استكشف أحكام الطهارة في الفقه الإسلامي مع الشيخ محمد نبيه، من أنواع المياه والنجاسات إلى الوضوء والغسل والتيمم، وفق المنهج الأزهري الأصيل الذي يجمع بين الدليل واليسر.

مقدمة في أهمية الطهارة في الإسلام
إن الشريعة الإسلامية الغراء قد أولت الطهارة اهتمامًا بالغًا، وجعلتها مفتاحًا للعديد من العبادات، بل وربطتها بالإيمان نفسه. فالطهارة في الإسلام ليست مجرد نظافة حسية ظاهرية، بل هي مفهوم شامل يمتد ليشمل طهارة البدن والثوب والمكان، وطهارة القلب والروح من الشرك والذنوب والمعاصي. وهي بذلك تعكس سمو هذا الدين الذي يدعو إلى النقاء في كل جوانب الحياة.
تعريف الطهارة لغة وشرعاً
لغةً: الطهارة في اللغة تعني النظافة والنزاهة من الأقذار والأوساخ، وهي ضد النجاسة والدنس. يقال: طَهُرَ الشيء أي نظُفَ.
شرعاً: أما في الاصطلاح الشرعي، فالطهارة هي: «رفع الحدث وإزالة النجس». و«رفع الحدث» يعني إزالة الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها، ويكون بالوضوء أو الغسل أو التيمم. أما «إزالة النجس» فتعني إزالة العين النجسة أو حكمها من البدن أو الثوب أو المكان.
مكانة الطهارة في الشريعة الإسلامية
تتجلى مكانة الطهارة في الإسلام في كونها شرطًا أساسيًا لصحة أعظم العبادات، وهي الصلاة، حيث لا تصح صلاة بغير طهارة. وقد وردت نصوص كثيرة في القرآن والسنة تؤكد هذه الأهمية. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (المائدة: ٦). ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تُقبَلُ صلاةٌ بغيرِ طُهورٍ» (رواه مسلم). بل إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الطهارة شطر الإيمان، فقال: «الطهور شطر الإيمان» (رواه مسلم). وقد أكد الشيخ محمد نبيه في دروسه ومحاضراته على أن الطهارة ليست مجرد نظافة حسية، بل هي بوابة للطهارة الروحية والنفسية، وأنها تعكس احترام المسلم لربه ولنفسه.
أنواع المياه وأحكامها
الماء هو الأصل في الطهارة، وقد ميزت الشريعة بين أنواع المياه من حيث صلاحيتها لرفع الحدث وإزالة النجس، وهي ثلاثة أنواع رئيسية:
الماء الطهور
وهو الماء الباقي على أصل خلقته، لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه بشيء نجس، أو بشيء طاهر غالب عليه. وهو الماء الذي يصح به رفع الحدث وإزالة النجس. وهذا يشمل ماء السماء (المطر)، وماء البحر، وماء النهر، وماء البئر، وماء العيون، وماء الثلج والبرد بعد ذوبانهما. يقول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (الفرقان: ٤٨).
الماء الطاهر غير المطهر
وهو الماء الذي اختلط به شيء طاهر فغير أحد أوصافه الثلاثة (اللون أو الطعم أو الريح) بحيث لم يعد يسمى ماءً مطلقًا، كالشاي والعصير ومرق الطعام. هذا الماء طاهر في ذاته، يجوز شربه واستعماله في العادات، لكنه لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس. ومن أمثلة هذا الماء أيضًا: الماء المستعمل في رفع الحدث (ماء الوضوء والغسل)، فإنه طاهر في نفسه لكنه لا يطهر غيره.
الماء النجس
وهو الماء الذي حلت فيه نجاسة وغيرت أحد أوصافه الثلاثة (اللون أو الطعم أو الريح)، سواء كان قليلاً أو كثيرًا. فإن لم تتغير أوصافه، فإن كان قليلاً (أقل من القلتين، أي حوالي ٢٧٠ لترًا تقريبًا) تنجس بمجرد ملاقاة النجاسة، وإن كان كثيرًا ولم تتغير أوصافه فإنه لا يتنجس بمجرد ملاقاة النجاسة. وهذا الماء لا يجوز استعماله في الطهارة ولا في العادات التي تتطلب الطهارة.
النجاسات وكيفية إزالتها
النجاسة هي كل عين استقذرها الشرع ونهى عن ملامستها أو حملها في الصلاة ونحوها، وأمر بتطهير ما أصابته.
أنواع النجاسات
تتعدد النجاسات في الفقه الإسلامي، ومن أبرزها:
- البول والغائط: من الإنسان والحيوان الذي لا يؤكل لحمه.
- الدم المسفوح: الدم السائل الذي يخرج من الحيوان عند الذبح أو الجروح، أما الدم اليسير الذي لا يسيل فمعفو عنه غالبًا.
