ليس كل متطرف متدينًا: فهم أعمق لظاهرة الغلو في الإسلام

مشاركة:

خطبة جمعة للشيخ محمد نبيه تتناول ظاهرة الغلو والتطرف، وتوضح الفروق الجوهرية بين التدين الحق والتشدد، مع تحليل أسباب التطرف وسبل مواجهته من منظور إسلامي أصيل.

ليس كل متطرف متدينًا: فهم أعمق لظاهرة الغلو في الإسلام
ليس كل متطرف متدينًا: فهم أعمق لظاهرة الغلو في الإسلام

مقدمة عن ظاهرة الغلو

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

يا أيها المسلمون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين، وهي مفتاح كل خير وسعادة في الدنيا والآخرة: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]. فبالتقوى تُنار البصائر، وتُزكى النفوس، وتُصلح الأعمال.

إن من أعظم التحديات التي تواجه أمتنا الإسلامية في عصرنا الحاضر، وتُشوه صورتها النقية، وتُبعد الناس عن جوهر رسالتها السمحة، هي ظاهرة الغلو والتطرف. هذه الظاهرة التي أصبحت تُنسب زورًا وبهتانًا إلى الإسلام، وتُقدم على أنها تمثل الدين الحق، بينما الإسلام منها بريء، براءة الذئب من دم يوسف. وكثيرًا ما يختلط الأمر على الناس، فيظنون أن كل متشدد أو متطرف هو بالضرورة متدين، وأن التزام الدين يعني التشدد والتعنت. وهذا فهم خاطئ ومغالطة كبرى، بل هو من أخطر المغالطات التي تفتك بالمجتمعات وتُفسد الأديان. فليس كل متطرف متدينًا، بل إن التدين الحقيقي هو نقيض التطرف والغلو، وهو منهج الوسطية والاعتدال الذي جاء به نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم.

فما هو الغلو؟ وما هي أسبابه العميقة ومظاهره المتعددة؟ وكيف نحصن أنفسنا وشبابنا من الوقوع في براثنه المدمرة؟ وكيف نميز بين التدين الحق والتشدد المذموم؟ هذا ما سنتناوله بالتفصيل في خطبتنا هذه، مستلهمين الهدي النبوي الشريف والمنهج القرآني الحكيم، ومسترشدين بفهم علماء الأمة الراسخين الذين يمثلون المرجعية الأصيلة للإسلام.

فهم ظاهرة الغلو: تمييز بين التدين الحق والتطرف المذموم

إن التمييز الدقيق بين التدين الحق وظاهرة الغلو والتطرف أمر جوهري لا غنى عنه لفهم ديننا على حقيقته الناصعة، ولتحصين الأمة من الانحرافات الفكرية والسلوكية. فالتدين هو امتثال لأوامر الله واجتناب لنواهيه بقلب خاشع ونفس مطمئنة، مع مراعاة مقاصد الشريعة وروحها السمحة التي تقوم على اليسر ورفع الحرج والرحمة بالعباد. أما الغلو فهو تجاوز للحدود التي وضعها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتشدد في غير محله، وخروج عن منهج الوسطية والاعتدال الذي هو سمة الإسلام الخالدة.

تعريف الغلو في الشريعة الإسلامية ومخاطره

الغلو لغة: هو تجاوز الحد، ومجاوزة القدر في كل شيء. يقال: غلا السعر إذا ارتفع وتجاوز حده المعتاد. وغلا في الأمر إذا جاوز فيه الحد. وفي الاصطلاح الشرعي: هو مجاوزة الحد في الدين، سواء كان ذلك بزيادة في العبادات لم يشرعها الله ورسوله، أو بتشدد في الأحكام لم يأذن به الشرع الحنيف، أو بتكفير وتفسيق للمسلمين بغير حجة ولا برهان قاطع من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقد حذرنا الله تعالى من الغلو في كتابه الكريم تحذيرًا صريحًا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]. وهذا التحذير، وإن كان موجهًا لأهل الكتاب في سياقه، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ليشمل كل من يقع في هذا المحظور من أي أمة كانت. فالله ينهى عن تجاوز الحدود في الدين، وعن القول على الله بغير علم.

ولم يكتف القرآن بالتحذير، بل جاءت السنة النبوية لتؤكد هذا المعنى وتفصله. فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من ظاهرة الغلو، فقال: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (سنن النسائي، ٣٠٥٧). هذا الحديث الشريف يضع لنا قاعدة ذهبية، وهي أن الغلو سبب للهلاك والدمار، ليس فقط للأفراد الذين يتبنونه، بل للمجتمعات والأمم بأسرها. إنه يدمر الدين من داخله، ويُفسد الدنيا من خارجها. فكم من أمم هلكت بسبب غلوها وتشددها، وكم من جماعات انحرفت عن الصراط المستقيم بسبب تجاوزها للحدود الشرعية.

