اكتشف كيفية الخشوع في الصلاة وتحقيق السكينة والطمأنينة في قلبك. هذا الدليل الشامل يقدم لك وسائل عملية وأسباب ضعف الخشوع وكيفية التغلب عليها، مستوحى من تعاليم القرآن والسنة.

مقدمة الخطبة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١].
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها المسلمون، أيها المصلون، نقف اليوم وقفة تأمل وتدبر مع ركن عظيم من أركان ديننا، عمود الإسلام، وقرة عين نبينا صلى الله عليه وسلم: الصلاة. ولكن ليس أي صلاة، بل الصلاة التي تلامس القلوب، وتطهر النفوس، وتسمو بالأرواح، إنها الصلاة ذات الخشوع. فكم منا يقف بين يدي الله جسداً، وقلبه يسبح في أودية الدنيا وشغفها؟ وكم منا يرفع يديه بالتكبير، وعقله مشغول بهمومه ومشاغله؟ إنها معضلة يعاني منها الكثيرون، ويشير إليها دائمًا الشيخ محمد نبيه في دروسه ومحاضراته، مؤكداً على أن الخشوع هو روح الصلاة ولبها. فكيف يمكننا أن نصل إلى هذه المنزلة العظيمة؟ كيف نحقق الخشوع في صلاتنا؟ هذا ما سنتناوله في خطبتنا اليوم.
اقرأ أيضا: الصلاة عماد الدين: كيف تبني حياتك بها؟
أهمية الخشوع في الصلاة وعلاماته
الخشوع روح الصلاة ومفتاح قبولها
الخشوع في الصلاة ليس مجرد فعل اختياري أو زينة تضاف إليها، بل هو جوهرها ولبها الذي بدونه تفقد الصلاة الكثير من قيمتها ومعناها. إنه حضور القلب وسكون الجوارح، وتدبر ما يُتلى ويُقال، واستشعار عظمة من نقف بين يديه. وقد أثنى الله تعالى على الخاشعين في كتابه الكريم، وجعلهم من المفلحين، فقال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٢]. هذه الآيات الكريمة تجعل الخشوع أول صفات المؤمنين المفلحين، مما يدل على منزلته العظيمة في الإسلام. فالصلاة بلا خشوع كجسد بلا روح، أو كقشرة بلا لب، لا تؤتي ثمارها المرجوة كاملة.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فضل الخشوع وثوابه، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله» [صحيح مسلم، ٢٢٨]. فبالخشوع تُغفر الذنوب، وتُرفع الدرجات، وتُستجاب الدعوات. إنها فرصة عظيمة لتجديد العهد مع الله، وتطهير النفس من أدران المعاصي.
علامات الخاشعين في صلاتهم
لخشوع علامات تظهر على المصلي، تدل على حضور قلبه وتدبره. فمن علامات الخاشع: سكون الجوارح، وعدم الالتفات يميناً ويساراً، وتجنب العبث بالثوب أو اللحية أو غير ذلك. عينه تنظر إلى موضع سجوده، وقلبه يتأمل في معاني الآيات والأذكار. يشعر بالخوف والرجاء، ويستحضر عظمة الله وقدرته، ويستشعر أنه واقف بين يدي ملك الملوك وجبار السماوات والأرض. قال ابن القيم رحمه الله: “الخشوع هو قيام القلب بين يدي الرب بالذل والانكسار”. فإذا رأيت المصلي ساكناً، مطمئناً، متدبراً، فاعلم أنه قد رزق شيئاً من الخشوع.
اقرأ أيضا: أثر الذكر والدعاء في الصحة النفسية للمسلم: رؤية إسلامية عميقة
أسباب ضعف الخشوع وكيفية التغلب عليها
إن ضعف الخشوع في الصلاة له أسباب عديدة، منها ما هو داخلي يتعلق بالقلب والنفس، ومنها ما هو خارجي يتعلق بالبيئة المحيطة. ومعرفة هذه الأسباب هي الخطوة الأولى نحو كيفية الخشوع في الصلاة والتغلب على هذه الآفة.
آفات تسرق الخشوع
- الانشغال بالدنيا قبل الصلاة: كثرة التفكير في مشاغل الحياة وأمور الرزق والهموم قبل الشروع في الصلاة مباشرة، يجعل القلب غير مستعد لاستقبال نور الصلاة.
- الاستعجال في أداء الصلاة: أداء الصلاة بسرعة دون طمأنينة في الأركان، يمنع القلب من التدبر والتأمل.
- عدم فهم معاني الأذكار والآيات: كثير من المصلين يقرأ الفاتحة والسور والأذكار دون أن يفهم معناها، فيصبح الكلام مجرد ألفاظ لا تلامس القلب.
- الذنوب والمعاصي: الذنوب تقسي القلب وتحجب عنه نور الطاعة، مما يجعل الخشوع صعب المنال.
- الالتفات في الصلاة: سواء كان التفاتاً بالبصر أو بالقلب، فإنه يقطع حبل الوصل بين العبد وربه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» [صحيح البخاري، ٧٥١].
