تخطى إلى المحتوى

خطبة عن المسجد والسوق والعلاقة بينهما

مشاركة:

خطبة عن المسجد والسوق والعلاقة بينهما لأبي عرفات محمد نبيه علي الواعظ بالأزهر الشريف يبين فيها آداب المسجد وفوائده ويوضح آداب السوق وأحكامه.

خطبة عن المسجد والسوق والعلاقة بينهما
خطبة عن المسجد والسوق والعلاقة بينهما

البداية من المسجد

اعلموا أن العرب كانوا في الجاهلية أمة ممزقة لا يربطها رابط، ولا يلمها شعار، فوضى في الحياة، واضطراب في الموازين، وخلل في نظم العيش، حتى أراد لله لهذه الأمة العزة بعد الذل، والرفعة بعد الانحدار وذلك حين أكرمها بأعظم رسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وحين اختار لها أعظم شريعة، وهي شريعة الإسلام الخالدة المطهرة من كل نقص وعيب.

أول عمل قام به الرسول في قباء كان بناء المسجد، وأول عمل قام به الرسول في المدينة كان بناء المسجد، وهذا الأمر لم يكن على سبيل المصادفة، ولم يكن مجرد إشارة عابرة، هذا منهج أصيل، فلا قيام لأمة إسلامية بغير المسجد، أو قل لا قيام لأمة إسلامية بغير تفعيل دور المسجد؛ لأن المساجد الآن كثيرة، لكنّ الكثير منها غير مفعّل، ولا يقوم بدوره المنوط به.

وكان المسلمون في بداية أمرهم ضعفاء يخافون أن يتخطفهم الناس، وجلسوا على تلك الحال ثلاث عشرة سنة حتى أذن الله لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بالهجرة فهاجر هو وصحابته إلى المدينة التي كانت تسمى (يثرب)، فبدأت بذلك مرحلة جديدة من تاريخ الإسلام؛ بل هي في الحقيقة البداية لدولة الإسلام الفتية.

لقد أدرك الرسول القائد، والمعلم الحاذق: رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أن أصحابه ومن دخل في دينه يحتاجون إلى تربية وتعليم، وتوجيه وإرشاد، وذلك يتطلب مكاناً يجتمعون فيه، ويتدارسون شرائع الإسلام وأحكامه في رحابه.

فكان أول عمل بدأ به – عليه السلام – أن شرع هو وصحابته الكرام في بناء المسجد كما في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم (بنو عمرو بن عوف)، وأنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ من بني النجار، فقال: (يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا) قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا من الله. فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين وفيه خرب وفيه نخل. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع. فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول:

اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إِلا خَيْرُ الآخرهْ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ

منذ تلك اللحظة صار المسجد منارة تشع في أرجاء دولة الإسلام الناشئة، وقبساً يشع في سمائها الوضّاءة، حيث أصبح مكان أداء العبادة من الصلوات والاعتكاف، كما أصبح ملتقىً للمسلمين ومنتدىً لحواراتهم.

وهو المكان الذي يبث من خلاله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أحاديثه النورانية فيصلح المعوج، ويهدي الضال، ويرشد الحائر، وينفس عن المكروب، كما أنه كان أيضاً بداية الانطلاقة لجيوش الإسلام التي فتحت مشارق الأرض ومغاربها، في عهده وعهد من جاء بعده من خلفاء المسلمين.

عباد الله: إن المساجد التي هي بيوت الله هي خير بقاع الأرض وأحبها إلى المولى جل وعلا، لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أَحَبُّ البِلَادِ إلى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ البِلَادِ إلى اللهِ أَسْوَاقُهَا). (صحيح مسلم:671)

آداب المسجد

أولاً: بناء المسجد

الإسهام في بناء المسجد وعمارته هو من سمات أهل الإيمان الذين يرجون موعود الله والدار الآخرة، وعمارة المسجد على نوعين:

  1. عمارة حسية.
  2. عمارة معنوية.

أما العمارة الحسية: يعنى بها بناء مكان يأوي إليه الناس ليصلوا فيه ويتعبدوا ربهم تحت جدرانه.

وقد ثبت جملة من النصوص الشرعية تحث على بناء المساجد والعناية بشؤونها وحفظها من الأوساخ والأدران، ومنع السفهاء والغوغاء من الإضرار بها، فمن ذلك:

قال تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ). (سورة التوبة:18)

وحذر من إفسادها فقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). (سورة البقرة:114)

وعند أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: “أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب”.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ بَنى للهِ مسجدًا ولوْ مثلَ مفحصِ قطاةٍ، بُنِيَ لهُ بيتٌ في الجنةِ).

