استكشف جمال وكمال شمائل النبي صلى الله عليه وسلم من خلال شرح مفصل لكتاب الترمذي، يقدمه الشيخ محمد نبيه بمنهج أزهري أصيل. تعرف على أخلاقه وصفاته الشريفة وتأثيرها في حياتنا.

مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
إنَّ من أجلِّ القربات وأعظم الطاعات، وأجلِّ ما تتنافس فيه النفوس وتتسابق فيه الهمم، هو التعرف على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والوقوف على شمائله الشريفة، وأوصافه الكريمة، وأخلاقه العظيمة. فلقد بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، وقدوة حسنة للعاملين، وسراجًا منيرًا للسالكين.
وقد أولى علماء الأمة، رضوان الله عليهم، عناية فائقة بهذا الجانب العظيم من جوانب السيرة النبوية المطهرة، وجمعوا في ذلك مصنفات جليلة، كان من أبرزها وأشهرها وأكثرها قبولًا كتاب “الشمائل المحمدية” للإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، رحمه الله تعالى. هذا الكتاب الذي غاص في بحار الكمال النبوي، واستخرج درر الأوصاف المحمدية، ليقدم لنا صورة حية، ناطقة، مفعمة بالجمال والجلال، عن شخصية خير البرية صلى الله عليه وسلم.
ولقد كان الأزهر الشريف، على مر العصور، منارًا للعلم والمعرفة، ومنبعًا لعلوم الشريعة الغراء، ومنهجًا وسطيًا أصيلًا في فهم نصوص الوحيين الشريفين، وفي مقدمتها سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن هذا المنطلق، يأتي هذا الشرح المتواضع لكتاب الشمائل، مستلهمًا روح المنهج الأزهري مع فضيلة الشيخ محمد نبيه الذي يجمع بين أصالة النقل، وعمق الفهم، وجمال الروح، ويسعى لتقديم هذه الشمائل في قالب يربط الماضي بالحاضر، ويوضح الدروس والعبر، ويغرس المحبة والاتباع في القلوب.
إنَّ دراسة الشمائل ليست مجرد قراءة تاريخية أو سرد لأوصاف جسدية، بل هي رحلة روحية، وغوص في أعماق الكمال البشري، وهدفها الأسمى هو تحقيق الاقتداء العملي والتأسي الصادق به صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
مفهوم الشمائل النبوية وأهميتها
المعنى اللغوي والاصطلاحي
كلمة “الشمائل” في اللغة جمع “شمال” أو “شميلة”، وهي تعني الطبائع والخلال والأخلاق الحسنة. وتطلق كذلك على الصفات والأوصاف التي يتصف بها الإنسان، سواء كانت خَلقية (متعلقة بالخِلقة الظاهرية) أو خُلقية (متعلقة بالخُلق الباطني).
أما في الاصطلاح الشرعي، فكتاب الشمائل النبوية يعني: جمع وتصنيف الأحاديث والآثار التي تصف النبي صلى الله عليه وسلم في خَلقه (أي هيئته الظاهرة من جسده ووجهه وشعره ونحو ذلك) وفي خُلقه (أي صفاته الباطنة من حلمه وشجاعته وكرمه وتواضعه وعبادته ومعاملاته)، وكذلك تصف عاداته وأحواله في المأكل والمشرب واللباس والمنام والمشي والجلوس، وكل ما يتعلق بحياته الشريفة.
اقرأ أيضا: تعريف السيرة النبوية لغة واصطلاحا
الفرق بين الشمائل والسيرة ودلائل النبوة
من المهم أن نميز بين الشمائل وغيرها من فنون السيرة النبوية:
- السيرة النبوية: هي التاريخ الكامل لحياة النبي صلى الله عليه وسلم منذ ولادته وحتى وفاته، وتتناول نسبه، مولده، نشأته، بعثته، دعوته، هجرته، غزواته، تشريعاته، وفاته، وكل الأحداث الكبرى في حياته. هي أشمل وأوسع من الشمائل.
