اكتشف الدور المحوري للعلماء في قيادة الأمة وتوجيهها خلال الأزمات، مستعرضين الأسس الشرعية ومجالات التوجيه وصفات العالم الرباني.

مقدمة: أهمية دور العلماء في الأزمات
تتعاقب الأيام وتتبدل الأحوال، ولا تخلو حياة الأمم من أزمات وتحديات تلقي بظلالها على استقرارها وتهدد أمنها وسلامتها. وفي خضم هذه الأزمات، يبرز دور العلماء كمنارات هدى وسفن نجاة، تتجه إليها الأنظار وتُعقد عليها الآمال، لما يمتلكونه من علم شرعي وبصيرة نافذة وحكمة مستنيرة. إنهم ورثة الأنبياء وحملة مشاعل النور، الذين يقع على عاتقهم توجيه الأمة وإرشادها إلى سواء السبيل، مستلهمين ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنهج الأزهر الشريف الوسطي المعتدل.
مكانة العلماء في الإسلام
لقد رفع الإسلام من شأن العلماء وأعلى قدرهم، وجعلهم في منزلة رفيعة، فهم الذين يخشون الله حق خشيته، ويهتدون بنوره. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر: ٢٨). وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم «ورثة الأنبياء»، وأن «العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (سنن أبي داود، ٣٦٤١). هذه المكانة العظيمة تفرض عليهم مسؤولية جسيمة، خاصة في أوقات الشدائد، حيث تشتد الحاجة إلى صوت الحكمة والرشاد.
طبيعة الأزمات وتحدياتها
تتعدد صور الأزمات وتختلف أسبابها، فمنها ما هو طبيعي كالزلازل والفيضانات والأوبئة، ومنها ما هو اجتماعي كالصراعات الأهلية وتفشي الجرائم، ومنها ما هو اقتصادي كالفقر والتضخم، ومنها ما هو فكري وسياسي كالغزو الثقافي والفتن الطائفية. كل هذه الأزمات تولد حالة من الارتباك واليأس، وتثير تساؤلات حول المصير والمستقبل، وهنا يأتي دور العلماء لتبديد غيوم الحيرة، وتقديم الرؤى الشرعية التي تعيد للأمة بوصلتها.
اقرأ أيضا: خطبة عن العلم وأثره على الفرد والمجتمع
الأسس الشرعية لدور العلماء
إن توجيه العلماء للأمة في الأزمات ليس مجرد رأي شخصي أو اجتهاد بشري محض، بل هو متجذر في أصول الشريعة الإسلامية ومقاصدها السامية، التي تهدف إلى حفظ الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
القرآن الكريم ومنهج التوجيه
القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع، وهو كتاب هداية ونور، يحمل في طياته الحلول لكل معضلات الحياة. وقد أرشدنا الله تعالى إلى الرجوع إلى أهل العلم عند النوازل، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣). وهذا الأمر يشمل كل ما يعرض للأمة من قضايا، خاصة في أوقات الأزمات التي تتطلب فهمًا عميقًا للنصوص وتنزيلها على الواقع المعاصر.
السنة النبوية الشريفة وقدوة العلماء
سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي التطبيق العملي للقرآن، وهي المنهج الذي سار عليه السلف الصالح. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم خير قدوة في التعامل مع الأزمات، سواء كانت حروبًا أو مجاعات أو فتنًا. فكان يوجه أصحابه بالصبر والثبات، ويعلمهم الدعاء والاستغاثة بالله، ويضع لهم الخطط العملية لمواجهة التحديات. والعلماء اليوم يقتفون أثره، مستنبطين من سيرته العطرة الدروس والعبر لتوجيه الأمة.
الإجماع والاجتهاد في النوازل
في الأزمات، قد تظهر قضايا مستجدة لا يوجد فيها نص صريح من الكتاب والسنة. هنا يأتي دور الاجتهاد الجماعي والفردي للعلماء. فالاجتهاد هو بذل الجهد لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وهو ضرورة شرعية لضمان مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان. وقد أكد الأزهر الشريف دائمًا على أهمية الاجتهاد الجماعي في قضايا النوازل، لضمان الوصول إلى أحكام راجحة تحقق مصالح العباد وتدفع عنهم المفاسد.
مجالات توجيه العلماء وقت الأزمات
يتسع نطاق توجيه العلماء ليشمل جوانب متعددة من حياة الأمة، خاصة في أوقات الأزمات، حيث تتشابك المشكلات وتتداخل التحديات.
