خطبة جمعة مؤثرة عن سعة رحمة الله تعالى، تدعو إلى عدم اليأس من روح الله في الشدائد والذنوب، وتوضح كيف نزرع الأمل والتوكل على الله في حياتنا.

رحمة الله الواسعة: دعوة للتفاؤل وعدم اليأس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
أيها المسلمون، أيها الأحبة في الله، إن من أعظم ما يغرس الطمأنينة في القلوب، ويشرح الصدور، ويقوي العزائم، هو الإيمان بسعة رحمة الله تعالى، وعدم اليأس من روح الله. فكم من قلب أضناه الهم، وكم من نفس أثقلتها الذنوب، وكم من روح كادت أن تستسلم لليأس، فكانت رحمة الله هي الملاذ، وروح الله هي النجاة. إن الله سبحانه وتعالى يدعونا دائمًا إلى الأمل والرجاء، ويحذرنا من القنوط واليأس، لأنه يعلم ضعفنا وحاجتنا إليه، ويعلم أن اليأس من روحه هو بوابة الشيطان إلى قلوبنا.
مفهوم اليأس من روح الله وخطورته
إن اليأس من روح الله ليس مجرد شعور عابر، بل هو مرض قلبي خطير، يتنافى مع أصل الإيمان بالله تعالى وصفاته العلى. فاليائس من رحمة الله هو في الحقيقة يائس من قدرة الله، يائس من مغفرة الله، يائس من كرم الله. وقد حذرنا القرآن الكريم من هذا الداء العضال، فقال سبحانه وتعالى على لسان يعقوب عليه السلام: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: ٨٧). وفي آية أخرى: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّوْحِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ (الحجر: ٥٦). فاليأس من روح الله هو صفة الكافرين والضالين، لأنه يعني عدم معرفة الله حق المعرفة، وعدم الثقة في وعده الصادق.
سعة رحمة الله تعالى وأمثلتها
إن رحمة الله تعالى وسعت كل شيء، وهي أوسع من ذنوب العباد، وأكبر من آلامهم، وأعظم من همومهم. فالله هو الرحمن الرحيم، الذي كتب على نفسه الرحمة. وقد أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن سعة هذه الرحمة، فقال: «إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة» (متفق عليه). فإذا كانت هذه الرحمة الواحدة قد وسعت كل هذا الكون، فكيف بتسع وتسعين رحمة ادخرها الله لعباده يوم القيامة؟ هذا يدعونا إلى أن نوقن بأن رحمة الله لا حدود لها، وأنها تنتظر كل تائب، وكل راجٍ، وكل مؤمل.
اقرأ أيضا: مواساة الله للقلوب المنكسرة: بلسم الرحمن في زمن الأحزان
لا تيأسوا من روح الله: في الشدائد والمحن
كثيرًا ما تمر بنا الأيام والليالي، وتتقلب بنا الأحوال بين يسر وعسر، وصحة ومرض، وغنى وفقر. وفي خضم هذه التقلبات، قد تتسلل وساوس اليأس إلى القلوب، وتثقل الأرواح. ولكن المؤمن الحقيقي هو من يرى في كل محنة منحة، وفي كل شدة فرجًا، لأنه يعلم أن الله معه، وأن روح الله قريب.
اليأس من روح الله في البلاء والمرض
عندما يبتلى الإنسان بمرض عضال، أو بفقد عزيز، أو بضيق في الرزق، قد يظن أن الدنيا قد أغلقت أبوابها في وجهه، وأن لا مخرج له. ولكن ديننا يعلمنا أن هذه الابتلاءات هي امتحان من الله، وهي فرصة لتكفير الذنوب ورفع الدرجات. انظروا إلى أيوب عليه السلام، الذي ابتلي في جسده وماله وولده، فصبر واحتسب، ولم ييأس من روح الله، فكانت عاقبته أن رد الله عليه ماله وولده، وعافاه من مرضه. ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٨٣-٨٤). فمهما اشتدت المحن، ومهما عظمت الابتلاءات، لا تيأسوا من روح الله، ففرج الله قريب.
اليأس من روح الله في الذنوب والمعاصي
ومن أخطر صور اليأس، اليأس من مغفرة الله تعالى بعد ارتكاب الذنوب والمعاصي. قد يظن العاصي أن ذنوبه قد بلغت عنان السماء، وأن الله لن يغفر له أبدًا، فيستسلم لليأس ويتمادى في غيه. ولكن الله سبحانه وتعالى، برحمته الواسعة، يدعو جميع عباده إلى التوبة، ويفتح لهم باب المغفرة على مصراعيه، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: ٥٣). هذه الآية الكريمة هي نداء لكل مذنب، ولكل عاصٍ، ولكل من أثقلته الذنوب، بأن لا ييأس من روح الله، وأن يعود إلى ربه تائبًا نادمًا. وكما يذكرنا فضيلة الشيخ محمد نبيه في دروسه، فإن باب التوبة مفتوح على مصراعيه حتى تطلع الشمس من مغربها، فما علينا إلا أن نطرق هذا الباب بصدق وإخلاص.
