اكتشف كيف يواسي الله القلوب المنكسرة ويمنحها بلسم الرحمة في أوقات الشدة والأحزان. خطبة جمعة مؤثرة عن الصبر، الدعاء، والتوكل على الله.

مقدمة عن المواساة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فيا أيها المسلمون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإنها وصية الله للأولين والآخرين. ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (النساء: ١٣١).
إن الحياة الدنيا دار ابتلاء وامتحان، لا تخلو من كدر ولا تصفو من أحزان. فكم من قلب انكسر، وكم من روح تألمت، وكم من عين بكت! نرى حولنا صوراً من الألم والفقد، من المرض والفقر، من الظلم والقهر. وقد يظن البعض أن هذه الأحزان نهاية المطاف، وأن لا مخرج منها. ولكن، هيهات! فمع كل انكسار، هناك مواساة ربانية؛ ومع كل حزن، هناك بلسم من الرحمن الرحيم. إنها حقيقة إيمانية عظيمة، أن الله سبحانه وتعالى لا يترك القلوب المنكسرة وحيدة، بل يمدها بعونه ولطفه، ويجعل لها من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً. وهذا ما سنتناوله في خطبتنا اليوم، لنتدبر معاً كيف يواسي الله القلوب المنكسرة، وكيف نجد بلسم الرحمن في زمن الأحزان.
اقرأ أيضا: خطبة عن المواساة في الإسلام
مواساة الله للقلوب المنكسرة: حقيقة إيمانية وبلسم رباني
إن الإيمان بالله تعالى ليس مجرد اعتقاد نظري، بل هو نور يضيء دروب الحياة، وبلسم يشفي جراح القلوب. فالله عز وجل هو الرحمن الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء، وهو اللطيف الخبير الذي يعلم ما في الصدور. وحين تنكسر القلوب، وتشتد عليها الخطوب، يكون الله هو الملاذ والملجأ، وهو المعين والمواسي.
طبيعة الألم البشري وحاجة الإنسان للمواساة
أيها الأحبة، إن الألم جزء لا يتجزأ من التجربة الإنسانية. فمن منا لم يذق مرارة الفقد؟ من منا لم يمر بضيق في الرزق أو مرض في الجسد؟ من منا لم يشعر بالظلم أو القهر في مرحلة من حياته؟ هذه هي طبيعة الدنيا، كما وصفها الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (البلد: ٤). فالكبد هو المشقة والتعب. والإنسان بطبعه ضعيف، يحتاج إلى من يسنده، إلى من يواسيه، إلى من يخفف عنه وطأة الأحزان. وحين لا يجد المواساة من البشر، أو حين تكون مواساتهم قاصرة، يبقى الله تعالى هو المواسي الأعظم، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وعد الله للمنكسرين: آيات تبعث الأمل
لقد وعد الله تعالى عباده المنكسرين بالفرج واليسر، وجعل لهم في كتابه الكريم آيات تبعث الأمل وتزرع الطمأنينة في النفوس. يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٥-١٥٧). هذه الآيات الكريمة ليست مجرد كلمات، بل هي بلسم حقيقي للقلوب المنكسرة، فهي تخبرنا أن الابتلاء قادم لا محالة، ولكنها تبشر الصابرين بالصلاة والرحمة والهداية. ومن أعظم ما يواسي القلب المنكسر قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨). فذكر الله هو مفتاح الطمأنينة والسكينة، وهو الدواء الشافي لكل قلب موجوع.
كيف يواسي الرحمن القلوب المنكسرة؟ صور من رحمة الله
إن رحمة الله تتجلى في صور عديدة، تلامس القلوب المنكسرة وتجبر خواطرها. فليس هناك يأس مع رحمة الله، وليس هناك حزن يدوم مع لطفه وكرمه.