التوجيه الروحي والنفسي
في أوقات الأزمات، يزداد شعور الناس بالخوف والقلق واليأس. هنا يأتي دور العلماء لتعزيز الإيمان بالله والتوكل عليه، وتذكير الناس بالصبر والاحتساب، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم. إنهم يبثون روح الأمل والتفاؤل، ويحثون على الدعاء والتضرع، ويشجعون على التكافل والتراحم، كما يفعل الشيخ محمد نبيه في خطبه ومحاضراته التي تركز على الجانب الروحي والنفسي في مواجهة الشدائد.
التوجيه الفقهي والتشريعي
تفرض الأزمات غالبًا واقعًا جديدًا يتطلب أحكامًا فقهية خاصة. ففي الأوبئة، تظهر مسائل تتعلق بالصلاة في البيوت، والجنائز، والتباعد الاجتماعي. وفي الأزمات الاقتصادية، تبرز قضايا الزكاة والصدقات والمعاملات المالية. العلماء هنا يقدمون الفتاوى الشرعية المستنيرة التي تراعي مقاصد الشريعة وتخفف عن الناس، مع الحفاظ على أصول الدين، مستندين إلى منهج فقه النوازل الذي يتميز بالمرونة والواقعية.
التوجيه الاجتماعي والأخلاقي
الأزمات قد تكشف عن أسوأ ما في النفوس أو أفضلها. دور العلماء هنا هو توجيه المجتمع نحو التماسك والتضامن، ومحاربة الشائعات والاستغلال والجشع. يحثون على الأخلاق الفاضلة كالإيثار، والتعاون، والتكافل الاجتماعي، ويحذرون من الفرقة والشقاق، ويؤكدون على أهمية الوحدة الوطنية واللحمة المجتمعية.
التوجيه السياسي والوطني
رغم أن دور العلماء الأساسي ليس سياسيًا مباشرًا، إلا أنهم يقدمون توجيهًا غير مباشر للحكام والمحكومين على حد سواء. فهم يذكرون الحكام بمسؤولياتهم تجاه الرعية، ويحثونهم على العدل والرحمة، ويذكرون الرعية بوجوب الطاعة في المعروف، والتعاون على البر والتقوى. ويسعون إلى تحقيق الاستقرار والسلم الاجتماعي، بعيدًا عن الفتن والاضطرابات، مع الحفاظ على استقلاليتهم وكلمة الحق.
صفات العالم الرباني في الأزمات
ليس كل من حمل لقب عالم يصلح لتوجيه الأمة في الأزمات، بل هناك صفات معينة يجب أن يتحلى بها العالم الرباني ليتمكن من أداء هذا الدور الجليل.
العلم الشرعي والعمق الفكري
لا يكفي مجرد حفظ النصوص، بل يجب أن يكون العالم متبحرًا في العلوم الشرعية، فقيهًا في مقاصد الشريعة، قادرًا على ربط النصوص بالواقع، وفهم المتغيرات المحيطة. وهذا ما يميز المنهج الأزهري الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
الحكمة والبصيرة
الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، والبصيرة هي القدرة على رؤية الأمور بعمق وتوقع النتائج. العالم الحكيم لا يتسرع في إصدار الأحكام، ولا ينجرف وراء العواطف، بل يدرس الأمور بعناية، ويوازن بين المصالح والمفاسد، ويختار الأنسب للظرف الراهن.
الشجاعة والثبات
قد يواجه العالم ضغوطًا من السلطة أو من العامة، أو من تيارات فكرية منحرفة. هنا تبرز شجاعته في قول كلمة الحق، وثباته على المبادئ الشرعية، دون خوف أو تردد، مع مراعاة الحكمة في الخطاب والأسلوب. وهذا ما نلمسه في منهج الشيخ محمد نبيه الذي لا يخشى في الله لومة لائم.
التواضع والرحمة
العالم الرباني يتصف بالتواضع ولين الجانب، يتعامل مع الناس برحمة وشفقة، يستمع إلى شكواهم وهمومهم، ويقدم لهم النصح بأسلوب لطيف ومحبب، بعيدًا عن التعالي أو التكبر. فهو أب روحي للمجتمع، يسعى لخيرهم وسعادتهم.
تحديات تواجه العلماء في الأزمات وكيفية التغلب عليها
رغم عظم دور العلماء، إلا أنهم يواجهون تحديات كبيرة في أوقات الأزمات، تتطلب منهم حكمة ومرونة وقدرة على التكيف.