اقرأ أيضا: خطبة عن رحمة الله بعباده
كيف نزرع الأمل ونبتعد عن اليأس من روح الله؟
لكي لا نقع في فخ اليأس، يجب علينا أن نتبع منهجًا ربانيًا وسنة نبوية، تغرس في قلوبنا الأمل والرجاء، وتبعدنا عن القنوط من رحمة الله.
التوكل على الله وحسن الظن به
إن أساس عدم اليأس هو التوكل الصادق على الله، وحسن الظن به. فالمؤمن يعلم أن الله مدبر الأمور، وأنه لا يحدث في ملكه إلا ما يشاء، وأن تدبيره كله خير. وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي» (متفق عليه). فإذا ظننت بالله خيرًا، وجدت خيرًا، وإذا ظننت به سوءًا، وجدت سوءًا. فاجعل ظنك بالله حسنًا دائمًا، وتوكل عليه في كل أمورك، ولن تخيب أبدًا. وهذا ما يؤكد عليه فضيلة الشيخ محمد نبيه دائمًا في خطبه ومحاضراته، أن التفكر في عظمة الخالق يجدد الأمل في القلوب.
الدعاء والإلحاح فيه
الدعاء هو سلاح المؤمن، وهو مفتاح الفرج، وهو وسيلة لا تيأسوا من روح الله. فبالدعاء نناجي ربنا، ونبث إليه شكوانا، ونطلب منه حاجتنا. وقد أمرنا الله بالدعاء ووعدنا بالإجابة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: ٦٠). انظروا إلى يونس عليه السلام، عندما التقمه الحوت في ظلمات ثلاث، لم ييأس، بل دعا ربه: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (الأنبياء: ٨٧-٨٨). فالدعاء يفتح أبواب الرحمة، ويزيل الهموم، ويجلب الفرج، فلا تيأسوا من روح الله، وهذا ما يدعونا إليه ديننا الحنيف، وما يوضحه لنا الشيخ محمد نبيه في كثير من توجيهاته.
الصبر والمصابرة
الصبر هو مفتاح الفرج، وهو خصلة من خصال المؤمنين الصادقين. فمن صبر على البلاء، ورضي بقضاء الله وقدره، نال الأجر العظيم، وفتح الله له أبواب رحمته. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠). فبالصبر نتجاوز المحن، وبالصبر نرى نور الفرج بعد الظلمة، فلا تيأسوا من روح الله، فإن مع العسر يسرًا.
التفكر في آيات الله ونعمه
إن التفكر في عظمة خلق الله، وفي نعمه التي لا تعد ولا تحصى، يغرس في القلب اليقين والأمل. فمن يرى السماء بلا عمد، والأرض ممهدة، والشمس والقمر في فلك يسبحون، كيف ييأس من خالق هذا الكون العظيم؟ إن كل نعمة حولنا هي دليل على رحمة الله وقدرته، وهي دعوة لنا لعدم اليأس من روحه.
ثمرات عدم اليأس من روح الله في الدنيا والآخرة
إن التمسك بالأمل وعدم اليأس من رحمة الله له ثمرات عظيمة تعود على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة.
السكينة والطمأنينة النفسية
عندما يوقن الإنسان بأن الله معه، وأنه لن يضيعه، وأنه لا ييأس من روح الله، فإنه يعيش في سكينة وطمأنينة نفسية لا مثيل لها. تزول عنه الهموم، وتتبدد الأحزان، ويشعر بالرضا بقضاء الله وقدره، مهما كانت الظروف.
الفوز برضا الله وجنته
أما في الآخرة، فإن من لم ييأس من روح الله، وعمل الصالحات، وجاهد في سبيله، فإنه يفوز برضا الله وجنته. فالله تعالى يكافئ الصابرين، ويغفر للتائبين، ويرحم المتوكلين. فكن من هؤلاء، ولا تيأس من روح الله، لتنال الفوز العظيم.
خاتمة ودعاء
أيها الإخوة والأخوات في الله، إن رسالتنا اليوم واضحة جلية: لا تيأسوا من روح الله. فمهما عظمت الذنوب، ومهما اشتدت المحن، ومهما طال البلاء، فإن رحمة الله أوسع، وقدرته أعظم، ومغفرته أوسع. تمسكوا بحبل الله المتين، وتوكلوا عليه حق التوكل، وأحسنوا الظن به، وأكثروا من الدعاء والاستغفار، واصبروا وصابروا، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
اللهم يا رحمن يا رحيم، نسألك أن لا تجعلنا من القانطين، ولا من اليائسين من روحك ورحمتك. اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وفرج همومنا، ونفس كروبنا. اللهم اجعلنا ممن يتوكل عليك حق التوكل، ويحسن الظن بك، ويدعوك بقلب خاشع، فيستجيب له دعاءه. اللهم ارفع عنا البلاء، وادفع عنا الوباء، واشف مرضانا، وارحم موتانا، واجعلنا من عبادك الصالحين الفائزين بجنتك ورضوانك.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