وأما عمارة المساجد المعنوية: والتي هي الأصل الأصيل في العمارة فالمراد بها أداء الصلاة فيها والاعتكافُ وقراءة القرآن وذكر الله، واتخاذها منطلقاً للتوجيه والتربية ونحو ذلك.

أما مجرد عمارة المسجد وزخرفتِه والتباهي بحسن بنائه وتصميمه مع خلوه من العباد والمصلين فليس مراداً في الشرع كما هو حاصل في كثير من بلاد الإسلام اليوم، ولله درّ القائل:

منائركم علت في كل حيٍّ ومسجدكم من العبّاد خالي
وجلجلة الأذان بكل فجٍّ ولكن أين صوتٌ من بلالِ؟!

إن العمارة الحقيقية للمسجد هي إحياء ذكر الله فيه وإقام الصلاة يقول تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)). (سورة النور)

وفي صحيح مسلم عن أني هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَلا أدُلُّكُمْ علَى ما يَمْحُو اللَّهُ به الخَطايا، ويَرْفَعُ به الدَّرَجاتِ؟) قلنا: بلى يا رسول الله. قال: (إسْباغُ الوُضُوءِ علَى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ فَذَلِكُمُ الرِّباطُ فَذَلِكُمُ الرِّباطُ). (صحيح مسلم:251)

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (فإنَّ أحَدَكُمْ إذَا تَوَضَّأَ فأحْسَنَ، وأَتَى المَسْجِدَ، لا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بهَا دَرَجَةً، وحَطَّ عنْه خَطِيئَةً، حتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، وإذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، كانَ في صَلَاةٍ ما كَانَتْ تَحْبِسُهُ، وتُصَلِّي – يَعْنِي عليه المَلَائِكَةُ – ما دَامَ في مَجْلِسِهِ الذي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، ما لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ). (صحيح البخاري:477)

ثانياً: المشي إلى المسجد

من آداب المسجد أن يؤتى إليه مشيا مع أن الركوب إليه لا حرج فيه لكن المشي أعظم أجرا ولا شك، ودونكم جملة من الأحاديث تبين فضل المشي إلى المسجد:

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا في الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ إلَيْهَا مَمْشًى، فأبْعَدُهُمْ). (صحيح مسلم:662)

وعن أبيِّ بن كعب رضي الله عنه قال: “كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد إلى المسجد منه وكان لا تخطئه صلاةً، فقيل له: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء وفي الرمضاء”. قال: “ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي”. فأخبر النبي عليه السلام بذلك فقال: (قدْ جَمع اللَّهُ لكَ ذلكَ كُلَّهُ). (صحيح مسلم:663)

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني سلمه حين أرادوا القرب من المسجد لبعد بيوتهم: (يا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ). (صحيح مسلم:665)

وفي سنن الترمذي عن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بشِّرِ المشَّائينَ في الظُّلَمِ إلى المساجدِ بالنُّورِ التَّامِّ يومَ القيامةَ)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة ومستفيضة.

ثالثاً: حضور صلاة الجماعة

من آداب المسجد المواظبة حضور صلاة الجماعة: إن فضل صلاة الجماعة مشهور معروف فيكفي أن الذي يصلي في الجماعة يضاعف له الأجر على من صلى منفردا سبعا وعشرين درجة.

رابعاً: أحكام فقهية

من آداب المسجد أحكام فقهية يجب ألا تغيب عنا منها:

1- أداء التحية عند الدخول وهي سنة مؤكدة جداً تفعل في كل وقت حتى في أوقات النهي ما دام المرء دخل المسجد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلاَ يَجْلِسْ حتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ) (صحيح البخاري:1163) ، والمقصود ألا يجلس حتى يصلي.

2- الحرص على نظافة المسجد والبعد عن كل ما يجلب له الأوساخ والنجاسات ، ولهذا فإن الشرع نهى عن البصاق في المسجد، قال عليه الصلاة والسلام: (الْبُزاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وكَفَّارَتُها دَفْنُها) (صحيح مسلم:552) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (ورأيت في مساوئ أمتي النخامة في المسجد لا تدفن) وقد عزل النبي إماما بصق تجاه القبلة وقال (إنك قد آذيت الله ورسوله).

3- الحرص على الصلاة إلى السترة لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليستتر أحدكم ولو بسهم) ، والحذر الحذر من قطع الصلاة، كما في الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه – أي من الإثم – لكان أن يقف أربعين (أي سنة)).

ونحن مأمورون برد من يريد أن يقطع صلاتنا وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: (ليصل أحدكم إلى شيء يستره من الناس فإن أراد أحد أن يمر بين يديه فليمنعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان).

