استكشف مفهوم الصبر والاحتساب في الإسلام عند مواجهة البلاء، وكيف يمثل منهجًا نبويًا لتهذيب النفس وتقوية الإيمان.

مقدمة: حقيقة الابتلاء في حياة المسلم
تُعد الحياة الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وليست دار قرار أو خلود. هذه حقيقة أزلية أقرها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وهي جوهر الفهم الإسلامي لوجود الإنسان على هذه الأرض. فما من إنسان إلا ويُصيبه نصيب من الابتلاء، سواء كان في صحته، أو ماله، أو أهله، أو حتى في نفسه. والمسلم الحق هو من يدرك هذه الحقيقة، ويستقبل أقدار الله بالصبر الجميل والاحتساب الخالص، محولًا المحنة إلى منحة، والبلاء إلى قربة وطاعة.
إن الصبر والاحتساب ليسا مجرد رد فعل سلبي تجاه المصائب، بل هما منهج حياة متكامل، وفلسفة عميقة تنبع من صميم العقيدة الإسلامية، وتُشكل ركيزة أساسية في بناء شخصية المسلم المتوازنة الواثقة بقضاء الله وقدره. وفي هذا المقال، سنتعمق في فهم هذين المفهومين الجليلين، ونستكشف أبعادهما، وأنواعهما، وثمراتهما العظيمة، مستنيرين بهدي القرآن والسنة، ومستفيدين من الرؤية الأزهرية المعتدلة التي يمثلها الشيخ محمد نبيه في دعوته إلى الفهم الصحيح للدين.
الابتلاء سنة كونية لا مفر منها
يُخطئ من يظن أن الحياة ستخلو من المنغصات والشدائد. فالابتلاء سنة إلهية ثابتة، وقانون كوني لا يتخلف، يطال جميع البشر على اختلاف أديانهم ومشاربهم. وقد نص القرآن الكريم على هذه الحقيقة في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ١٥٥). هذه الآية الكريمة ترسم خريطة واضحة لمشاق الحياة، وتُبين أن الابتلاءات متنوعة، تشمل الجانب النفسي (الخوف)، والاقتصادي (الجوع ونقص الأموال)، والاجتماعي (نقص الأنفس)، والزراعي (نقص الثمرات). وهذا التنوع يؤكد شمولية الابتلاء، وأنه جزء لا يتجزأ من طبيعة هذه الدنيا.
الحكمة من الابتلاء
إن الله سبحانه وتعالى لا يُقدر شيئًا إلا لحكمة بالغة، وإن خفيت عنا. والابتلاءات ليست عقابًا دائمًا، بل هي في غالبها اختبار وتهذيب وتربية. ومن أبرز حكم الابتلاء:
- تكفير السيئات ورفع الدرجات: الابتلاء يمحو الذنوب والخطايا، ويرفع منزلة العبد عند ربه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (البخاري ومسلم).
- تمحيص الإيمان وتمييز الصادق من الكاذب: الابتلاء يكشف معادن الناس، ويُظهر صدق إيمانهم ويقينهم. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: ٢).
- العودة إلى الله والتضرع إليه: كثيرًا ما تُقسي الرخاء القلوب، فيكون البلاء سببًا لعودة العبد إلى خالقه، والتضرع إليه بالدعاء والرجاء.
- تذكير العبد بضعفه وحاجته إلى ربه: مهما بلغ الإنسان من قوة أو غنى، يظل ضعيفًا محتاجًا إلى عون الله وتوفيقه.
- الشعور بنعم الله وتقديرها: بعد الشدة، تزداد قيمة النعم التي كانت تُعد من المسلّمات.
مفهوم الصبر في الإسلام: أبعاده وأنواعه
الصبر من أجلّ الأخلاق وأعظمها، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في أكثر من تسعين موضعًا، مما يدل على مكانته العظيمة في الدين الإسلامي. وهو ليس مجرد تحمل سلبي، بل هو قوة نفسية وعزيمة قلبية تدفع المسلم لمواجهة الشدائد بثبات ويقين.
