصفة المذكورة. فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
  • التركيز على الحدث أو الصفة: أحياناً يكون المقصود هو التركيز على الفعل أو الصفة أو الموقف ذاته، لا على ذات الفاعل أو الموصوف. فالعبرة بما حدث، لا بمن حدث له.
  • التهويل أو التعظيم: قد يُبهم الاسم لتهويل شأنه أو تعظيم أثره، كما في قوله تعالى عن يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ (عبس: ٣٤)، فإبهام اليوم يزيد من هوله.
  • الاكتفاء بالقرائن: قد تكون هناك قرائن في السياق أو في السنة النبوية أو في أقوال الصحابة والتابعين تُعين على تحديد المبهم، فيأتي الإبهام ليحث على البحث والتدبر.
  • عدم الحاجة إلى التعيين: في بعض الأحيان، لا يترتب على معرفة تفاصيل المبهم حكم شرعي أو فائدة عملية، فيكتفي القرآن بالإجمال.

أهمية دراسة مبهمات القرآن

إن دراسة مبهمات القرآن ليست مجرد ترف علمي، بل هي ضرورة لفهم أعمق وأشمل لكتاب الله، وتتجلى أهميتها في عدة جوانب:

  1. تعميق الفهم والتفسير: معرفة المبهمات تُعين على فهم السياق القرآني بشكل أدق، وتُزيل أي لبس قد يعتري القارئ، مما يُثري عملية التفسير والتدبر.
  2. تصحيح المفاهيم الخاطئة: قد يؤدي الجهل بالمبهمات إلى فهم خاطئ لبعض الآيات، أو إلى تأويلها على غير مراد الله، ودراستها تُصحح هذه المفاهيم.
  3. إبراز البلاغة والإعجاز القرآني: الكشف عن حكمة الإبهام في مواضعه يُظهر جانباً من جوانب البلاغة القرآنية، وكيف أن كل كلمة في القرآن لها موضعها وحكمتها.
  4. الربط بالسياق التاريخي والاجتماعي: معرفة المبهمات تُساعد على ربط الآيات بأسباب النزول، وبالأحداث التاريخية التي وقعت في زمن النبوة، مما يُضفي على الفهم بعداً تاريخياً مهماً.
  5. التأكيد على وحدة المصدر: تتبع المبهمات في القرآن، وكيفية إيضاحها من خلال السنة أو أقوال السلف، يُبرز وحدة المصدر التشريعي، وأن القرآن والسنة يفسر أحدهما الآخر.

منهج الإمام السيوطي في الإتقان في تناول المبهمات

الإمام جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) هو أحد جهابذة العلماء الذين أثروا المكتبة الإسلامية بمؤلفاتهم القيمة، وكتابه “الإتقان في علوم القرآن” يُعد موسوعة جامعة لعلوم القرآن، وقد خصص فيه نوعاً كاملاً للمبهمات، وهو النوع الثامن والخمسون “في مبهمات القرآن”.

لقد اتبع الإمام السيوطي منهجاً علمياً رصيناً في تناول المبهمات، يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

  • الاعتماد على النقل الصحيح: كان السيوطي حريصاً على ذكر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة الكرام والتابعين في تفسير المبهمات، معتمداً على الأسانيد الصحيحة.
  • الاستشهاد بأقوال الأئمة: نقل عن كبار المفسرين واللغويين أقوالهم في تحديد المبهمات، مع ذكر الخلاف إن وجد، وترجيح ما يراه الأقوى دليلاً.
  • الاستدلال باللغة العربية: لم يغفل السيوطي الجانب اللغوي، فكان يستدل بقواعد اللغة العربية وأساليبها في فهم دلالات الألفاظ المبهمة.
  • التبويب والتصنيف: قام بتبويب المبهمات وتصنيفها، فذكر المبهمات من الرجال والنساء والأماكن والأزمنة وغيرها، مما يُسهل على الباحث الرجوع إليها.
  • الإيجاز والتركيز: على الرغم من سعة علمه، إلا أنه كان يحرص على الإيجاز والتركيز في عرض المعلومة، مع ذكر الفائدة المستخلصة.

إن هذا المنهج الذي سار عليه الإمام السيوطي في “الإتقان” هو ما يجعل كتابه مرجعاً لا غنى عنه في هذا الباب، وهو ما نستلهم منه في هذا الدرس، لتقديم فهم شامل وميسر لمبهمات القرآن، بأسلوب يتماشى مع منهج الشيخ محمد نبيه في تبسيط العلوم الشرعية.