- القيء: إذا كان كثيرًا.
- الميتة: كل حيوان مات حتف أنفه أو بغير ذكاة شرعية، باستثناء ميتة السمك والجراد والإنسان.
- الخنزير: بجميع أجزائه.
- الكلب: لعابه نجس نجاسة مغلظة.
- المذي والودي: المذي هو سائل رقيق أبيض يخرج عند التفكير في الجماع أو الملاعبة، والودي هو سائل أبيض ثخين يخرج بعد البول غالبًا.
- الخمر: نجاسة معنوية وحسية عند بعض الفقهاء.
كيفية تطهير النجاسات
تختلف كيفية تطهير النجاسات باختلاف نوع النجاسة والمحل الذي أصابته:
- النجاسات العينية: كالبول والغائط، تطهر بإزالة عين النجاسة وأثرها (لونها وريحها) بالماء الطهور حتى تزول. ويكفي غلبة الظن بزوالها.
- نجاسة الكلب: تطهر بغسل المحل سبع مرات، إحداهن بالتراب أو ما يقوم مقامه من المنظفات الحديثة.
- نجاسة الخنزير: تطهر بغسل المحل سبع مرات بالماء، ولا يشترط التراب.
- الأرض: تطهر بجفافها وذهاب أثر النجاسة بالشمس أو الريح، أو بصب الماء عليها حتى يزول أثر النجاسة.
- الثياب والأواني: تطهر بغسلها بالماء الطهور حتى تزول عين النجاسة وأثرها.
الوضوء: مفتاح الصلاة
الوضوء هو طهارة مخصوصة لأعضاء مخصوصة على صفة مخصوصة، وهو شرط لصحة الصلاة والطواف ومس المصحف.
شروط الوضوء
لصحة الوضوء شروط يجب توفرها، منها:
- الإسلام: فلا يصح من الكافر.
- العقل والتمييز: فلا يصح من المجنون أو الصغير غير المميز.
- النية: وهي قصد رفع الحدث أو استباحة الصلاة ونحوها.
- الماء الطهور: فلا يصح بماء نجس أو طاهر غير مطهر.
- إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة: كالشمع والطلاء ونحوهما.
- دخول وقت الصلاة: عند من يرى أن الوضوء لغير صاحب العذر يكون بعد دخول الوقت.
فرائض الوضوء (الأركان)
وهي الأفعال التي لا يصح الوضوء إلا بها، وقد ذكرها الله تعالى في سورة المائدة، وهي:
- النية: ومحلها القلب.
- غسل الوجه: من منابت شعر الرأس إلى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا.
- غسل اليدين إلى المرفقين: مع تخليل الأصابع.
- مسح الرأس: يكفي مسح بعض الرأس عند بعض الفقهاء، والواجب مسح جميعه عند آخرين.
- غسل الرجلين إلى الكعبين: مع تخليل الأصابع.
- الترتيب: بين الأعضاء على الوجه المذكور.
- الموالاة (الفور): أي غسل العضو قبل جفاف العضو الذي سبقه، وهي واجبة عند الشافعية والحنابلة، وسنة عند الحنفية والمالكية.
سنن الوضوء
وهي الأفعال التي يستحب فعلها في الوضوء ويكمل بها، منها:
- التسمية في أوله.
- السواك.
- غسل الكفين ثلاثًا في أوله.
- المضمضة والاستنشاق.
- تخليل اللحية الكثيفة.
- مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما.
- تكرار الغسل ثلاثًا لكل عضو.
- الدعاء بعد الوضوء: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين».
مبطلات الوضوء
وهي الأمور التي إذا حدثت بعد الوضوء أفسدته وأوجبت إعادته، منها:
- كل ما خرج من السبيلين (البول، الغائط، الريح، المذي، الودي).
- النوم المستغرق الذي يزيل الوعي.
- زوال العقل بجنون أو إغماء أو سكر.
- لمس فرج الآدمي باليد مباشرة بلا حائل (عند الشافعية والحنابلة).
- أكل لحم الإبل (عند الحنابلة).
اقرأ أيضا: فضل الوضوء وأثره العميق على المسلم في الدنيا والآخرة
الغسل: طهارة البدن الكاملة
الغسل هو تعميم الماء الطهور على جميع البدن بنية رفع الحدث الأكبر.
موجبات الغسل
يجب الغسل في حالات معينة، منها:
- الجنابة: وتكون بخروج المني دفقًا بلذة، أو بالتقاء الختانين (إيلاج الذكر في الفرج) ولو لم ينزل المني.
- الحيض: وهو الدم الذي يخرج من المرأة في أوقات مخصوصة.
- النفاس: وهو الدم الذي يخرج من المرأة بعد الولادة.
- الموت: يجب غسل الميت المسلم إلا الشهيد.
- الإسلام: يستحب لمن أسلم أن يغتسل.