الصبر لغة واصطلاحًا
لغةً: الصبر يعني الحبس والمنع. يقال: صَبَرْتُ نفسي على كذا، أي حبستها ومنعتها. ومنه سمي الصبر صبرًا؛ لأنه يحبس النفس عن الجزع واللسان عن الشكوى والجوارح عن التسخط.
اصطلاحًا: هو حبس النفس عن الجزع والهلع، واللسان عن الشكوى والتسخط، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما، عند نزول البلاء، مع الرضا بقضاء الله وقدره، وابتغاء الأجر منه سبحانه وتعالى.
أنواع الصبر ومجالاته
الصبر في الإسلام ليس نوعًا واحدًا، بل يتفرع إلى أنواع ومجالات متعددة تشمل جوانب الحياة كلها:
الصبر على الطاعات
وهو تحمل المشقة في أداء العبادات والفرائض، والمداومة عليها. فالصلاة تحتاج إلى صبر على القيام والركوع والسجود والخشوع. والصيام يحتاج إلى صبر عن الشهوات والمفطرات. والحج يحتاج إلى صبر على السفر والزحام والتعب. والجهاد يحتاج إلى صبر على مواجهة الأعداء وتضحية بالنفس والمال. وهذا النوع من الصبر دليل على قوة الإيمان وصدق العزيمة.
الصبر عن المعاصي
وهو حبس النفس ومنعها عن ارتكاب المحرمات والوقوع في الشبهات، رغم وجود الدوافع والرغبات. وهذا يتطلب جهادًا عظيمًا للنفس، ومقاومة لوساوس الشيطان، وتذكرًا لعقاب الله وثوابه. فالصبر عن الغيبة والنميمة، والصبر عن النظر إلى المحرمات، والصبر عن أكل المال الحرام، كلها أمثلة لهذا النوع من الصبر الذي يُعد من أرفع درجات التقوى.
الصبر على أقدار الله المؤلمة
وهو النوع الذي يركز عليه مقالنا هذا. وهو تحمل المصائب والشدائد التي تُصيب الإنسان في ماله، أو ولده، أو صحته، أو أي جانب من جوانب حياته، دون جزع أو تسخط أو اعتراض على قضاء الله. وهذا النوع من الصبر هو الذي يُميز المؤمن الحق، ويُظهر قوة توكله ويقينه بالله. فالصبر على المرض، والصبر على فقد الأحبة، والصبر على الفقر والحرمان، كلها اختبارات عظيمة يُمتحن بها العبد.
الاحتساب: جوهر الرضا وعمق اليقين
لا يكتمل الصبر إلا بالاحتساب. فالصبر قد يكون مجرد تحمل قهري، أما الاحتساب فهو إضافة نية طلب الأجر والثواب من الله تعالى على هذا الصبر. إنه تحويل للمحنة من مجرد ألم إلى فرصة لكسب الحسنات ورفع الدرجات.
معنى الاحتساب وأهميته
الاحتساب لغةً: مشتق من الحسبان، وهو العدّ. فالمحتسب هو من يطلب الأجر ويعده عند الله.
اصطلاحًا: هو طلب الأجر والثواب من الله تعالى على ما يصيب العبد من بلاء أو مصيبة، أو على ما يقوم به من طاعة، مع الرضا بقضاء الله وتسليم الأمر إليه. فالاحتساب يُضفي على الصبر بُعدًا إيمانيًا عميقًا، ويُحوّل الألم إلى عبادة. إنه يمنح المصيبة معنى وهدفًا، ويجعل العبد ينظر إليها بعين الرضا لا بعين السخط.
تكمن أهمية الاحتساب في أنه يُقوي الصلة بين العبد وربه، ويُعلمه أن كل ما يقع في الكون هو بتقدير الله وعلمه، وأن وراء كل بلاء حكمة، وأن الأجر عند الله عظيم للمحتسبين. وهذا ما يُعطي النفس سكينة وطمأنينة لا يجدها من يجزع ويتسخط.