- الشمائل النبوية: هي جزء من السيرة، تركز على تفاصيل شخصيته وصفاته وأخلاقه وعاداته، دون الدخول في تفاصيل الأحداث التاريخية الكبرى إلا عرضًا.
- دلائل النبوة: هي الكتب التي تجمع المعجزات والآيات والبراهين التي تثبت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، مثل انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وحنين الجذع، ونحو ذلك. قد تذكر الشمائل بعض هذه الدلائل كخاتم النبوة، لكن التركيز الأساسي لدلائل النبوة هو إثبات النبوة بالآيات الخارقة.
اقرأ أيضا: شرح كتاب السيرة النبوية لابن هشام
أهمية دراسة الشمائل
تكمن أهمية دراسة الشمائل في عدة أمور:
- تعميق المحبة: معرفة تفاصيل حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه الكريمة تزيد من محبته في قلوب المؤمنين، وهذه المحبة ركن من أركان الإيمان، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (متفق عليه).
- تحقيق الاقتداء: الشمائل تقدم لنا نموذجًا عمليًا للاقتداء به صلى الله عليه وسلم في كل تفاصيل حياتنا، من طريقة كلامه ومشيه ونومه وأكله، إلى تعامله مع أهله وأصحابه وأعدائه.
- فهم أعمق للقرآن والسنة: النبي صلى الله عليه وسلم كان قرآنًا يمشي على الأرض، ففهم شمائله وأخلاقه يوضح لنا معاني القرآن والسنة ويجسدها واقعًا عمليًا.
- الرد على المشككين: الأوصاف الدقيقة لشمائله صلى الله عليه وسلم تدحض كل شبهة وتزيح كل شك حول شخصيته العظيمة، وتؤكد أنه كان أكمل البشر وأعظم الخلق.
- تهذيب النفوس: دراسة أخلاقه صلى الله عليه وسلم تدفع المسلم إلى تهذيب نفسه، والتحلي بمكارم الأخلاق، والتخلي عن مساوئها.
اقرأ أيضا: خطبة عن القيم والأخلاق
الإمام الترمذي وكتابه الشمائل
لمحة عن الإمام الترمذي
هو الإمام الحافظ، صاحب السنن، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن الضحاك السلمي الترمذي، ولد بترمذ سنة ٢٠٩ هـ. كان إمامًا حافظًا، متبحرًا في علوم الحديث، رحل في طلب العلم إلى خراسان والعراق والحجاز، وسمع من كبار الأئمة أمثال الإمام البخاري ومسلم وأبي داود وقتيبة بن سعيد وإسحاق بن راهويه وغيرهم.
عرف الإمام الترمذي بذكائه وقوة حفظه، ومن مؤلفاته العظيمة: “الجامع الكبير” المعروف بـ “سنن الترمذي”، وهو أحد الكتب الستة المعتمدة في الحديث، وكتاب “العلل الصغير والكبير”، وكتاب “الزهد”، وكتاب “الأسماء والكنى”، وغير ذلك. وقد توفي رحمه الله سنة ٢٧٩ هـ.
مكانة كتاب الشمائل ومنهجه
يعد كتاب “الشمائل المحمدية” للإمام الترمذي من أشهر الكتب وأجلها التي جمعت أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم. وقد لاقى قبولًا واسعًا بين الأمة، وتلقته الأجيال بالقبول والثناء، وتناوله العلماء بالشرح والتعليق.
منهج الإمام الترمذي في الشمائل:
- التبويب الدقيق: قسم الإمام الترمذي كتابه إلى أبواب وفصول دقيقة، كل باب يتناول جانبًا معينًا من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يسهل على القارئ والدارس تتبع الموضوعات.
- الاقتصار على الصحيح والحسن: التزم الترمذي في الغالب بذكر الأحاديث الصحيحة والحسنة، وإن كان قد أورد بعض الأحاديث الضعيفة أحيانًا، لكنها لا تخل بالمقصود العام للكتاب، وغالبها في فضائل الأعمال أو أمور لا يترتب عليها حكم شرعي.