التدين الحق: منهج الوسطية والاعتدال في الإسلام

الإسلام دين الوسطية والاعتدال، لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا غلو فيه ولا جفاء. هذه الوسطية ليست مجرد خيار، بل هي جوهر هذا الدين وهويته الأساسية. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. هذه الآية الكريمة تحدد هويتنا كأمة، أمة وسطية، عدل وخيار، لا تميل إلى التشدد المذموم ولا إلى التساهل المفرط. إنها أمة التوازن في كل شيء: في العقيدة، وفي العبادة، وفي المعاملات، وفي الأخلاق.

النبي صلى الله عليه وسلم كان قدوة حسنة في هذا الاعتدال، فكان يختار الأيسر ما لم يكن إثمًا، وكان يحب التيسير على أمته، ويكره المشقة عليهم. فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا» (صحيح البخاري، ٣٥٦٠). وهذا هو جوهر التدين الصحيح، الذي يدعو إلى التيسير لا التعسير، وإلى الرحمة لا الشدة، وإلى البناء لا الهدم، وإلى التآلف لا التنافر. إن التدين الحقيقي هو الذي يجمع بين خشية الله وحب خلقه، بين العبادة الخالصة والمعاملة الحسنة، بين التمسك بالثوابت والمرونة في المتغيرات.

أسباب الانحراف نحو الغلو والتطرف: جذور المشكلة

إن ظاهرة الغلو ليست وليدة فراغ، بل هي نتاج لمجموعة معقدة من الأسباب والعوامل المتداخلة، التي تدفع ببعض الأفراد، خاصة الشباب، إلى تبني أفكار متطرفة وسلوكيات منحرفة، بعيدًا عن منهج الإسلام القويم. فهم في الغالب لا يدركون أنهم يخرجون عن الدين، بل يظنون أنهم يتقربون إلى الله بأفعالهم.

الجهل بالدين ومقاصده الشاملة

يعد الجهل بالدين ومقاصده السامية من أهم الأسباب التي تؤدي إلى الغلو. فالذي لا يفهم القرآن والسنة فهمًا عميقًا وشاملاً، والذي لا يدرك مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج، وفي حفظ الضروريات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال)، يسهل عليه أن يقع فريسة للتأويلات الخاطئة والنصوص المجتزأة من سياقها. فبعض الناس يقرأون القرآن والسنة دون علم بأسباب النزول أو الورود، ودون فهم لقواعد اللغة العربية وأساليبها البلاغية، ودون استيعاب لمقاصد الشريعة الكلية، فيفسرون النصوص على هواهم، ويخرجون بأحكام لا تتفق مع روح الإسلام ولا مع شموليته. وهذا ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في وصف الخوارج: «يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية» (سنن أبي داود، ٤٧٦٤). وهذا الوصف ينطبق تمامًا على من يتبنون ظاهرة الغلو؛ فهم يقرأون ولا يفقهون، يتلون ولا يتدبرون.

التأثر بالبيئات المتشددة والأفكار المنحرفة

تؤثر البيئة المحيطة والأفكار التي يتعرض لها الفرد بشكل كبير في تشكيل قناعاته وتوجهاته. فالشاب الذي ينشأ في بيئة تتسم بالتشدد، أو يتعرض لخطاب متطرف عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها من المنابر التي تفتقر إلى المرجعية العلمية، قد يتأثر بهذه الأفكار ويظنها هي الدين الحق، بل قد يرى فيها الحل لمشكلاته أو لمشكلات أمته. هذه البيئات غالبًا ما تعزل أفرادها عن المجتمع الأوسع، وتغذي فيهم شعورًا بالتميز أو التفوق على الآخرين، وتجعلهم ينظرون إلى من يخالفهم نظرة دونية أو تكفيرية، مما يمهد الطريق للعنف والكراهية. وهنا تبرز أهمية دور العلماء المعتدلين، أمثال الشيخ محمد نبيه، في تصحيح المفاهيم المغلوطة وتوجيه الشباب نحو الفهم الصحيح للدين، وتحصينهم ضد هذه الأفكار الهدامة التي تستهدف عقولهم وقلوبهم.