4- عدم الإسراع عند سماع الإقامة لما رواه مسلم في صحيحه من قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم الإقامة فلا تأتوا إلى الصلاة وأنتم تسعون وامشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا).

5- عدم أكل أو شرب ما له رائحة كريهة ومنها الثوم والبصل والدخان وكل ما كان مؤذيا للمصلين لما في الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: (من أكل البصل والثوم فلا يقربن مصلانا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم).

من فوائد المسجد أنه مكان صلاة الجماعة والجمعة: والصحيح من أقوال أهل العلم أن صلاة الجماعة واجبة على الرجال لا تسقط عنهم بأي حال من الأحوال إلا من عذر يمنع من الإتيان إلى المسجد، ومما يدل على ذلك:

1- قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ). (سورة البقرة:43)

2- أن الله تعالى أمر بإقامتها في حال الحرب والخوف ولم يسقطها عن الصحابة الكرام مع أن المقام مقام خوف وحرب، قال سبحانه: (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ). (سورة النساء:102)

3- ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لولا ما في البيوت من النساء والذرية لهممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار).

4- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “من سره أن يلقى الله عز وجل غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإنهن من سنن الهدى وإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى ولعمري لو أن كلكم صلى في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد رأيت الرجل يهادى بين الرجلين حتى يدخل في الصف”.

5- ما جاء في صحيح مسلم في قصة الرجل الأعمى الذي ليس له قائد وداره بعيدة ومع هذا قال له صلى الله عليه وسلم: (هل تسمع النداء؟) قال: نعم، قال: (فأجب فإني لا أجد لك رخصة).

كل هذا يقال في حق من ترك صلاة الجماعة فكيف بمن لا يصلي أصلا أو يكتفي بالجمعة فقط ظنا منه أنها تكفر ما بينها وبين الجمعة الأخرى استدلالا بقوله عليه السلام: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما) ونسي أو تناسى آخر الحديث (مالم تغش الكبائر).

ويخطئ من يظن أن دور المسجد يقتصر على أداء الصلوات الخمس فحسب، بل للأسف إنه الآن في كل الدول الإسلاميّة يتم غلق المسجد بعد أداء الصلاة مباشرة، وكأن دوره الوحيد هو الصلاة فقط.

وفي الحقيقة دورُ المسجد في الأمة الإسلاميّة أعمق من ذلك بكثير، فليست قيمة المسجد في حجمه ولا في شكله ولا في زخرفته ولا من الذي افتتحه أو قصّ الشريط، فهذه كلها شكليات فارغة لا قيمة لها، بل على العكس من ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم كان يَنْهَى عن هذه الشكليات، وكان ينهى عن المبالغة في تزيين المساجد، كما في مسند أحمد بن حنبل رحمه الله، وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان عن أنسٍ يقول: (لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ بِالْمَسَاجِدِ).

وفي رواية ابن خزيمة: (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَتَبَاهَوْنَ فِيهِ بِالْمَسَاجِدِ ثُمَّ لاَ يَعْمُرُونَهَا إِلاَّ قَلِيلاً). فربما تجد إنسانًا يقوم ببناء مسجد كبير، ثم لا تجد المصلين إلا صفًّا أو صفين.

وقال: (مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ)، ومعنى التشييد الرفع فوق الحاجة.

وقال ابن عباس: “لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى”. أي نهتمّ بالشكليات من رخامٍ ومرمرٍ وحليٍّ ونجفٍ وما إلى ذلك، ولا نهتم بالتربية في داخل المسجد تُغشى الكبائر، وهل ترك الصلاة إلا من كبائر الذنوب؟!

إنه لا حظ في الإسلام لمن ضيع الصلاة كما قال عمر رضي الله عنه.

فوائد المسجد

للمساجد دور عظيم في الإسلام، إنها بيوتُ الله تعالى، وهي أشرف البقاع على وجه البسيطة؛ حيث يُذكَر فيها اسم الله جل وعلا ليلَ نهارَ وصباح مساء، ويحضرها رجال لا يغفُلون عن طاعته سبحانه وتعالى في غدواتهم ورَوْحاتهم، في شُغلهم وفراغهم، في حِلِّهم وتَرحالهم.

قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)). (سورة النور)

المسجد مؤسسة إصلاحية

لأنها تغيّر أحوال الإنسان من شقاء إلى سعادة، ومن ضِيق إلى رخاء، والمساجد تعالج القلوب؛ حيث تجعلها رقيقةً ومجلوّةً من صدأ الذنوب والآثام التي يرتكبها الإنسان، وهذه البقاع من الأرض – أي: المساجد – تنزل عليها الرحمات، وترفُّ عليها الملائكة بأجنحتها، وهي أماكن المنافسة في الخيرات.