- الإسناد العالي: حرص على ذكر الأسانيد المتصلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من علو همة المحدثين.
- الاختصار وعدم الإطالة: كان منهجه الاختصار في الألفاظ مع الإيفاء بالمعنى.
لقد وفق الله الإمام الترمذي أيما توفيق في جمع هذا الكتاب الجليل، الذي صار مرجعًا أساسيًا لكل من أراد أن يتعرف على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم في أدق تفاصيل حياته.
منهج الشيخ محمد نبيه في شرح الشمائل
إنَّ منهج الشيخ محمد نبيه في التعامل مع نصوص الشرع، وفي مقدمتها الأحاديث النبوية الشريفة، يقوم على ركائز أساسية تضمن فهمًا سليمًا، وتأصيلًا علميًا، وتهذيبًا روحيًا، وهي:
- الاعتماد على الأصول والثوابت: التأكيد على أصالة السند والمتن، واستخلاص المعاني من كبار شراح الحديث المعتبرين، مع مراعاة قواعد اللغة العربية وأصول الفقه.
- الوسطية والاعتدال: تجنب الغلو والتطرف، سواء في التشدد أو التساهل، وتقديم صورة متوازنة للنبي صلى الله عليه وسلم، تجمع بين البشرية والرسالة، وبين الكمال النبوي والتواضع الإنساني.
- الشمولية والتكامل: النظر إلى الشمائل كجزء لا يتجزأ من منظومة الإسلام الشاملة، وربطها بالقرآن الكريم، ومقاصد الشريعة، والدروس المستفادة من السيرة.
- التربية الروحية والأخلاقية: التركيز على الجانب التربوي والروحي في الشمائل، وكيف يمكن أن تكون هذه الأوصاف محفزًا لتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، والتحلي بالفضائل.
- الربط بالواقع المعاصر: استنباط الدروس والعبر التي يمكن تطبيقها في حياتنا اليومية، وكيفية مواجهة تحديات العصر بالاستلهام من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم.
- التيسير والتبسيط: تقديم الشرح بلغة واضحة ميسرة، تصل إلى القلوب والعقول، دون إخلال بالعمق العلمي.
بهذه المنهجية، نسعى لتقديم شرح يضيء جنبات هذا الكتاب العظيم، ويجعل القارئ يعيش مع النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يراه، ويستلهم من نوره وهديه.
أبواب وموضوعات مختارة من الشمائل النبوية وشرحها
سنتناول في هذا الشرح بعض الأبواب المنتقاة من كتاب الشمائل، لنقف على بعض دررها، ونستلهم من أنوارها.
١. باب ما جاء في صفة خَلق رسول الله صلى الله عليه وسلم
هذا الباب هو فاتحة الكتاب، وهو يصف لنا هيئته الظاهرة صلى الله عليه وسلم. معرفة صفته الجسمانية ليست مجرد فضول، بل هي جزء من إجلاله وتوقيره، وتؤكد كمال خلقه الذي جعله الله تعالى دليلًا على نبوته.
روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون ليس بأبيض أمهق ولا آدم، رجلاً ليس بجعد قطط ولا سبط، يبلغ شعره شحمة أذنيه». وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير».
الشرح: تصف هذه الأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان متوسط القامة (“ربعة”)، وهذا هو أعدل الأوصاف وأكثرها اعتدالًا وجمالًا. وكان “أزهر اللون”، أي مشربًا بحمرة، ليس شديد البياض الذي لا يشوبه شيء (“أبيض أمهق”)، ولا شديد السمرة (“آدم”). وهذا اللون من أجمل الألوان وأكملها. وكان شعره ليس شديد التجعد (“جعد قطط”) ولا شديد الاسترسال (“سبط”)، بل بين ذلك، وهذا أيضًا من علامات الجمال والاعتدال.