اليأس والإحباط والشعور بالظلم

في بعض الأحيان، يكون اليأس والإحباط الناتج عن ظروف اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية صعبة، دافعًا لبعض الأفراد للانجراف نحو الأفكار المتطرفة. فعندما يشعر الشاب بالظلم أو التهميش أو فقدان الأمل في الإصلاح بالطرق المشروعة والسلمية، قد يبحث عن حلول جذرية وسريعة، فيجد ضالته في الخطاب المتطرف الذي يعده بتغيير شامل وفوري، حتى لو كان ذلك التغيير مبنيًا على العنف والتدمير والفوضى. هذا الشعور بالظلم قد يُستغل ببراعة من قبل دعاة الغلو لتوظيف هذه الطاقات المحبطة في أجنداتهم الخاصة التي لا تخدم إلا مصالحهم الضيقة أو أهدافهم التخريبية.

غياب المرجعية الدينية الصحيحة والراسخة

إن غياب المرجعية الدينية الموثوقة والمعتدلة يترك فراغًا كبيرًا يملؤه دعاة الغلو والتطرف الذين لا يملكون علمًا راسخًا ولا فهمًا سليمًا. فعندما لا يجد الشباب من يرشدهم إلى الفهم الصحيح للدين، ومن يجيب على تساؤلاتهم وشبهاتهم بمنطق وحكمة، ومن يربطهم بالعلماء الربانيين، فإنهم قد يلجأون إلى مصادر غير موثوقة، أو إلى أشخاص لا يملكون العلم الشرعي الكافي، فيضلون ويُضلون غيرهم. إن الحاجة ماسة إلى علماء ربانيين، يجمعون بين العلم الشرعي الأصيل والفهم الواقعي لمشكلات العصر، ويقدمون خطابًا وسطيًا معتدلاً، وهذا ما يسعى إليه الشيخ محمد نبيه في دعوته المباركة، مؤكدًا على أهمية الرجوع إلى أهل العلم والاختصاص.

مظاهر الغلو في السلوك والفكر: كيف نتعرف عليه؟

تتجلى ظاهرة الغلو في صور متعددة، سواء في الفكر الذي يعتنقه المتطرف، أو في السلوك الذي يصدر عنه، ومن أبرز هذه المظاهر التي يجب أن نكون على وعي بها:

التشدد المبالغ فيه في العبادات والمعاملات

من أبرز مظاهر الغلو التشدد المبالغ فيه في العبادات، والخروج عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم في التيسير والرفق. فبعض المتطرفين يظنون أن الدين هو المشقة والعنت، وأن التقرب إلى الله لا يكون إلا بإرهاق النفس وتجاوز الحدود الشرعية. فيبالغون في النوافل ويشددون على أنفسهم وعلى غيرهم، حتى يخرجوا عن حد الاعتدال الذي جاء به الإسلام. وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من أرادوا التبتل وترك الزواج، أو قيام الليل كله وصيام الدهر كله، فقال: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (صحيح البخاري، ٥٠٦٣). وهذا دليل واضح على أن التدين ليس في التشدد، بل في اتباع السنة والاعتدال، وفي الموازنة بين حقوق الله وحقوق النفس وحقوق العباد.

التكفير والتفسيق بغير حق: أخطر المظاهر

لعل أخطر مظاهر الغلو وأكثرها فتكًا بالمجتمعات هو التسرع في تكفير المسلمين وتفسيقهم بغير وجه حق ولا برهان مبين. فهؤلاء المتطرفون يرون أنفسهم وحدهم على الحق، وأن كل من خالفهم في الرأي أو المنهج أو الاجتهاد فهو كافر أو فاسق أو مبتدع، يستحلون دماءهم وأموالهم وأعراضهم. وهذا مخالف تمامًا لمنهج أهل السنة والجماعة، الذي يرى أن التكفير حكم شرعي خطير، لا يجوز الإقدام عليه إلا بضوابط وشروط صارمة، وبعد إقامة الحجة وزوال الشبهة، وأن الأصل في المسلم البراءة حتى يثبت خلاف ذلك بيقين. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما» (صحيح مسلم، ٦٠). وهذا تحذير شديد من خطورة التكفير، الذي يفتح أبواب الشر والفتنة في الأمة.