الاحتساب في القرآن والسنة
ورد مفهوم الاحتساب في نصوص كثيرة من القرآن والسنة، مؤكدًا على قيمته العظيمة. قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (المزمل: ٢٠). وهذا يشمل كل خير، ومنه الصبر على البلاء بنية طلب الأجر.
وفي السنة النبوية، نجد أحاديث كثيرة تربط بين العمل الصالح والاحتساب لنيل المغفرة والأجر. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه). وهذا المبدأ لا يقتصر على الصيام، بل يشمل كل عمل صالح وكل مصيبة يُصبر عليها بنية الاحتساب. فمن فقد ولده وصبر واحتسب، كان له الأجر العظيم. ومن مرض وصبر واحتسب، كُفرت خطاياه ورُفعت درجاته.
ثمرات الصبر والاحتساب في الدنيا والآخرة
الصبر والاحتساب ليسا مجرد مفاهيم نظرية، بل هما طريق عملي يُثمر خيرًا عظيمًا في الدنيا والآخرة. ومن أبرز هذه الثمرات:
السكينة والطمأنينة النفسية
المؤمن الصابر المحتسب يجد في قلبه سكينة وطمأنينة لا يجدها غيره. فهو يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأمر كله بيد الله. وهذا اليقين يُزيل عنه هموم الدنيا ومخاوفها، ويُشعره بالرضا بقضاء الله، مما يُورثه راحة نفسية عظيمة. وقد أكد الشيخ محمد نبيه في دروسه على أن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي إلا من خلال التسليم المطلق لله والرضا بما قدر وقضى.
تكفير السيئات ورفع الدرجات
كما ذكرنا سابقًا، الابتلاءات التي تُصيب المؤمن وتُقابل بالصبر والاحتساب هي وسيلة لتكفير الذنوب والخطايا، حتى لو كانت صغيرة. وكلما عظمت المصيبة وعظم الصبر عليها، عظم الأجر وارتفعت الدرجات عند الله تعالى. وهذا يُعطي المسلم دافعًا قويًا لاستقبال البلاء بروح إيجابية، لأنه يرى فيه فرصة للتطهير والترقي.
محبة الله ومعيته
الصبر من الصفات التي يُحبها الله سبحانه وتعالى في عباده. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٦). ومحبة الله للعبد تعني توفيقه وتسديده، ومعيته له في كل أحواله. فمن كان الله معه، فماذا يخشى؟ ومن كان الله ضده، فماذا يرجو؟
الفوز بالجنة والنجاة من النار
الجنة هي دار الصابرين المحتسبين. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠). وهذا الأجر العظيم الذي لا يُحصى ولا يُعد، هو دليل على عظم منزلة الصابرين عند ربهم. فالصبر مفتاح الجنة، وهو من أعظم أسباب النجاة من عذاب النار.
منهج الشيخ محمد نبيه في التعامل مع البلاء
يُقدم الشيخ محمد نبيه في دعوته ومنهجه الأزهرى الأصيل رؤية متكاملة للتعامل مع البلاء، ترتكز على أسس شرعية ونفسية عميقة، وتُعين المسلم على تجاوز المحن بقوة وثبات:
التوكل على الله وحسن الظن به
يُشدد الشيخ على أن أول خطوة في مواجهة البلاء هي التوكل الصادق على الله، مع الأخذ بالأسباب. فالتوكل ليس تواكلاً، بل هو ثقة مطلقة بأن الله هو المدبر، وأنه لن يُصيبنا إلا ما كتب لنا، وأن كل ما يأتيه من خير أو شر هو لحكمة. وحسن الظن بالله يعني اليقين بأن الله لا يُريد بعبده إلا الخير، حتى لو بدا الأمر شرًا في الظاهر.