إنَّ هذه الأوصاف تدل على كمال خلقته صلى الله عليه وسلم، فقد خلقه الله في أحسن تقويم، وجعله آية في الجمال الظاهر والباطن. وهذا الجمال الظاهر كان يعكس جماله الباطن، فكانت رؤيته صلى الله عليه وسلم تبعث الطمأنينة في النفوس والمهابة في القلوب. والدرس المستفاد هنا أن الله يختار لرسالته من هو كامل في خلقه وخلقه، وأن الجمال الحقيقي يكمن في التوازن والاعتدال.
٢. باب ما جاء في خاتم النبوة
من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم الحسية، خاتم النبوة الذي كان بين كتفيه الشريفتين.
روى الترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «رأيت خاتمًا في ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه بيضة حمامة». وفي رواية أخرى عن السائب بن يزيد: «كان بين كتفيه خاتم النبوة، مثل زر الحجلة».
الشرح: خاتم النبوة كان علامة حسية ظاهرة، عرفها أهل الكتاب من قبل، وكانت من علامات النبوة المذكورة في كتبهم. وصفه الصحابة بأنه كان قطعة لحم بارزة، لونها يميل إلى الحمرة، وفي حجم بيضة الحمامة أو زر الحجلة (وهو بيض الطائر المعروف). هذه العلامة كانت من معجزاته صلى الله عليه وسلم التي لا تخفى، وكانت شاهدًا على صدق رسالته.
إنَّ وجود هذه العلامة المادية يؤكد أن نبوته صلى الله عليه وسلم لم تكن ادعاءً، بل كانت حقيقة ملموسة، شهدتها عيون من رآه. وهذا يعمق إيماننا ويقيننا بصدق رسالته، ويذكرنا أن الله يؤيد أنبياءه بالبراهين الحسية والمعنوية.
٣. باب ما جاء في لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم يلبس ما تيسر من اللباس، وكان يميل إلى البياض، ويحب النظافة والأناقة دون تكلف أو إسراف.
روى الترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص». وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم».
الشرح: كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس القميص (وهو الثوب الذي يغطي الجسد كله، كالجلابية)، وهذا يدل على اعتداله في اللباس، فهو ليس ثوب ترف ولا ثوب تقشف زائد. وحبه للبياض يعكس محبته للنظافة والبساطة، فالبياض أطهر الألوان وأجملها، ويظهر فيه أي وسخ مما يدعو إلى سرعة تنظيفه.
الدروس المستفادة هنا هي:
- البساطة وعدم التكلف: لباس النبي صلى الله عليه وسلم كان بسيطًا، بعيدًا عن الإسراف والتفاخر، مما يعلمنا أن القيمة ليست في غلاء الثوب وزخرفته، بل في نظافته وستر العورة به.
- النظافة والأناقة: كان يحب النظافة ويحث عليها، والمسلم مطالب بأن يكون نظيفًا أنيقًا في مظهره، فهذا من الجمال الذي يحبه الله.
- القدوة الحسنة: كان صلى الله عليه وسلم قدوة في كل شيء، حتى في لباسه، فكان يجمع بين الأناقة والبساطة، وهذا هو المنهج الأزهري في اللباس: الزينة دون إسراف، والنظافة دون تكبر.
٤. باب ما جاء في صفة أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم يأكل بتواضع وشكر، ويشارك الناس طعامهم، ويعلمهم آداب المائدة.
روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان، ولا أكل خبزاً مرققاً حتى مات». وعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: «كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يأكلُ بأصابعِه الثلاثِ ويلعقُهنَّ».
الشرح: هذه الأحاديث تصف لنا تواضعه صلى الله عليه وسلم في مأكله، فلم يكن يطلب أشهى الأطعمة ولا أرقاها، بل كان يرضى بما تيسر. وقول أنس: “ما أكل خبزًا مرققًا” لا يعني التحريم، بل يدل على زهده وتواضعه، وأنه لم يكن يطلب الترفه في الطعام. وكان يأكل بأصابعه الثلاث، وهي عادة العرب في ذلك الوقت، وتدل على التواضع وعدم التكلف.
