شرح صحيح الترغيب والترهيب للمنذري: دراسة عميقة لفضائل الأعمال ومحاذير الذنوب

مشاركة:

استكشف شرح الشيخ محمد نبيه لـ كتاب صحيح الترغيب والترهيب للإمام المنذري، وتعمق في فهم فضائل الأعمال الصالحة ومحاذير الذنوب، مع دروس عملية وتوجيهات إيمانية.

شرح صحيح كتاب الترغيب والترهيب
شرح صحيح كتاب الترغيب والترهيب

مقدمة في صحيح الترغيب والترهيب للإمام المنذري

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن من أجلّ العلوم وأشرفها علم الحديث النبوي الشريف، الذي هو المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله تعالى. وقد أولى علماء الأمة هذا العلم عناية فائقة، فصنفوا فيه المصنفات الكثيرة التي جمعت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وبينت صحيحها من سقيمها، وقربتها إلى الأمة لتنتفع بها في دينها ودنياها.

ومن هذه المصنفات العظيمة التي لا يستغني عنها طالب علم ولا عامي يرغب في معرفة فضائل الأعمال ومحاذير الذنوب، كتاب “الترغيب والترهيب” للإمام الحافظ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري رحمه الله. وهذا الكتاب يُعد موسوعة حديثية فريدة في بابها، حيث جمع فيه الإمام المنذري الأحاديث التي ترغب في فعل الخيرات وتعد بالثواب الجزيل، والأحاديث التي ترهب من الوقوع في المعاصي وتتوعد بالعقاب الأليم، وذلك بأسلوب بديع يجمع بين المتن والسند، مع بيان درجة الحديث.

ولما كان هذا الكتاب بهذه الأهمية، فقد اهتم به العلماء شرحًا وتوضيحًا، ومن هؤلاء الأفاضل فضيلة الشيخ محمد نبيه حفظه الله ورعاه، الذي خصص دروسًا علمية قيمة لشرح هذا الكتاب الجليل، مبينًا مقاصده، وموضحًا غوامضه، ومستخرجًا درره، ليقرب الفائدة لطلابه وعموم المسلمين. وفي هذا الدرس، سنتناول جوانب من شرح الشيخ محمد نبيه لهذا الكتاب المبارك، سائلين الله التوفيق والسداد.

الإمام المنذري وكتابه “الترغيب والترهيب”

من هو الإمام المنذري؟

هو الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة المنذري الشافعي، ولد سنة ٥٨١ هـ وتوفي سنة ٦٥٦ هـ. كان إمامًا حافظًا، محدثًا ثقة، من كبار علماء الحديث في عصره. اشتهر بعلمه الغزير، وحفظه المتقن، وتصانيفه القيمة التي أثرت المكتبة الإسلامية.

منهج كتاب “الترغيب والترهيب”

يتميز كتاب “الترغيب والترهيب” بمنهج فريد في جمع الأحاديث وتصنيفها. فقد قام الإمام المنذري بجمع الأحاديث النبوية التي تتحدث عن فضائل الأعمال الصالحة، مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج وذكر الله وصلة الرحم، وغيرها من الطاعات التي رغب فيها الشارع الحكيم. وفي المقابل، جمع الأحاديث التي ترهب وتحذر من الوقوع في الذنوب والمعاصي، كالشرك والبدع والكبائر والصغائر، وما يترتب عليها من عقاب في الدنيا والآخرة.

وقد اعتمد الإمام المنذري في كتابه على مصادر حديثية متنوعة، كالصحيحين والسنن والمسانيد والمعاجم، مع ذكر درجة الحديث من حيث الصحة والضعف، وهذا ما يميزه عن غيره من كتب الترغيب والترهيب التي قد لا تعتني ببيان درجة الحديث. وقد قام العلامة الألباني رحمه الله بتصحيح أحاديثه في كتابه “صحيح الترغيب والترهيب” و”ضعيف الترغيب والترهيب”، مما زاد الكتاب قيمة ونفعًا.

نقاط تعليمية من شرح صحيح الترغيب والترهيب

في دروسه القيمة، يتناول الشيخ محمد نبيه شرح أحاديث الكتاب بتفصيل وعمق، مستخرجًا منها الفوائد والعبر، ومبينًا الأحكام الشرعية المستنبطة. وفيما يلي بعض النقاط التعليمية المستفادة:

  • أهمية الإخلاص في العمل: يؤكد الشيخ على أن قبول الأعمال مرهون بالإخلاص لله تعالى. فمهما عظمت العبادة أو العمل الصالح، فإنه لا يُقبل إلا إذا كان خالصًا لوجه الله، لا رياء فيه ولا سمعة. ويستشهد الشيخ بأحاديث مثل: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (صحيح البخاري، رقم ١).
  • فضائل الصلاة وعظم شأنها: يتوقف الشيخ كثيرًا عند أحاديث الصلاة، مبينًا أنها عمود الدين، وأنها أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة. ويشرح أحاديث الترغيب في المحافظة عليها في أوقاتها، وفي صلاة الجماعة، وفضائل صلاة النوافل. ومن ذلك حديث: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة» (سنن أبي داود، رقم ٤٢٥).
  • الترهيب من كبائر الذنوب: يخصص الشيخ جزءًا كبيرًا للتحذير من الكبائر التي توعد الله عليها بالعقاب الشديد، مثل الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم، والربا، والزنا، والسرقة. ويوضح أن التوبة النصوح هي المخرج الوحيد من هذه الذنوب العظيمة، مع ضرورة الإقلاع عنها والندم عليها والعزم على عدم العودة إليها.
  • فضل ذكر الله والدعاء: يشرح الشيخ أحاديث الترغيب في ذكر الله تعالى على كل حال، وفي فضائل الأذكار المأثورة، كالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. ويبين أن ذكر الله حياة للقلوب، وأنه من أعظم أسباب طمأنينة النفس وراحة البال، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨).
  • أهمية طلب العلم الشرعي: يؤكد الشيخ على أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وأن العلم هو السبيل لمعرفة الحق من الباطل، والهدى من الضلال. ويشرح أحاديث الترغيب في طلب العلم، وفضل العلماء، وأنهم ورثة الأنبياء. ويحث طلابه على الجد والاجتهاد في تحصيل العلم، والتفقه في الدين.
  • الترغيب في الصدقة والإنفاق في سبيل الله: يتناول الشيخ أحاديث كثيرة في فضل الصدقة، وأنها تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وأنها برهان على صدق الإيمان. ويبين أن الإنفاق في سبيل الله من أعظم القربات، وأن الله يضاعف الأجر للمنفقين، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: ٢٤٥).
  • التحذير من آفات اللسان: يشدد الشيخ على خطورة اللسان، وأنه من أكثر الجوارح إهلاكًا للإنسان إذا لم يضبط. ويشرح أحاديث الترهيب من الغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور والسخرية والاستهزاء بالآخرين. ويحث على حفظ اللسان إلا من قول الخير، مستذكرًا حديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (صحيح البخاري، رقم ٦٠١٨).

الدروس العملية المستفادة

إن دراسة كتاب “صحيح الترغيب والترهيب” بشرح فضيلة الشيخ محمد نبيه ليست مجرد تحصيل معلومات، بل هي منهج حياة يدعو إلى العمل والتطبيق. ومن أبرز الدروس العملية التي يمكن استخلاصها:

  1. بناء عقيدة صحيحة: فهم الترغيب والترهيب يعمق الإيمان بالله واليوم الآخر، ويقوي اليقين بالثواب والعقاب، مما يدفع المسلم إلى الاستقامة والخشية من الله.
  2. تحفيز النفس على الطاعات: معرفة فضائل الأعمال الصالحة وما أعد الله للمطيعين من أجر عظيم، يدفع المسلم إلى المسارعة في الخيرات والتنافس فيها.
  3. الابتعاد عن المعاصي والمنكرات: إدراك عواقب الذنوب والآثام وما يترتب عليها من عقاب في الدنيا والآخرة، يورث الرهبة والخوف من الله، ويحفز على اجتناب المحرمات والبعد عن مواطن الشبهات.
  4. التوازن بين الخوف والرجاء: يعلمنا الكتاب أهمية الجمع بين الخوف من عذاب الله والرجاء في رحمته ومغفرته. فالخوف يدفع إلى الطاعة والاجتناب، والرجاء يبعث الأمل ويمنع اليأس من رحمة الله.
  5. التطبيق العملي للسنة النبوية: الشرح يوضح كيفية تطبيق الأحاديث النبوية في حياتنا اليومية، سواء في العبادات أو المعاملات أو الأخلاق، مما يجعل السنة النبوية منهاجًا عمليًا للحياة.
  6. أهمية الصحبة الصالحة: من خلال دروس الشيخ، ندرك أهمية مجالسة العلماء وطلاب العلم، والاستفادة من علمهم وتوجيهاتهم، فالعلم يؤخذ بالتلقي والمشافهة.
  7. المداومة على التوبة والاستغفار: يغرس الشرح في النفوس أهمية المداومة على التوبة والاستغفار، فكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. والتوبة الصادقة تمحو الذنوب وتفتح أبواب الرحمة.

خاتمة

في الختام، إن كتاب “صحيح الترغيب والترهيب” للإمام المنذري، بشرح فضيلة الشيخ محمد نبيه، يُعد كنزًا عظيمًا للمسلمين. فهو ليس مجرد كتاب حديث، بل هو مرشد تربوي يوجه القلوب نحو الخير، ويزجرها عن الشر، ويغرس فيها محبة الله ورسوله، والخوف من عقابه، والرجاء في ثوابه.

إن دراسة هذا الكتاب بتأنٍ وتدبر، والعمل بما جاء فيه من توجيهات نبوية، كفيل بأن يرتقي بالمسلم في درجات الإيمان والتقوى، وأن يجعله أكثر قربًا من ربه، وأكثر حرصًا على مرضاته. نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يزيدنا علمًا وعملاً صالحًا متقبلاً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مشاهدة شرح صحيح كتاب الترغيب والترهيب

الاستماع لـ شرح صحيح كتاب الترغيب والترهيب MP3

مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top