الدعاء والتضرع
الدعاء هو سلاح المؤمن، وهو مفتاح كل خير. يُعلمنا الشيخ محمد نبيه أن نُكثر من الدعاء والتضرع إلى الله عند نزول البلاء، فالدعاء يُغير القضاء، ويُخفف البلاء، ويُجلب العون والمدد من الله. وهو تعبير عن العبودية المطلقة لله، والاعتراف بضعف العبد وحاجته إلى خالقه.
التفكير الإيجابي والتعلم من المحن
يدعو الشيخ إلى تحويل النظرة السلبية إلى البلاء إلى نظرة إيجابية. فكل محنة تحمل في طياتها منحة، وكل شدة تُخفي درسًا. يجب على المسلم أن يُفكر في الجوانب الإيجابية للابتلاء، مثل تكفير الذنوب، ورفع الدرجات، والتعلم من الأخطاء، وتقوية الإيمان، واكتشاف قدرات لم يكن يعلمها في نفسه. فالبلاء يُمكن أن يكون فرصة للنمو الروحي والشخصي.
قصص من السيرة النبوية وحياة الصالحين
تزخر السيرة النبوية وحياة الأنبياء والصالحين بالعديد من النماذج المضيئة للصبر والاحتساب عند البلاء، والتي تُعد قدوة لنا في مواجهة تحديات الحياة.
صبر الأنبياء
- نبي الله أيوب عليه السلام: يُعد أيوب عليه السلام رمزًا للصبر المطلق. فقد ابتلاه الله في ماله وولده وصحته، ففقد كل شيء، وبقي صابرًا محتسبًا، لم يجزع ولم يتسخط، حتى ضرب به المثل في الصبر. ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص: ٤٤).
- نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: تعرض النبي صلى الله عليه وسلم لأشد أنواع الابتلاءات، من فقد الأحبة (زوجته خديجة وعمه أبي طالب)، إلى الأذى الجسدي والمعنوي من قومه في مكة، ورميه بالحجارة في الطائف، ومحاولات قتله. ومع كل ذلك، كان صلى الله عليه وسلم أشد الناس صبرًا واحتسابًا، ثابتًا على دعوته، واثقًا بنصر الله.
صبر الصحابة والتابعين
- آل ياسر: كانوا من أوائل من أسلموا وعُذبوا أشد العذاب في مكة. قُتلت سمية رضي الله عنها، وهي أول شهيدة في الإسلام، وقُتل زوجها ياسر، وصبر ابنهما عمار. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بهم ويقول: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة» (الحاكم).
- بلال بن رباح رضي الله عنه: عُذب عذابًا شديدًا ليرجع عن دينه، فكان يقول: “أحد أحد”، صابرًا محتسبًا، حتى صار رمزًا للصبر والثبات.
هذه القصص وغيرها تُعلمنا أن الصبر والاحتساب ليسا خيارًا، بل هما ضرورة إيمانية، وأن عاقبة الصبر دائمًا حميدة.
خاتمة: دعوة إلى التمسك بالصبر والاحتساب
في ختام هذا المقال، نُدرك أن الصبر والاحتساب عند البلاء ليسا مجرد فضيلتين، بل هما ركيزتان أساسيتان في بناء شخصية المسلم المتوازنة، ومفتاح السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة. فالحياة لا تخلو من الابتلاء، ولكن المؤمن الحق هو من يستقبل هذه الابتلاءات بروح الرضا والتسليم، محولًا إياها إلى فرص للتقرب إلى الله، وتكفير الذنوب، ورفع الدرجات.
فلنتعلم من هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، ومن توجيهات علمائنا الأجلاء كـ الشيخ محمد نبيه، كيف نُقوي عزيمتنا، ونُثبت قلوبنا، ونُحسن الظن بربنا، وأن نُكثر من الدعاء والاستغفار، وأن نُدرك أن بعد العسر يسرًا، وأن مع الصبر نصرًا. فمن صبر واحتسب، فاز بخيري الدنيا والآخرة، وكان من أولئك الذين يُوفون أجرهم بغير حساب.
اللهم اجعلنا من الصابرين المحتسبين، الراضين بقضائك وقدرك، يا أرحم الراحمين.