وسائل عملية لتعزيز الخشوع في الصلاة
لتحقيق الخشوع المنشود، لا بد من بذل الجهد والأخذ بالأسباب. وهذه بعض الوسائل العملية التي تعين على كيفية الخشوع في الصلاة:
قبل الصلاة:
- الوضوء الكامل والتدبر: اجعل وضوءك ليس مجرد غسل للأعضاء، بل تطهيراً للذنوب، واستشعر أن كل قطرة ماء تزيل خطيئة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب» [صحيح مسلم، ٢٤٤].
- الاستعداد النفسي والبدني: تهيأ للصلاة قبل وقتها، بتفريغ القلب من الشواغل، ولبس أحسن الثياب، واستخدام السواك.
- التبكير إلى الصلاة: الذهاب إلى المسجد قبل الأذان أو بعده مباشرة، يمنحك وقتاً للذكر والدعاء وقراءة القرآن، مما يهيئ القلب للصلاة.
- الدعاء قبل الشروع: ادع الله أن يرزقك الخشوع في صلاتك، فالدعاء مفتاح كل خير.
أثناء الصلاة:
- تدبر معاني الأذكار والآيات: حاول أن تفهم كل كلمة تقولها وتسمعها في الصلاة. اقرأ تفسير السور القصيرة التي تقرأها عادة، وتدبر معاني التكبير والتسبيح والتحميد. هذا ما يؤكد عليه الشيخ محمد نبيه دائمًا في شرحه للعبادات، بضرورة فهم المعنى لتعميق الأثر.
- استحضار عظمة الله: تذكر أنك تقف بين يدي الله، السميع البصير، العليم بكل شيء. استشعر هيبته وجلاله، وتذكر أنه يراك ويسمعك.
- النظر إلى موضع السجود: هذا يساعد على تركيز البصر وبالتالي تركيز القلب، ويمنع الالتفات.
- عدم الالتفات: سواء كان التفاتاً بالبصر أو بالقلب. جاهد نفسك على الثبات والتركيز.
- التأني في الأركان: أداء الركوع والسجود والقيام والجلوس بطمأنينة، وإعطاء كل ركن حقه من الذكر والدعاء. قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» [صحيح البخاري، ٧٥٧].
- تذكر الموت والوقوف بين يدي الله: تخيل أن هذه قد تكون آخر صلاة لك، وأنك ستقف بين يدي الله للحساب. هذا التذكر يزيد من الخشوع والخوف والرجاء.
بعد الصلاة:
- الاستغفار والدعاء: بعد الانتهاء من الصلاة، استغفر الله ثلاثاً، وادعه بما شئت، فبعد الصلاة من أوقات استجابة الدعاء.
- المحافظة على الأذكار: أذكار ما بعد الصلاة تحافظ على حالة الاتصال بالله وتزيد من بركة الصلاة.
- التفكر في الصلاة الماضية: راجع صلاتك، هل خشعت فيها؟ هل أديتها كما ينبغي؟ هذا التفكر يساعد على تحسين الصلوات القادمة.
ثمرات الخشوع في الصلاة في الدنيا والآخرة
إن الخشوع في الصلاة ليس مجرد تكليف، بل هو مفتاح لخيرات عظيمة في الدنيا والآخرة. فمن ثمرات كيفية الخشوع في الصلاة:
السكينة والطمأنينة
القلب الخاشع يجد في الصلاة راحة وسكينة لا مثيل لها. إنها ملجأ الروح من صخب الحياة، وملاذ القلب من هموم الدنيا. يشعر المصلي الخاشع بطمأنينة تملأ نفسه، وتذهب عنه القلق والاضطراب. هذه السكينة هي ما يبحث عنه الكثيرون في غير موضعها، بينما هي كامنة في الصلاة الخاشعة.
مغفرة الذنوب ورفع الدرجات
كما ذكرنا سابقاً، الصلاة الخاشعة كفارة للذنوب ورافعة للدرجات. فكلما ازداد الخشوع، ازداد الأجر والمغفرة. إنها فرصة يومية لتطهير صحيفة الأعمال، والتقرب إلى الله تعالى. وهذا ما يدعو إليه الشيخ محمد نبيه في كل مناسبة، بالاستفادة من هذه العبادة العظيمة في تطهير القلوب.
القرب من الله واستجابة الدعاء
الخاشع في صلاته يكون أقرب ما يكون إلى ربه. ففي السجود، وهو ذروة الخشوع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» [صحيح مسلم، ٤٨٢]. فمن أراد أن يستجيب الله دعاءه، فليكثر من الخشوع في صلاته، وليتضرع إلى ربه بقلب حاضر.
خاتمة ودعاء
أيها الأحبة في الله، إن الصلاة هي عمود الدين، والخشوع هو روحها. فاجتهدوا في تحصيل الخشوع، وتدبروا معاني ما تقولون وتفعلون، واستحضروا عظمة من تقفون بين يديه. تذكروا أن الدنيا زائلة، وأن الآخرة هي دار القرار، وأن الصلاة هي زادكم لتلك الدار. اجعلوا صلاتكم قرة أعينكم، وملاذ قلوبكم، ومفتاح سعادتكم في الدنيا والآخرة.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا وإياكم الخشوع في صلاتنا، وأن يجعلها نوراً لنا في قبورنا، وشفيعاً لنا يوم لقائنا به. اللهم اجعلنا من الذين إذا قاموا إلى الصلاة خشعوا، وإذا دعوا استجبت لهم، وإذا سألوك أعطيتهم. اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