أمثلة تطبيقية من مبهمات القرآن وشرحها

لننتقل الآن إلى بعض الأمثلة التطبيقية من القرآن الكريم، لنرى كيف يمكن الكشف عن هذه المبهمات، وما هي الدروس المستفادة منها.

المثال الأول: “الرجل الذي جاء من أقصى المدينة”

يقول الله تعالى في سورة يس: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (يس: ٢٠).

من هو هذا الرجل الذي جاء يسعى؟ لقد أبهم القرآن اسمه، وذكر صفته العظيمة وهي سعيه لنصرة الحق ودعوته لقومه. وقد ورد في كتب التفسير أن هذا الرجل هو “حبيب النجار”، وكان رجلاً مؤمناً من أهل أنطاكية، فلما جاءها رسل عيسى عليه السلام يدعون إلى الله، كذبهم أهل المدينة، فقام هذا الرجل المؤمن يدعو قومه إلى اتباع الرسل، ويُبين لهم الحق، فكان جزاؤه أن قتلوه.

الدروس المستفادة:

  • الشجاعة في الحق: يُظهر هذا الرجل المؤمن شجاعة نادرة في مواجهة قومه المشركين، ودعوته إياهم إلى الحق، حتى وإن كان ذلك سيكلفه حياته.
  • الغيرة على الدين: كان حبيب النجار غيوراً على دين الله، حريصاً على هداية قومه، فلم يكتفِ بإيمانه الشخصي، بل سعى جاهداً لدعوة الآخرين.
  • الجزاء العظيم: لقد أكرمه الله بالشهادة، وجعله من أهل الجنة، كما جاء في الآيات التي تليها: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (يس: ٢٦-٢٧). هذا يُبين أن العبرة ليست بمعرفة الاسم، بل بالعمل الصالح والجهاد في سبيل الله.

المثال الثاني: “الذي عنده علم من الكتاب”

يقول تعالى في سورة النمل، في قصة سليمان عليه السلام وعرش بلقيس: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ (النمل: ٤٠).

من هو هذا “الذي عنده علم من الكتاب”؟ اختلف المفسرون في تحديد هويته، فقيل هو “آصف بن برخيا” وزير سليمان عليه السلام، وكان صديقاً له، وقيل إنه جبريل عليه السلام، وقيل إنه رجل صالح من بني إسرائيل، وقيل إنه سليمان نفسه. والراجح عند كثير من المفسرين أنه “آصف بن برخيا”، وكان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، أو كان يعلم علماً من علوم الكتاب الذي أنزله الله على الأنبياء.

الدروس المستفادة:

  • فضل العلم وأهله: تُبرز هذه الآية فضل العلم وأهله، وكيف أن العلم يُمكن صاحبه من إنجاز ما يعجز عنه الآخرون، بفضل الله وتوفيقه.
  • التواضع لله: على الرغم من القدرة الخارقة التي أُعطيت لهذا الرجل، إلا أنه نسب الفضل كله لله تعالى: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾، وهذا درس عظيم في التواضع وشكر النعم.
  • القدرات الخارقة بإذن الله: تُظهر الآية أن الله تعالى يُجري الخوارق على أيدي أوليائه الصالحين، بفضله وقدرته، لا بقدرتهم الذاتية.

المثال الثالث: “الفتية الذين آووا إلى الكهف” (أصحاب الكهف)

يقول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ (الكهف: ٩).

من هم هؤلاء الفتية؟ وما عددهم؟ لقد أبهم القرآن أسماءهم وعددهم، ولم يذكر إلا أنهم “فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى”. وقد اختلف المفسرون في أسمائهم وعددهم، فوردت روايات متعددة في ذلك، ولكن القرآن نفسه لم يُعنَ بتحديد أسمائهم أو عددهم، بل قال: ﴿قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٢٢).