الدروس المستفادة:
- التواضع والزهد: عدم التكلف في الطعام والشراب، وعدم السعي وراء الكماليات المفرطة.
- الشكر والرضا: شكر الله على نعمه، وعدم عيب الطعام، وتذكر أن هناك من لا يجد ما يأكل.
- الآداب النبوية: التسمية عند البدء، الحمد عند الانتهاء، الأكل باليمين، الأكل مما يلي، كل هذه آداب تربي النفس وتهذبها.
٥. باب ما جاء في صفة شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم يشرب بآداب رفيعة، تعلم الأمة كيفية الشرب الصحيح والمبارك.
روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثًا، ويقول: إنه أروى وأمرأ وأبرأ».
الشرح: التنفس في الشراب ثلاثًا يعني قطع الشرب على ثلاث دفعات، لا دفعة واحدة، مع إبعاد الإناء عن الفم عند التنفس. وهذا من الطب النبوي أيضًا، فإنه أروى (أكثر إشباعًا للظمأ)، وأمرأ (أهنأ وألذ)، وأبرأ (أبعد عن المرض).
الدروس المستفادة:
- الآداب الصحية: الشرب على دفعات يجنب المعدة الصدمة، ويساعد على الهضم.
- الاعتدال والسكينة: الشرب بتأنٍ وهدوء، بعيدًا عن العجلة والاندفاع.
- الشكر والتسمية: التسمية عند البدء والحمد عند الانتهاء من الشراب، ليكون مباركًا.
٦. باب ما جاء في صفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكوته
كان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس وأبلغهم، وكان كلامه جامعًا مانعًا، ينطق بالحكمة، ويسكت عن اللغو، لا يتكلم إلا بخير.
روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بين فصل، يحفظه من جلس إليه».
الشرح: كلامه صلى الله عليه وسلم كان واضحًا، مفصلًا، ليس متتابعًا بسرعة بحيث يصعب فهمه (“يسرد سردكم هذا”)، بل كان كلامه متميزًا بالبيان والإيضاح، بحيث يستطيع السامع حفظه وفهمه. وهذا يدل على بلاغته صلى الله عليه وسلم وحرصه على إيصال المعنى بأفضل صورة.
الدروس المستفادة:
- البلاغة والبيان: الحرص على وضوح الكلام وفصاحته، وإيصال المعنى بأفضل طريقة.
- الحكمة في القول والسكوت: لا يتكلم إلا بخير، ولا يكثر من اللغو، فسكوت العالم حكمة، وكلامه عبرة.
- اللين والرفق: التعامل مع الناس بلين ورفق، وتجنب الفظاظة والغلظة، فذلك من أسباب الألفة والمحبة.
٧. باب ما جاء في مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم يمزح، لكن مزاحه كان بالحق، لا يقول إلا صدقًا، ويجلب السرور دون كذب أو إيذاء.
روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا. قال: إني لا أقول إلا حقًا». وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله احملني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا حاملوك على ولد الناقة. فقال: يا رسول الله، وما أصنع بولد الناقة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النوق؟».
الشرح: هذه الأحاديث تبين أن مزاح النبي صلى الله عليه وسلم كان متسمًا بالصدق والحق، حتى في مداعباته. لم يكن يمزح بالكذب أو الغيبة أو السخرية، بل كان مزاحه لطيفًا، يدخل السرور على قلوب أصحابه دون إثم. ومثاله قوله “إنا حاملوك على ولد الناقة” أي الجمل، فهو ولد الناقة حقيقة، لكن السامع قد يفهمها على أنها صغيرة الناقة.
الدروس المستفادة:
- المزاح بالحق: جواز المزاح وإدخال السرور على الناس، بشرط ألا يكون فيه كذب أو سخرية أو إيذاء.
- التوازن في الشخصية: النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الجدية في الأمور الشرعية، واللطف والمرح في التعاملات الإنسانية، وهذا يعطي صورة متكاملة لشخصيته العظيمة.