المسجد مؤسسة تربوية

لا شك أن المساجد هي خيرُ الأماكن لتربية المسلمين؛ فإنها تُلقي على الحضور درس الأخوّة والمساواة، يحضر فيها المسلمون، ويجتمعون في مكان واحد، ويقومون في صف واحد، ويصلُّون خلف إمام واحد؛ فلا فرق بين العبد والسيد، والملِك والخادم، والغني والفقير، والشيخ العالم والرجل العادي، كلهم سواء أمام الله جل وعلا، لا يفضل أحدٌ منهم على الآخر إلا بالتقوى، ومكانها القلب.

فإن المساجدَ تعلم الناس أن يعيشوا سويًّا متكاتفين ومتضامنين، ولا يعتدي أحد على الآخر بحسَبه ونسبه، أو بمنصبه أو شغله أو وظيفته.

المسجد هيئة إسلامية عظيمة

تفُوق جميع الهيئات واللجان التي تنشأ وتقام في البلدان، ويزعم مؤسّسوها أنها خيرُ مؤسسة أو هيئة لإصلاح المجتمعات البشرية.

فلا يمكن إصلاح المجتمع إلا بتفعيل دور أكبر مؤسسة وأعظمها على وجه الأرض، وهي المساجد؛ لأنها تربي المجتمع تربيةً إيمانيةً متكاملةً، وتقوم بصبغ الإنسان بأحسن صبغة، وهي صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة.

ولذا نجد أن معلم البشرية محمدًا صلى الله عليه وسلم قد عمد إلى تأسيس وإرساء قواعد المساجد إبان وصوله إلى المدينة المنورة حاضرة دولة الإسلام الوليدة، ومن هنا بدأ دور المساجد في تربية المجتمعات الإسلامية.

ومع مرور الزمن أصبح من المسلَّم به أن المساجد لا يقتصر دورها على أن يحضرها المصلون لأداء الصلوات فحسب، بل إنها تقوم بجمع شمل الأمة الإسلامية، وتجمع قلوب المسلمين على المحبة والاحترام، والتآخي والتعاطف والتراحم، وتمنح لهم الطمأنينة والسكينة، وتدعوهم إلى إحياء رُوح الإسلام فيما بينهم.

فإن المسلم حينما يحضر المسجد، ويقتدي بإمام مع المصلين، ويستمع للخطيب، تتأكد فيه المبادئ الإسلامية السامية، وتثبت في نفسه عظَمة الإسلام وحضارته الصافية النقية، وتحيا فيه معاني الصفح والمودة، والتواصل والتراحم.

وحينما يهَشُّ المسلمُ في وجه أخيه ويبَشُّ له، ويصافحه ويعانقه، ينصهر ويذوب كل ما في القلوب من الضغائن والأحقاد.

المسجد جامعة وعاصمة

كانت المساجد خير مراكز للتربية في العصور الإسلامية السالفة، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم خير نموذج لذلك؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحضرون هذا المسجد ويتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم كل ما يحتاجون إليه، بل كل ما تحتاج إليه البشرية، يسألونه صلى الله عليه وسلم في أمور دِينهم ودنياهم.

فأصبح هذا المسجد مصدرَ إشعاع ومنبع نور للبشرية كلها، وتخرَّج فيه علماء أعلام وقادة كبار حملوا راية الإسلام، ونشروا هذا الدين المتين في ربوع العالم كله.

ومن ثم بدأت حلقات الدرس والإفادة في جميع المساجد في البلاد الإسلامية، حيث لم يكن هناك مدارس منظمة يقصدها الطلاب، والعلماء كانوا يختارون مكانًا في مسجد ويلقون الدروس للمتلقين.

ويشهد التاريخ بما كان لمساجد بغداد والقاهرة والقيروان وقرطبة ودمشق والموصل والحواضر الإسلامية الأخرى من دَور عظيم في النهضة الإسلامية الواسعة.

فيكتب الدكتور عبد الرحمن السيد في كتابه (مدرسة البصرة النحوية) في هذا الصدد: “لم تكن هناك بطبيعة الحال مدارس منظمة أو معاهد مهيَّأة يلتقي فيها المعلمون والمتعلمون على النحو الذي نراه في عصرنا الحاضر، وإنما كانت الدراسة ملائمة لهذه الحقبة من تاريخ البشرية، متمشية مع حاجات الناس في ذلك العصر المتقدم، فكان من جملة ما يسعى إليه الدارسون لأخذ العلم والأدب واللغة المساجدُ، فكانت حلقات الدراسة تُعقَد فيها”.