الدروس المستفادة:

  • العبرة بالجوهر لا بالمظهر: لم يُعنَ القرآن بذكر أسمائهم أو عددهم، بل ركز على إيمانهم وثباتهم على الحق، وهجرتهم من أجل دينهم. هذا يُعلمنا أن العبرة بالعمل الصالح والتقوى، لا بالأسماء أو الأعداد.
  • الحفاظ على العقيدة: تُظهر قصة أصحاب الكهف أهمية الحفاظ على العقيدة الصحيحة، والتضحية بكل غالٍ ونفيس في سبيلها، حتى لو أدى ذلك إلى اعتزال الناس واللجوء إلى الكهوف.
  • الاعتصام بالله: الفتية اعتصموا بالله ولجأوا إليه، فكانت النتيجة أن حفظهم الله وأنامهم ثلاثمائة وتسع سنين، وهذا يُبين أن من اعتصم بالله كفاه وحفظه.
  • عدم التكلف في البحث عن الغيبيات: الآية تُوجهنا إلى عدم التكلف في البحث عن تفاصيل لم يُفصح عنها القرآن، وأن نكتفي بما ورد، وأن نُركز على العبرة والموعظة.

الدروس العملية المستفادة من دراسة مبهمات القرآن

بعد هذا الشرح الموجز لأهمية مبهمات القرآن ومنهج الإمام السيوطي في تناولها، وبعض الأمثلة التطبيقية، يمكننا أن نستخلص مجموعة من الدروس العملية التي تُثري فهمنا لديننا وتُقوي صلتنا بكتاب ربنا:

  1. القرآن الكريم بحر لا ينضب: كلما تعمقنا في دراسة القرآن، اكتشفنا فيه كنوزاً جديدة، وأسراراً لم نكن ندركها من قبل. فدراسة المبهمات تُبين لنا عمق المعاني القرآنية وتعدد مستوياتها.
  2. أهمية كتب علوم القرآن: إن كتباً مثل “الإتقان في علوم القرآن” للإمام السيوطي تُعد زاداً لا غنى عنه لكل من يريد أن يفهم القرآن فهماً عميقاً وشاملاً. فهي تُقدم لنا المفاتيح اللازمة لفتح مغاليق الفهم.
  3. التواضع في طلب العلم: يجب على طالب العلم أن يتحلى بالتواضع، وأن يُدرك أن علمه مهما بلغ يبقى قليلاً أمام عظمة كتاب الله. وأن يستفيد من جهود العلماء السابقين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة القرآن.
  4. الربط بين العلم والعمل: ليست دراسة المبهمات غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لتدبر القرآن والعمل به. فمعرفة قصة “حبيب النجار” تدفعنا إلى الشجاعة في الحق، ومعرفة قصة “الذي عنده علم من الكتاب” تُعلمنا التواضع وشكر النعم.
  5. الاستفادة من شروح العلماء المعاصرين: إن جهود العلماء المعاصرين في تبسيط علوم القرآن، مثل ما يقدمه فضيلة الشيخ محمد نبيه من دروس ومحاضرات، تُعد جسراً يربط الأجيال الجديدة بتراثنا العلمي العظيم، وتُسهل عليهم فهم هذه العلوم الجليلة. فمن خلال هذه الدروس، تُصبح المفاهيم المعقدة أكثر يسراً ووضوحاً.
  6. التدبر المستمر للقرآن: يجب أن يكون لنا ورد يومي من تدبر القرآن، لا الاكتفاء بالقراءة السريعة، بل محاولة فهم المعاني، والبحث عن دلالات الآيات، والاستعانة بكتب التفسير وعلوم القرآن.

الخاتمة

في ختام هذا الدرس المبارك حول “شرح مبهمات القرآن من الإتقان”، نُؤكد على أن القرآن الكريم هو كتاب هداية ونور، وأن كل ما فيه من إبهام أو إجمال إنما هو لحكمة بالغة ومقصد عظيم. وقد رأينا كيف أن العلماء الأجلاء، كالإمام السيوطي، قد بذلوا جهوداً مضنية في الكشف عن هذه المبهمات، وتقديمها للأمة في مؤلفاتهم القيمة.

إن فهم مبهمات القرآن يُثري تجربتنا مع كتاب الله، ويُعمق تدبرنا لآياته، ويُعيننا على استلهام العبر والدروس منه. ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، وأن يُوفقنا لتدبر كتابه والعمل به، وأن يجزي فضيلة الشيخ محمد نبيه خير الجزاء على جهوده في نشر العلم وتيسيره. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مشاهدة شرح كتاب مبهمات القرآن الكريم

الاستماع لـ شرح كتاب مبهمات القرآن الكريم MP3

مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top