- الرفق بالناس: المزاح اللطيف يكسر حواجز الرسمية ويقرب القلوب، وهو دليل على تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وبشاشته.
٨. باب ما جاء في عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم
كانت عبادته صلى الله عليه وسلم عظيمة، معتدلة، لم يفرط، بل كان خير قدوة في الجمع بين حق الله وحق النفس وحق الأهل.
روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقيل له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟».
الشرح: قيامه صلى الله عليه وسلم الليل حتى تتفطر قدماه، دليل على عظيم شكره لله تعالى، واجتهاده في العبادة رغم أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وهذا يعلمنا أن العبادة ليست فقط لدفع العقاب، بل هي شكر للمنعم، وتقرب إليه، وسمو بالروح.
الدروس المستفادة:
- الشكر لله تعالى: العبادة الحقيقية هي شكر لله على نعمه، وليست مجرد تأدية واجب.
- التوازن في العبادة: الاعتدال في العبادة، فلا إفراط ولا تفريط، ومراعاة حقوق النفس والآخرين.
- القدوة في الإمامة: على الإمام أن يراعي حال المصلين، وأن ييسر عليهم في الصلاة.
٩. باب ما جاء في أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم
هذا الباب هو جوهر الشمائل، فلقد كان صلى الله عليه وسلم أكمل الناس خلقًا، وقد وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت هذا؟». وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده، ولا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء فانتقم من صاحبه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله».
الشرح: شهادة أنس بن مالك رضي الله عنه، خادمه لعشر سنين، هي أبلغ وصف لأخلاقه صلى الله عليه وسلم. فلم يسمع منه كلمة تذمر أو لوم، وهذا يدل على سعة صدره، وطيب نفسه، وحلمه العظيم، ورفقه بالضعفاء والخدم. أما شهادة عائشة رضي الله عنها، فتؤكد كمال حلمه وعفوه، فلم يكن ينتقم لنفسه قط، وإنما كان يغضب وينتقم إذا انتهكت حرمات الله، وهذا دليل على غيرته على دين الله وحقوقه.
الدروس المستفادة:
- مكارم الأخلاق: النبي صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في كل خلق كريم: الصبر، الحلم، العفو، الكرم، الشجاعة، الرحمة، التواضع، العدل، الصدق، الأمانة.
- الرحمة الشاملة: رحمته صلى الله عليه وسلم لم تقتصر على المسلمين، بل شملت حتى أعداءه، والحيوانات، والجمادات.
- القدوة في التعامل: هذا الخلق العظيم يدعونا إلى مراجعة تعاملاتنا مع أهلنا، أصدقائنا، جيراننا، وخدمنا، وأن نجعل النبي صلى الله عليه وسلم قدوتنا.
١٠. باب ما جاء في تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان صلى الله عليه وسلم أشد الناس تواضعًا، يكره الترفع والاستعلاء، ويجلس حيث ينتهي به المجلس، ويخدم نفسه وأهله.
روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن امرأة كان في عقلها شيء قالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة. فقال: يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك. فخلا معها في بعض الطرق حتى قضت حاجتها».
الشرح: تواضعه صلى الله عليه وسلم كان من أظهر شمائله. فقبوله أن تخلو به امرأة ضعيفة العقل ليقضي حاجتها في أي طريق تختار، يدل على عظيم تواضعه، ورحمته بالضعفاء، وعدم استكباره عن قضاء حوائج الناس مهما كان شأنهم.
الدروس المستفادة:
- قيمة التواضع: التواضع يرفع صاحبه، والكبر يضع صاحبه.
- خدمة النفس والأهل: لا عيب على الرجل أن يخدم نفسه وأهله، بل هو من كمال الرجولة والقدوة الحسنة.
- كسر الحواجز الاجتماعية: التواضع يقرب القلوب ويزيل الفوارق المصطنعة بين الناس.