ويتضح من هذا دور المساجد في نشر العلوم والمعارف، والثقافة الإسلامية، ولكن لا يقتصر الأمر على ذلك، فلم تكن المساجد مراكز علم فحسب، بل إنها كانت أفضل المراكز لتربية النفوس، وكانت تعلِّم زوَّارها الحِلم والأناة، والرفق مع الآخرين، والبُعد عن القسوة والشدة.

كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن أعرابيًّا بال في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه – أي: ليدفعوه بالعنف – فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعُوه وأريقوا على بوله سَجْلاً من الماء؛ فإنما بُعِثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين). (صحيح البخاري:6128)

والمسجد مبعث النور في دنيا الظلمات الحالكة، ومصدر الحياة في بيداء الحياة الموحشة؛ فإنه يؤهل المسلمين للحياة النافعة الكريمة، ويحثهم على التقوى والتطهير، ويطالبهم ألا يدخلوه إلا بطهارة أبدانهم وقلوبهم، إنه: (لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ). (سورة التوبة:108)

والوصول إلى المساجد والحضور إليها أمر عظيم يوجب للإنسان المغفرة؛ فإن مَن يرتاد المساجد لأداء الصلوات لا بد لنا أن نشهد له بالإيمان؛ لأنه قال سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (سورة التوبة:18)، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فضل المعتاد إلى المسجد.

كما أن مَن يشق على نفسه للوصول إلى المسجد والحضور إليه لأداء الصلوات الخمس في الليالي الحالكة التي يصعب فيها الخروج من البيت بسبب الظلام، فإن الله تعالى لا يضيع أجره، بل إنه يأجره في الدنيا، ويعطيه يوم القيامة نورًا يمشي به؛ كما روى الترمذي أن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قال: (بشِّرِ المشَّائينَ في الظُّلَمِ إلى المساجدِ بالنُّورِ التَّامِّ يومَ القيامةَ).

ورجال الأمة كانوا يهتمون بالمساجد والحضور إليها في الأزمان الغابرة، بل كانت قلوبهم معلَّقة بالمساجد، يحضرون فيها لأداء الصلوات، وللاستماع إلى الدروس الإيمانية، ولإعداد النفوس للقاء الله جل وعلا، وللحصول على التربية الإيمانية، وكانت منابر المساجد يصعد إليها الأئمة الأعلام المتقنون في العلوم الإسلامية؛ حيث يُلقون إلى المخاطبين دررًا ثمينةً لتزكية نفوسهم.

ولكن حينما نتفقد اليوم أحوال الأمة الإسلامية في سائر بقاع الأرض، نجد أن المساجد أصبحت مهجورةً، وأصبحت تشكو من سوء أحوال المسلمين، الذين يقصِدون المقاهي والنوادي الليلية؛ ليقضوا فيها لياليهم الثمينة في اللهو واللعب، والنرد والقمار، ولا يأتون المساجد لعدم وجود دورات مياه حيث قضاء الحاجة والوضوء.

للأسف الشديد، فإن المساجد ما زالت تغلق وتقفل بعد أداء الصلوات المفروضة في كل البلاد الإسلامية وخاصة العربية وليس هذا فقط بل لم تزل دورات المياه الخاصة بالمساجد مغلقة وقد فتحت الدنيا كلها.

الناس يبحثون اليوم عن أماكن تطمئن إليها قلوبهم، وترتاح بها نفوسهم، ويقصدون إلى المتنزهات والحدائق؛ لكي يخفّفوا عن أنفسهم العبء الذي داخَلَ أرواحهم وضمائرهم، وآخرون يتوجهون إلى الأطباء لمعالجة قلوبهم، ولكنهم نسُوا اليوم أن الأرواح لا تجد راحتها إلا بالحضور إلى المساجد، والقلوب لا تطمئن إلا بذكر الله، لم يقرؤوا قول الله تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ). (سورة الرعد:28)

فالمسؤولية تقع على العلماء أن يؤكدوا للناس أهمية المسجد وفضله، ويسعوا لتفعيل دوره، ويقيموا فيه مجالس علمية وتربوية، ويدعوا الناس – وخاصة الشبابَ منهم – برِفق وهوادة، ويقدموا إليهم تعاليم الإسلام النقية الصافية بأسلوب يجذبهم إلى الدين، ويعيدوا إليهم الثقة بالإسلام وحضارته الخالدة.

فالمساجد تناديكم جميعًا أيها المسلمون أن سبب جُل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعانونها يرجع إلى عدم اهتمامكم بالمساجد، فتعالوا نعاهد الله تبارك وتعالى ألا نغفُل عن مساجدنا منذ اليوم، وأن نجعلها مراكز للإشعاع الديني، وللتربية الإيمانية كما كانت في الماضي.