العزلة عن المجتمع ونبذ الآخر المختلف

يميل أصحاب الغلو إلى العزلة عن المجتمع، ونبذ الآخرين المختلفين عنهم، سواء كانوا من غير المسلمين أو حتى من المسلمين الذين لا يوافقونهم في فكرهم المتطرف. فهم يرون أن المجتمع فاسد، وأن الاختلاط به يؤدي إلى تلويث الدين، فيعتزلون الناس ويكفرونهم، ويقيمون مجتمعاتهم الخاصة التي تتسم بالانغلاق والتشدد والريبة من كل ما هو خارج عنها. وهذا يتنافى مع مبدأ التعايش والتواصل الذي حث عليه الإسلام، ومع كون المسلم جزءًا فاعلاً في مجتمعه يدعو إلى الخير وينهى عن الشر بالحكمة والموعظة الحسنة، ويشارك الناس أفراحهم وأتراحهم.

التسرع في إصدار الأحكام والاندفاع في إثارة الفتن

من سمات الغلو التسرع في إصدار الأحكام، والقفز إلى الاستنتاجات دون تمحيص أو تدبر، والاندفاع في إثارة الفتن والقلاقل في المجتمع. فهم لا يراعون المصالح والمفاسد، ولا يدركون عواقب أفعالهم الوخيمة، بل يظنون أنهم يحققون مراد الله بتصرفاتهم المتهورة التي غالبًا ما تؤدي إلى سفك الدماء وانتهاك الحرمات. وهذا ما حذر منه القرآن الكريم والسنة النبوية، التي دعت إلى التثبت والتأني والحكمة في معالجة الأمور، خاصة تلك التي تتعلق بأمن الأمة واستقرارها ووحدتها.

الإسلام بريء من الغلو والتطرف: دين الرحمة واليسر

إن من يتأمل نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، يدرك يقينًا أن الإسلام بريء من ظاهرة الغلو والتطرف، وأنه دين رحمة ويسر واعتدال، جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، لا ليزيدهم عسراً وشقاءً.

نصوص القرآن والسنة في ذم الغلو وبيان اليسر

لقد جاءت نصوص كثيرة في القرآن والسنة تذم الغلو وتحذر منه، وتؤكد على أن أساس هذا الدين هو اليسر والسماحة. فالله تعالى يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ويقول سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وهذه الآيات تؤكد أن أساس هذا الدين هو التيسير ورفع الحرج، لا التعسير والتشدد، وأن الله لم يكلفنا ما لا نطيق. بل إن الله تعالى يصف نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. فكيف يكون دين الرحمة دينًا للشدة والتطرف؟

والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» (صحيح البخاري، ٣٩). وهذا الحديث نبوي عظيم، يبين أن من يشدد على نفسه في الدين، فإن الدين سيغلبه، أي سيعجز عن الاستمرار في هذا التشدد، وقد يؤدي به إلى الانقطاع عن العبادة أو الانحراف عن المنهج الصحيح. وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» (صحيح البخاري، ٦٩). هذه هي القاعدة النبوية الذهبية التي يجب أن نتمسك بها في دعوتنا وفي تعاملنا مع الدين ومع الناس.

سيرة النبي ﷺ وصحابته الكرام: قدوة في الاعتدال والرحمة

كانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم خير مثال على الوسطية والاعتدال والرحمة. فقد كان رحيمًا بأمته، يكره المشقة عليهم، ويوجههم إلى ما فيه صلاحهم وتوازنهم. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: لزينب تصلي، فإذا فترت تعلقت به. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد» (صحيح البخاري، ١١٥٠). وهذا يدل على رفضه صلى الله عليه وسلم للمبالغة في العبادة التي تؤدي إلى الملل أو الانقطاع، وتجاوز حدود الطاقة البشرية.

وكذلك الصحابة الكرام، كانوا على هذا المنهج القويم، لم يعرفوا الغلو والتطرف، بل كانوا دعاة رحمة وحكمة، يطبقون الدين بفهم ووعي، ويوازنون بين حقوق الله وحقوق العباد. وقد سار على هذا النهج علماء الأمة الأجلاء عبر العصور، من أئمة المذاهب الأربعة إلى علماء الأزهر الشريف، الذين حملوا لواء الوسطية والاعتدال، ومنهم في عصرنا الحاضر الشيخ محمد نبيه، الذي يدعو دائمًا إلى الفهم الصحيح للإسلام، بعيدًا عن أي غلو أو تفريط، مؤكدًا على أن قوة الإسلام في اعتداله وشموليته.

سبل مواجهة ظاهرة الغلو وتحصين الشباب: مسؤولية الجميع

إن مواجهة ظاهرة الغلو والتطرف تتطلب جهودًا متكاملة ومستمرة، من الأفراد والمؤسسات والدول، لتحصين الشباب وحماية المجتمع من هذه الآفة المدمرة. إنها معركة فكرية وتربوية واجتماعية، تتطلب تضافر كل الجهود.