الدروس الروحية والعملية المستفادة من دراسة الشمائل
إنَّ دراسة شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ليست مجرد قراءة لمتون، بل هي رحلة عميقة في بحر الكمال النبوي، تستقي منها القلوب والأرواح ما يزكيها ويهديها. ومن أبرز الدروس المستفادة:
- تعميق المحبة النبوية: كلما ازددنا معرفة بتفاصيل حياته صلى الله عليه وسلم، ازداد حبنا له، وهذا الحب هو أساس الإيمان.
- تحقيق الاقتداء العملي: الشمائل ليست للتعجب فقط، بل للعمل والتطبيق. كيف نأكل ونشرب وننام ونلبس ونتعامل كما كان يفعل؟ هذا هو جوهر الاتباع.
- التربية على الأخلاق الفاضلة: الشمائل هي مدرسة الأخلاق النبوية، التي تهذب النفس، وتزكي الروح، وتجعل المسلم قرآنا يمشي على الأرض.
- فهم الإسلام كمنهج حياة: تظهر الشمائل أن الإسلام ليس مجرد عبادات وشعائر، بل هو منهج شامل للحياة، يغطي كل جوانبها، من أدق التفاصيل إلى أعظمها.
- الجمع بين المادية والروحانية: كان صلى الله عليه وسلم بشرًا يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق، ولكنه كان في ذات الوقت متصلًا بالوحي، تتجلى فيه الروحانية العالية. وهذا يعلمنا التوازن بين متطلبات الجسد والروح.
- التعامل مع التحديات المعاصرة: كثير من المشاكل التي تواجه مجتمعاتنا اليوم، من العنف، والتطرف، وسوء الأخلاق، يمكن أن تجد حلولها في العودة إلى شمائله صلى الله عليه وسلم، التي تدعو إلى الرحمة، والاعتدال، والحكمة، والتواضع.
- التعرف على الإنسان الكامل: النبي صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الكامل الذي جسد أسمى معاني الكمال البشري، دراسة شمائله ترفع من سقف طموحاتنا في السمو الإنساني والأخلاقي.
- تقوية العلاقة بالله: كلما تقربنا من النبي صلى الله عليه وسلم واتبعنا سنته، كلما زادت قربتنا من الله تعالى، فحبه وطاعته من حب الله وطاعته.
الخاتمة
وفي ختام هذه الجولة الماتعة في رياض الشمائل النبوية، يتبين لنا جليًا عظم هذا الكتاب للإمام الترمذي، وجلال ما احتواه من أوصاف خير البرية صلى الله عليه وسلم. لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم آية في خلقه، وكمالًا في خلقه، ومثالًا حيًا لكل فضيلة، ومصدرًا لكل خير.
إنَّ منهج الشيخ محمد نبيه يدعونا دائمًا إلى العودة إلى هذه الأصول النبوية، لا لمجرد التبرك، بل للاقتداء والعمل. فما أحوجنا في هذا الزمان الذي تتلاطم فيه أمواج الفتن، وتتخبط فيه الأمة، إلى نور شمائله صلى الله عليه وسلم، لنهتدي بهديها، ونستضيء بضياءها، ونستلهم منها الحلول لمشاكلنا، والعلاج لأسقامنا.
فليكن همنا جميعًا أن نغوص في هذه الشمائل، وأن نتفهم معانيها، وأن نترجمها إلى واقع عملي في حياتنا، في بيوتنا، في مجتمعاتنا، لتزهر حياتنا بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع سنته.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم، المتبعين لسنته، وأن يحشرنا في زمرته، ويسقينا من حوضه، ويشفع لنا عنده، وأن يرزقنا رؤيته في الدنيا والآخرة. اللهم آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.
أسئلة شائعة
ما هي الشمائل المحمدية وما أهمية دراستها؟
الشمائل المحمدية هي مجموع الصفات الخَلْقية (الجسمانية) والخُلقية (الأخلاقية) للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى عاداته وسلوكه في حياته اليومية. تشمل هذه الشمائل وصفًا لملامحه الشريفة، وطريقة كلامه، ومشيه، ولباسه، وأكله، وكذلك أخلاقه الكريمة من كرم وشجاعة وحلم وتواضع. تكمن أهمية دراستها في أنها تزيد من محبة المسلم للنبي صلى الله عليه وسلم، وتساعده على الاقتداء به في كل جوانب حياته، وتعمق فهمه للسنة النبوية، مما يؤدي إلى تهذيب النفس وتزكية الروح.