كيفية الغسل الشرعي
الغسل له صفتان: صفة واجبة (مجزءة) وصفة كاملة (مستحبة). الصفة المجزئة: النية، ثم تعميم الماء على جميع البدن مع إزالة النجاسة إن وجدت. الصفة الكاملة: وهي الأفضل، وتكون كالتالي:
- النية.
- التسمية.
- غسل الكفين ثلاثًا.
- غسل الفرج وما حوله لإزالة النجاسة.
- الوضوء الكامل كوضوء الصلاة.
- إفاضة الماء على الرأس ثلاث مرات مع تخليل الشعر.
- إفاضة الماء على سائر الجسد، يبدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر، مع دلك البدن لضمان وصول الماء إلى كل جزء. ويشمل ذلك تخليل أصابع اليدين والقدمين، وتعهد الأماكن الخفية كالإبطين والسرة. ويوضح الشيخ محمد نبيه أن الغسل الشرعي لا يتطلب الإسراف في الماء، بل يكفي تعميم الماء على الجسد مع التدليك لضمان وصوله إلى كل جزء.
سنن الغسل
من سنن الغسل: التسمية، والسواك، وغسل الكفين قبل إدخالهما الإناء، والبدء بالوضوء، وتخليل الشعر، ودلك البدن، والبدء بالشق الأيمن.
التيمم: رخصة عند العذر
التيمم هو طهارة ترابية تقوم مقام الطهارة المائية عند فقد الماء أو العجز عن استعماله.
أسباب التيمم وشروطه
يشرع التيمم في حالات معينة، منها:
- فقد الماء: بأن لا يجد الماء الكافي للوضوء أو الغسل بعد البحث عنه.
- العجز عن استعمال الماء: لمرض يخشى معه زيادة المرض أو تأخر الشفاء، أو لشدة البرد مع عدم القدرة على تسخين الماء.
- النية: وهي شرط لصحة التيمم.
- التراب الطاهر: يجب أن يكون التراب طاهرًا له غبار.
- دخول وقت الصلاة: عند جمهور الفقهاء.
كيفية التيمم
يكون التيمم على النحو التالي:
- النية بقلبه.
- التسمية.
- ضرب الكفين على التراب الطاهر ضربة واحدة.
- مسح الوجه بباطن الكفين.
- مسح اليدين إلى المرفقين بظاهر الكفين.
مبطلات التيمم
يبطل التيمم بأمور منها:
- كل ما يبطل الوضوء.
- وجود الماء الكافي للطهارة لمن تيمم لفقده.
- القدرة على استعمال الماء لمن تيمم للعجز عنه.
- خروج وقت الصلاة (عند بعض الفقهاء، خاصة إذا تيمم لصلاة معينة).
أحكام متفرقة في الطهارة
تتفرع عن أحكام الطهارة مسائل أخرى تيسيرًا على المسلمين:
المسح على الخفين والجوربين
وهي رخصة شرعية تبيح المسح على الخفين أو الجوربين بدل غسل الرجلين في الوضوء، بشروط معينة:
- أن يلبسهما على طهارة كاملة.
- أن يكونا ساترين لمحل الفرض (القدمين مع الكعبين).
- أن يكونا طاهرين.
- أن يكونا مباحين.
- مدة المسح: يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر.
- كيفية المسح: يمسح أعلى الخف أو الجورب من الأصابع إلى الساق مرة واحدة.
أحكام الحيض والنفاس والاستحاضة
هذه أحكام خاصة بالمرأة وتتعلق بالدماء الخارجة منها، ولها تأثير مباشر على الطهارة والعبادات:
- الحيض والنفاس: يمنعان الصلاة والصيام والطواف ومس المصحف وقراءة القرآن والجماع. ويجب الغسل بعد انقطاعهما.
- الاستحاضة: هي دم علة ومرض، لا تمنع الصلاة والصيام، وعلى المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها.
خلاصة وتوصيات
تعد أحكام الطهارة ركنًا أساسيًا في فقه العبادات، وهي تعكس حرص الإسلام على نظافة المسلم وطهارته الحسية والمعنوية. فبها يستطيع المسلم أن يقف بين يدي ربه طاهرًا نقيًا، مؤديًا عباداته على أكمل وجه. إن فهم هذه الأحكام وتطبيقها يعزز من خشوع المسلم ويقربه من ربه.
وفي الختام، فإن أحكام الطهارة هي أساس العبادات، وهي دليل على عظمة هذا الدين الذي يربط بين نظافة الجسد وطهارة الروح. وندعو القارئ الكريم إلى متابعة شرح الشيخ محمد نبيه التفصيلي لهذه الأحكام وغيرها من فروع الفقه الإسلامي، للاستزادة من العلم الشرعي الصحيح الذي يجمع بين الدليل واليسر، ويراعي مقاصد الشريعة السمحة.