فالمسجد يقوي وينمي الروابط والأواصر بين المسلمين، ويذيب الفوارق بينهم، فالحاكم يصلي بجوار المحكوم، والوزير بجوار الغفير، والمسجد يتعاون فيه المسلمون على البرّ والتقوى دون النظر إلى الفوارق الطبقية التي بينهم.

والمسجد مكان لقيادة الأمة، فزعماء الأمة الإسلاميّة كانوا دائمًا في زمان ازدهار الأمة الإسلاميّة، سواء أيام الرسول عليه الصلاة والسلام أو في أيام الخلفاء الراشدين، أو في أي عصر من عصور النهضة والحضارة الإسلاميّة كانوا دائمًا يرتبطون بالمسجد ارتباطًا قويًّا، إنها مأساة حقيقية ألا يدخل زعماءُ الأمة المساجد إلا في المناسبات.

وأَبَى الله إلا أن يخزي كل من تخلّى عن المسجد يخزيه في الدنيا، وعذاب الآخرة – لا شك – كبير عند الله لمن حرم الناس من المساجد.

إن سياسة الأمة الإسلاميّة كلها من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد ذلك كانت تُدار من داخل المسجد، فتسير الجيوش من داخل المسجد، وقرارات الحرب من المسجد، والمعاهدات من داخل المسجد، واستقبال الوفود في داخل المسجد، والقضاء في المسجد، مقرّ الحكم في الإسلام وبيت الحكم هو بيت الله.

والمسجد مكانً لإعلان أفراح المسلمين، فقد روى الترمذي بإسناد صحيح عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ).

كان المسجد مأوى للفقراء وعابري السبيل، وكان مكانًا لمداواة المرضى.

لذلك ينبغي أن تكون تربية المسجد تربية أساسية في إدارة كل الهيئات، لأن الذي لا يعرف لله حقه لن يعرف للخلق حقوقهم، الذي ليس له ضوابط من الشرع لن تكون هناك حدود لظلمه وفساده وضلاله في الأرض، الذي لا يعرف طريق المسجد لا يعرف طريق الحق والعدل والأمانة والشرف.

فمن يمنع بناء المساجد في الهيئات والمؤسسات داخل في الوعيد الذي ذكره الله تعالى في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). (سورة البقرة: 114)

هذا الذي منع الناس من تفعيل دور المسجد لم يؤثر فقط على المصلين في المسجد، بل أثَّر في المجتمع بكامله؛ لذلك عظّم الله من شأن هذه الجريمة.

بعد ذكر ما جاء في المسجد ودوره نتناول ما جاء في السوق وأحكامه.

السوق وأحكامه

أولا: تعريف السوق

جاء في معجم اللغة أنه موضع تُجلب إليه الأمتعة والسِّلع للبيع والابتياع.

ثانيا: سعة وسماحة الشريعة الإسلامية

إن شريعة الإسلام نظّمت شئون الحياة كلِّها، فما من شأن من شئون حياة الإنسان إلا وللشريعة فيه التعليمات الطيّبة والتوجيهات القيّمة؛ لتحوّل المجتمع المسلم في كل ميادين حياته لأن يكون مجتمعًا مرتبطًا بدينه.

ومن ذلكم شأن الأسواق، بيعا وشراءً، فإن شريعة الإسلام جاءت بالضوابط الشرعية والآداب المستحبّة والتوجيهات النافعة لمن يأتوا الأسواق، ومن يشتغلون فيها، ومن مِهْنتُهم البيع والشراء فيها.

لأن الأسواق من الأماكن البغيضة لله تعالي كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (أَحَبُّ البِلَادِ إلى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ البِلَادِ إلى اللهِ أَسْوَاقُهَا). (صحيح مسلم:671)

قال القاضي عياض يوضح لم كانت الأسواق كذلك: “لأنها مخصوصة بطلب الدنيا، ومخادعة العباد، والإعراض عن ذكر الله، ومظانِّ الأيمان الفاجرة”. (إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 647))

وقال الحافظ المناوي: “وحبه تعالى للبقاع وبغضه لها حبه لأهلها والساكنين بها، وبغضه لهم ولمن يلازمها”. (التنوير شرح الجامع الصغير (1/391))

وقال الملا علي القاري: “وهذا بطريق الأغلبية، وإلا فقد يقصد المسجد بقصد نحو الغِيبة، وقد يدخل السوق لطلب الحلال، ولذا قيل: كن ممن يكون في السوق وقلبه في المسجد لا بالعكس، والجمع بين القلب والقالب في المسجد أكمل. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (5/171)”. (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/591))

كان للعرب في جاهليّتهم أسواق كعُكَاظ ومِجَنّة وذي المَجَاز، فلما جاء الإسلام تحرّجوا هل يقيمون تلك الأسواق كما كانوا في الجاهلية؟ فأنزل الله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) (سورة البقرة: 198)، أي بالتجارة في الحج وغيره.