الصبر والاحتساب: مفتاح الفرج
أولى صور المواساة الربانية هي الصبر والاحتساب. فالصبر ليس مجرد تحمل للألم، بل هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن الشكوى، والجوارح عن التسخط. وهو مفتاح الفرج، وباب الأجر العظيم. وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن عظم أجر الصابرين فقال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (صحيح البخاري). فكل ألم، كل حزن، كل انكسار، هو في ميزان حسنات المؤمن إذا صبر واحتسب. وهذا ما يؤكد عليه دوماً الشيخ محمد نبيه في دروسه ومحاضراته، مبيناً أن الصبر ليس ضعفاً بل قوة، وأنه مفتاح لرحمة الله ومواساته.
الدعاء واللجوء إلى الله: ملاذ كل مكروب
الصورة الثانية من صور مواساة الله هي الدعاء واللجوء إليه. فالدعاء هو العبادة، وهو صلة العبد بربه، وهو سلاح المؤمن في كل شدة. حين تنكسر القلوب، وحين تضيق السبل، لا يبقى إلا باب الله مفتوحاً. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦). فالله قريب، يسمع الدعاء، ويجيب المضطر إذا دعاه. وكم من قلب منكسر وجد راحته وسكينته بعد أن رفع يديه إلى السماء، وبث شكواه إلى رب الأرض والسماء. فالدعاء يغير الأقدار، ويجلب الفرج، ويواسي الروح المتعبة.
ذكر الله وتلاوة القرآن: شفاء للصدور
أما الصورة الثالثة، فهي ذكر الله وتلاوة القرآن الكريم. إن ذكر الله هو غذاء الروح، ونور القلب، ومطردة للشيطان. وحين يكون القلب منكسراً، فإن ذكر الله يسكبه فيه السكينة والطمأنينة. وتلاوة القرآن الكريم ليست مجرد قراءة حروف، بل هي شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: ٨٢). فكم من قلب وجد عزاءه في آية، وكم من روح انشرحت بسماع آيات الله تتلى. إنها مواساة ربانية لا تضاهيها مواساة.
دروس وعبر من مواساة الأنبياء والصالحين
لم تكن القلوب المنكسرة حكراً على عامة الناس، بل حتى الأنبياء والصالحون مروا بلحظات من الألم والانكسار، ولكنهم وجدوا مواساة الله تعالى لهم، فكانوا لنا قدوة حسنة.
قصة أيوب عليه السلام: نموذج للصبر الجميل
من أعظم الأمثلة على مواساة الله للقلوب المنكسرة قصة نبي الله أيوب عليه السلام. فقد ابتلاه الله في ماله وولده وصحته، حتى أصبح مضرب المثل في الصبر. ومع كل هذا البلاء، لم ييأس أيوب، بل ظل يدعو ربه ويحسن الظن به. وحين بلغ به الضر مبلغاً عظيماً، دعا ربه دعاءً خاشعاً: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأنبياء: ٨٣). فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٨٤). لقد كانت مواساة الله له عظيمة، فعوضه خيراً مما فقد، وجعله قدوة للصابرين. هذه القصة تذكرنا بأن مهما اشتد البلاء، فإن رحمة الله قريب من المحسنين.
مواقف النبي صلى الله عليه وسلم: القدوة الحسنة
ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خير البشر، لم يسلم من الأحزان والآلام. فقد فقد والديه وهو صغير، وفقد زوجته خديجة وعمه أبا طالب في عام واحد سمي عام الحزن، وفقد أبناءه وبناته في حياته، وتعرض للأذى والاضطهاد من قومه. ومع كل هذه الأحزان، كان صلى الله عليه وسلم صابراً محتسباً، واثقاً بمواساة ربه. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» (صحيح مسلم). لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يواسي أصحابه، ويذكرهم برحمة الله، وكان هو نفسه يجد مواساته في الصلاة والقرآن. وكثيراً ما يذكرنا الشيخ محمد نبيه بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم كنموذج يحتذى به في الصبر والتوكل على الله، وكيف أن مواساة الله كانت دائماً حاضرة في حياته الشريفة.