نشر العلم الشرعي الصحيح والفهم العميق للدين

إن أول وأهم سبيل لمواجهة الغلو هو نشر العلم الشرعي الصحيح، المبني على فهم عميق للقرآن والسنة، وعلى منهج أهل السنة والجماعة، بعيدًا عن التأويلات الفاسدة والتفسيرات المغلوطة التي يروج لها المتطرفون. يجب أن يكون هذا العلم متاحًا للجميع، وأن يُقدم بأسلوب جذاب ومقنع، يراعي عقول الشباب وتساؤلاتهم المشروعة، ويجيب على شبهاتهم بحجة وبرهان. وهذا يتطلب تفعيل دور المؤسسات التعليمية والدعوية، وتأهيل العلماء والدعاة ليكونوا قادرين على مخاطبة الشباب بلغتهم، وإزالة الشبهات التي قد تعلق بأذهانهم، وتقديم النموذج العملي للتدين الوسطي.

تعزيز قيم الوسطية والتسامح وقبول الآخر

يجب أن نعمل على تعزيز قيم الوسطية والتسامح والاعتدال في المجتمع، وأن نربي أبناءنا على قبول الآخر واحترام الاختلاف في الرأي والاجتهاد، وعلى الحوار البناء بدلاً من الإقصاء والتكفير. فالإسلام دين يدعو إلى التعايش السلمي، وإلى مد جسور التواصل مع الجميع، مسلمين وغير مسلمين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. هذا التعارف هو أساس التفاهم والتعاون، وليس أساس النزاع والشقاق. يجب أن نُظهر للعالم أن الإسلام دين سلام ومحبة، وأن المسلمين قادرون على التعايش مع الجميع في وئام واحترام متبادل.

معالجة الأسباب الجذرية للتطرف واليأس

لا يمكن مواجهة الغلو بفاعلية دون معالجة الأسباب الجذرية التي تدفع إليه. وهذا يشمل معالجة مشكلات الفقر والبطالة والجهل، وتوفير فرص التعليم والعمل الكريم للشباب، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإشاعة الأمل في المستقبل، وفتح أبواب المشاركة الإيجابية أمامهم. فالمجتمعات التي يسود فيها العدل والرخاء، ويشعر فيها الأفراد بقيمتهم وكرامتهم، وتُحترم فيها حقوقهم، تكون أقل عرضة لانتشار الأفكار المتطرفة التي تستغل اليأس والإحباط.

دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية

للأسرة دور محوري وأساسي في تحصين الأبناء من الغلو، وذلك بتربيتهم على حب الدين والفهم الصحيح له، وغرس قيم الاعتدال والتسامح في نفوسهم، ومراقبة ما يتعرضون له من أفكار عبر وسائل الإعلام والإنترنت، والحوار معهم بصراحة وشفافية. كما أن للمؤسسات التعليمية دورًا كبيرًا في تقديم مناهج تعليمية تعزز الفكر الوسطي، وتنمي التفكير النقدي لدى الطلاب، وتحميهم من الانجراف وراء الأفكار الهدامة. وللإعلام كذلك مسؤولية عظيمة في تقديم خطاب إعلامي متوازن، يسلط الضوء على جمال الإسلام ووسطيته، ويكشف زيف دعاوى المتطرفين.

خاتمة ودعاء

يا عباد الله، إن ظاهرة الغلو والتطرف آفة خطيرة تهدد أمن مجتمعاتنا واستقرارها، وتُشوه صورة ديننا الحنيف، وتُبعد الناس عنه. وقد بينا أن ليس كل متطرف متدينًا، بل إن التدين الحق هو الوسطية والاعتدال والرحمة، وهو اتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم في اليسر والسماحة. فليكن شعارنا دائمًا: “لا غلو ولا تفريط”، ولنتمسك بمنهج نبينا صلى الله عليه وسلم في اليسر والسماحة، ولنكن دعاة خير وهداية، نحصن أنفسنا وأولادنا وشبابنا بالعلم الشرعي الصحيح، وبالقيم الإسلامية الأصيلة التي تدعو إلى التسامح والتعايش، ونكون خير أمة أخرجت للناس.

نسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء ومكروه، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك، حربًا لأعدائك، نحب بحبك من أحببت، ونعادي بعداوتك من عاديت. اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وفك أسرانا، وانصرنا على من عادانا.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وأقم الصلاة.

مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top