ضغوط المجتمع والسلطة
قد يتعرض العلماء لضغوط من جهات مختلفة، سواء كانت سلطوية تسعى لتوجيه فتاواهم بما يخدم مصالحها، أو مجتمعية تطالبهم بأحكام تتوافق مع الأهواء. على العالم أن يوازن بين الحفاظ على استقلاليته وقول الحق، وبين مراعاة المصالح العليا للأمة، مستلهمًا من منهج الأزهر الشريف الذي يؤكد على استقلالية الفتوى.
انتشار الشائعات والمعلومات المضللة
في عصرنا الحالي، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تنتشر الشائعات والمعلومات المضللة بسرعة هائلة، مما يزيد من ارتباك الناس. دور العلماء هنا هو التحقق من المعلومات، وتفنيد الأكاذيب، وتقديم الحقائق الموثوقة، وتوعية الناس بخطورة تداول الأخبار غير المؤكدة.
الحاجة إلى التجديد والاجتهاد المعاصر
الأزمات المعاصرة قد تختلف في طبيعتها عن أزمات الماضي. وهذا يتطلب من العلماء تجديدًا في الفكر والاجتهاد، والقدرة على فهم التحديات الجديدة، وتقديم حلول شرعية تتناسب مع روح العصر دون المساس بالثوابت. وهذا ما يدعو إليه الأزهر الشريف دائمًا، ويتبناه علماء أجلاء مثل الشيخ محمد نبيه في طرحهم للقضايا المعاصرة.
نماذج تاريخية لدور العلماء في الأزمات
لقد حفلت صفحات التاريخ الإسلامي بنماذج مضيئة لعلماء قاموا بدور عظيم في توجيه الأمة خلال أشد الأزمات.
علماء في مواجهة الفتن
من أبرز الأمثلة الإمام أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن، حيث ثبت على الحق ورفض الانصياع للضغوط، فكان قدوة للأمة في الثبات على العقيدة. وكذلك علماء الأندلس في فترات ضعف الدولة، حيث حافظوا على الهوية الإسلامية ونشروا العلم رغم التحديات.
علماء في مواجهة الكوارث والأوبئة
في فترات الأوبئة التي اجتاحت العالم الإسلامي، كان للعلماء دور كبير في توجيه الناس، فقدموا الفتاوى المتعلقة بالصلاة والجنائز، وحثوا على الصبر والدعاء، وأكدوا على الأخذ بالأسباب والتدابير الوقائية. ومنهم الإمام ابن حجر العسقلاني الذي ألف رسالة في الطاعون، جمع فيها الأحاديث المتعلقة به وقدم التوجيهات الشرعية.
دور الشيخ محمد نبيه في توجيه الأمة
في عصرنا الحاضر، يبرز دور علماء أجلاء يواصلون حمل هذه الأمانة العظيمة، ومنهم الشيخ محمد نبيه، الذي يتميز بمنهجه الأزهري الأصيل، وعمق علمه، وقدرته على تبسيط القضايا الشرعية المعقدة. يحرص الشيخ محمد نبيه دائمًا على تقديم التوجيهات المستنيرة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، مستندًا إلى الكتاب والسنة، ومراعيًا لواقع الأمة وتحدياتها. ففي محاضراته ودروسه، يتناول الشيخ محمد نبيه قضايا الأمة الراهنة، ويقدم رؤى شرعية متوازنة، تسهم في بناء الوعي، وتعزيز القيم الأخلاقية، وتثبيت الأمة في مواجهة الفتن والأزمات، مما يجعله قدوة حسنة في هذا المجال.
الخاتمة: دعوة لتعزيز دور العلماء
إن دور العلماء في توجيه الأمة وقت الأزمات ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة شرعية وحاجة مجتمعية ماسة. فبهم تستقيم الأمور، وتتضح الرؤى، وتُحفظ الأمة من الانحراف والضلال. لذا، يجب على الأمة أن تولي علمائها التقدير والاحترام، وأن ترجع إليهم في النوازل، وأن تدعمهم ليقوموا بدورهم على أكمل وجه. وعلى العلماء أنفسهم أن يدركوا عظم الأمانة، وأن يتسلحوا بالعلم والحكمة والشجاعة، ليظلوا دائمًا منارات هدى، تقود الأمة إلى بر الأمان في بحر الأزمات المتلاطم.