ولقد أثنى الله على رجال لم تكن الأسواق صادّة لهم عن ذكر الله، ولا مُلْهِية لهم عن طاعته، بل هم يزاولون البيع والشراء، ويؤمون الأسواق ويقيمونها، ولكنها لا تلهي قلوبهم عن ذكر الله، ولا تشغلهم الأسواق عن طاعة الله: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)). (سورة النور)

من علامة الرجال الربانيين أنهم ليسوا ممن يؤثر على ربه دنيا ذات لَذَّات، ولا تجارة ومكاسب، مشغلة عنه وهذا يشمل كل تكسب يقصد به العوض فهؤلاء الرجال، وإن اتجروا، وباعوا، واشتروا، فإن ذلك، لا محذور فيه، لكنه لا تلهيهم تلك، بأن يقدموها ويؤثروها على ذكر اللَّه.

ثالثا: آداب الأسواق في الإسلام

 1- مداومة ذكر الله، لأن السوق غفلة ولهو، والمسلم يذكر الله ليكون ذكره لله مصاحبًا له في أحواله كلها: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). (سورة الجمعة:10)

 والمعنى: أي اتركوا البيع، إذا نودي للصلاة، وامضوا إليها فإن (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) من اشتغالكم بالبيع، وتفويتكم الصلاة الفريضة، التي هي من أكد الفروض (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أن ما عند الله خير وأبقى، وأن من آثر الدنيا على الدين، فقد خسر الخسارة الحقيقية.

فليكن ذكر الله مصاحبًا لنا حتى في البيع والشراء، ولا تكن الدنيا مُلْهية عن طاعة ربنا.

2- إفشاء السلام، كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يأتي السوق، فقال له أحد أصحابه: “وما شأنك والسوق، لا تقف على السلع ولا تَسُوم؟! قال: آتي لأسَلّم، وليُرَدّ السلامُ عليّ”.

3- غضّ البصر عن الحرم، قال الله: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ). (سورة النور:30)

قال ابن جرير الطبري :يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) يكفوا من نظرهم إلى ما يشتهون النظر إليه، مما قد نهاهم الله عن النظر إليه (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) أن يراها من لا يحلّ له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) يقول: فإن غضها من النظر عما لا يحلّ النظر إليه، وحفظ الفرج عن أن يظهر لأبصار الناظرين؛ أطهر لهم عند الله وأفضل (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) إن الله ذو خبرة بما تصنعون أيها الناس فيما أمركم به من غض أبصاركم عما أمركم بالغضّ عنه، وحفظ فروجكم عن إظهارها لمن نهاكم عن إظهارها له.

والمرأة المسلمة، مأمورة بذلك أيضا، قال الله: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ). (سورة النور:31)

في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبه). (صحيح البخاري:6243)

4- أن تتقي المرأة المسلمة ربّها، فإن احتاجت النزول إلى السوق، فلتلزم الأدب والحِشْمة في ثيابها ومشيتها وحالها كله، ولتمتنع عن الطِّيب عند خروجها من بيتها كلية، ومتى انقضى الغرض المطلوب عادت المرأة إلى بيتها، قال الله: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (سورة الأحزاب: 33) ، أي لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات، كعادة أهل الجاهلية الأولى، الذين لا علم عندهم ولا دين، فكل هذا دفع للشر وأسبابه.

روى أصحاب السنن الأربعة إلا ابن ماجه بإسناد حسن عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ). (صحيح النسائي:5141)، وسبب ذلك أنها هيجت شهوة الرجال بعطرها وحملتهم على النظر إليها.

5- الرفق والسماحة بمن في السوق عامة وفي البيع والشراء خاصة، روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى). (صحيح البخاري:2076)

 قال ابن بطال: فيه: الحضُ على السماحة وحسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة والرقة في البيع، وذلك سبب إلى وجود البركة فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحض أمته إلا على ما فيه النفع لهم في الدنيا والآخرة.

6- الصدق والأمانة، روى أصحاب الكتب الستة عن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الْبَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لهما في بَيْعِهِما، وإنْ كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِما). (صحيح مسلم:1532)

7 – العدل وعدم التطفيف في الميزان، قال الله: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)). (سورة المطففين)

(وَيْلٌ) كلمة عذاب، ووعيد وفسر الله المطففين بقوله: (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) يستوفونه كاملا من غير نقص (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ) إذا أعطوا الناس حقهم الذي للناس عليهم بكيل أو وزن، (يُخْسِرُونَ) ينقصونهم ذلك، إما بمكيال وميزان ناقصين، أو بعدم ملء المكيال والميزان، أو نحو ذلك، فهذا سرقة لأموال الناس، وعدم إنصاف لهم منهم.