من هو الإمام الترمذي وما مكانة كتابه ‘الشمائل المحمدية’؟
هو الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، أحد كبار أئمة الحديث النبوي الشريف، وصاحب كتاب ‘جامع الترمذي’ المعروف بـ ‘سنن الترمذي’. يُعد كتاب ‘الشمائل المحمدية’ أو ‘شمائل الترمذي’ من أهم وأشهر الكتب التي جمعت صفات النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وعاداته. يتميز الكتاب بأسلوبه الواضح، وشموليته في عرض الجوانب المختلفة من حياة النبي، وقد تلقاه العلماء بالقبول والاهتمام عبر العصور، وأصبح مرجعًا أساسيًا لكل من أراد معرفة تفاصيل حياة وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
كيف يؤثر الاقتداء بشمائل النبي صلى الله عليه وسلم في حياة المسلم المعاصرة؟
الاقتداء بشمائل النبي صلى الله عليه وسلم له تأثير عميق وإيجابي في حياة المسلم المعاصرة. فمن خلال دراسة أخلاقه وصفاته، يتعلم المسلم الصبر والحلم والتواضع والكرم والعدل، وهي قيم أساسية لبناء شخصية متوازنة ومجتمع فاضل. كما أن الاقتداء به في معاملاته وسلوكه اليومي، مثل الصدق والأمانة والرفق بالناس، يعزز العلاقات الاجتماعية ويجلب السكينة والطمأنينة. في عالم مليء بالتحديات، توفر شمائله صلى الله عليه وسلم نموذجًا عمليًا للتعامل مع المواقف المختلفة بحكمة ورحمة، مما يساعد المسلم على التغلب على الصعوبات والعيش حياة ذات معنى وهدف.
ما هي أبرز الجوانب التي يغطيها كتاب الشمائل المحمدية للترمذي؟
يغطي كتاب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي مجموعة واسعة من الجوانب المتعلقة بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم وحياته. يبدأ بوصف خلقته الشريفة من طول ولون شعر وملامح الوجه، ثم ينتقل إلى وصف لباسه وطعامه وشرابه، وكيفية نومه وضحكه وبكائه. كما يتناول الكتاب أخلاقه العظيمة مثل تواضعه، كرمه، شجاعته، صبره، حلمه، وعدله. ويشمل أيضًا وصفًا لطريقة كلامه، مشيه، جلوسه، وحتى كيفية تعامله مع أصحابه وأهله وأعدائه. إنه يقدم صورة شاملة ومتكاملة عن شخصية النبي صلى الله عليه وسلم كإنسان ونبي وقدوة.
هل يمكن لغير المتخصصين الاستفادة من دراسة كتاب الشمائل المحمدية؟ وكيف؟
نعم، بالتأكيد يمكن لغير المتخصصين الاستفادة بشكل كبير من دراسة كتاب الشمائل المحمدية. فالكتاب لا يتطلب معرفة عميقة بعلوم الحديث، بل هو وصف مباشر ومحبب لشخصية النبي صلى الله عليه وسلم. يمكن لغير المتخصصين قراءته بهدف التعرف على نبيهم الحبيب، وزيادة محبتهم له، واستلهام القيم والأخلاق النبوية لتطبيقها في حياتهم. يمكنهم البدء بقراءة الشروح المبسطة للكتاب، أو الاستماع إلى الدروس الصوتية والمرئية التي تشرحه بأسلوب سهل وميسر، مثل هذا الدرس الذي يقدمه الشيخ محمد نبيه، مما يساعد على فهم المعاني العميقة وتطبيقها عمليًا في حياتهم اليومية.