اقرأ أيضا: خطبة عن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم
كيف نستقبل بلسم الرحمن في قلوبنا؟ خطوات عملية
ليست مواساة الله مجرد انتظار سلبي، بل هي تتطلب منا خطوات عملية لتهيئ قلوبنا لاستقبال بلسم الرحمن.
تعزيز التوكل على الله وحسن الظن به
أولى هذه الخطوات هي تعزيز التوكل على الله وحسن الظن به. فالتوكل هو الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الأخذ بالأسباب. وحسن الظن بالله هو الاعتقاد الجازم بأن الله لن يخذلك، وأنه سيجعل لك مخرجاً من كل ضيق. يقول صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» (أخرجه أحمد). فكلما أحسنت الظن بالله، كلما وجدت مواساته أقرب إليك، وكلما شعرت ببلسم رحمته يغمر قلبك المنكسر.
التوبة والاستغفار: تطهير للقلب
الخطوة الثانية هي التوبة والاستغفار. فكثيراً ما تكون الذنوب والمعاصي سبباً في حرمان القلب من رحمة الله ومواساته. والتوبة الصادقة والاستغفار المستمر يطهران القلب من أدران الذنوب، ويفتحان له أبواب رحمة الله الواسعة. يقول تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: ١١٠). فبالتوبة والاستغفار، تعود الروح إلى نقائها، ويصبح القلب مهيئاً لاستقبال بلسم الرحمن.
الإحسان إلى الخلق: باب لرحمة الخالق
الخطوة الثالثة هي الإحسان إلى الخلق. فمن أراد أن يرحمه الله، فليرحم عباده. ومن أراد أن يواسي الله قلبه، فليواسِ قلوب الآخرين. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (سنن الترمذي). فالإحسان إلى الفقراء والمساكين، ومساعدة المحتاجين، وتفريج كرب المكروبين، كل ذلك يفتح لك أبواب رحمة الله، ويجعل قلبك يتلقى مواساة ربانية عظيمة. إن الشيخ محمد نبيه دائماً ما يدعو إلى التراحم والتكافل بين أفراد المجتمع، مؤكداً أن في ذلك صلاحاً للقلوب والمجتمعات.
اقرأ أيضا: خطبة عن رحمة الله بعباده
خاتمة ودعاء: قلوب مطمئنة برحمة الله
في الختام، أيها المؤمنون، إن مواساة الله للقلوب المنكسرة حقيقة لا شك فيها، وبلسم الرحمن دائم الوجود لمن طلبه بصدق. فمهما اشتدت الأحزان، ومهما عظمت الابتلاءات، تذكروا دائماً أن لكم رباً رحيماً، لطيفاً، خبيراً، لا يترك عباده وحدهم. اصبروا واحتسبوا، ادعوا وتضرعوا، اذكروا الله وتلوا كتابه، أحسنوا الظن به، وتوبوا إليه، وأحسنوا إلى خلقه. ففي كل ذلك تجدون بلسم الرحمن يشفي جراح قلوبكم، ويملأها طمأنينة وسكينة.
اللهم يا رحمن يا رحيم، يا واسع العطاء، يا كاشف البلاء، يا مجيب الدعاء، نسألك أن ترحم قلوبنا المنكسرة، وأن تجبر خواطرنا، وأن تفرج همومنا، وأن تنفس كروبنا. اللهم اجعلنا من الصابرين الشاكرين، الذاكرين المستغفرين. اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا. اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة، واغفر لنا ذنوبنا، وتقبل توبتنا. اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، واهد ضالنا، ويسر أمورنا، واجعلنا من عبادك الصالحين. اللهم آمنا في أوطاننا، واحفظ ولاة أمورنا، ووفقهم لما تحب وترضى. اللهم انصر الإسلام والمسلمين في كل مكان. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