رابعا: حال النبي صلى الله عليه وسلم في السوق

 إن رسولنا صلى الله عليه وسلم كان يأتي الأسواق للتكسّب والبيع، ويراقب أسواق المسلمين، ويوجههم وينصحهم، ولذا عابه المشركون، ورأوا ذلك نقصًا في حقّه، فبرَّأه الله بقوله: (وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا). (سورة الفرقان:7)

وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئا نبه عليه وعلم برفق ولين، روى مسلم في صحيحه والترمذي في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا فقال: (مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي). (صحيح مسلم:102)

ومن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا يرفع صوته عما ينبغي، روى أحمد في مسنده والترمذي في سننه بإسناد صحيح عن أبي عبد الله الجدلي قال: سألت عائشة عن خلق رسول صلى الله عليه وسلم فقالت: “لم يكن فاحشا، ولا متفحشا، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح”.

فعلى البائع: أن يتق الله، ويراقبه في أحواله كلها، ويعلم بأن المال نعمة وهو ممتحن فيها فيلزم الصدق والأمانة ويحافظ على أمواله لأن المال أمانة ولقد ملكه الله إياه وهو أمانة عنده وتصرّفه في ماله لا يكون تصرفًا سليمًا إلا إذا كان وفق الشرع، فإن تصرّف في المال التصرّف السيئ كان وَبَالاً عليه.

سيُسأل كلٌّ منا عن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ تسأل عن طريق الاكتساب: أهي طرق شرعية، أم طرق خبيثة؟ تسأل عن طرق الإنفاق: أأنفقت هذا المال فيما يرضي الله، أم أنفقته في معاصي الله؟ هل كان إنفاقك في أعمال صالحة تبقى لك بعد موتك، أو أنفقته في أعمال سوء، تتحمّل الأوزار والآثام يوم القيامة؟

روي أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه عن خولة بنت ثامر الأنصارية رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ). (صحيح البخاري:3118)

وفي قوله: (يَتَخَوَّضُونَ) دليلٌ على أنهم يتصرفون تصرف الأغبياء الغير مبني على أصول شرعية، فيفسدون الأموال ببذلها فيما يضر، مثل من يبذل أمواله في الدخان، أو في المخدرات، أو في شرب الخمور، أو ما أشبه ذلك، وكذلك أيضا يتخوضون فيها بالسرقات، والغصب، وما أشبه ذلك، وكذلك يتخوضون فيها بالدعاوى الباطلة، كأن يدّعي ما ليس له وهو كاذب، وما أشبه ذلك فالمهم أن كل من يتصرف تصرفاً غير شرعي في المال – سواء ماله أو مال غيره – فإن له النار.

خامسا: أمور متعلقة بالبيع

لكن قبل ذلك ينبغي أن يُعلم بأن كثيرا من أخلاق أهل الإيمان قد تلاشت عند كثيرين في أبواب البيع والشراء، فأصبحت تجد المسلمين في بيعهم وشرائهم على أسوأ حالة، كثير من الناس اليوم تذهب بركة بيوعهم وشرائهم لأنهم أناس جشعون، إذا ذكر المال طار من ذهنه ذكر الجنة والنار، أصبحت لا تشعر بالصدق عند بيعك وشرائك.

اسمع هذه القصة لترى العجب في الصدق والأمانة والإخلاص في تبايع أولئك  في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى العَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى العَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الأَرْضُ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ: الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ قَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلاَمٌ، وَقَالَ الآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحُوا الغُلاَمَ الجَارِيَةَ وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا). (صحيح البخاري:3472)

انظر إلى حسن المعاملة، والأمانة من الطرفين، ماذا كانت النتيجة، لقد قرب ذلك البيع والشراء بينهما حتى أصبحا متصاهرين، وفي المقابل تأمل في العلاقة بين الباعة والمشترين في هذا العصر، منذ أول لحظة يطأ المشتري بقدمه المحل، والبائع يفكر كيف يضحك عليه، والمشتري يضع في حسابه أن هذا عدو له يريد نهب ماله، وعلى إثرها تكون طريقة المساومة بينهما، ثم إذا قُدر بينهما تبايع تنتهي العلاقة بعد أول خطوة يضعها المشتري خارج المحل.

ومن كبريات مشاكل أسواقنا: قلة فقه الناس بأحكام البيوع، ورحم الله ذلك الزمن الذي كان لا يبيع أحد في السوق إلاّ وهو متأهل في مسائل البيوع، عارف لأحكامه، وقد كان في بعض أمصار المسلمين يمر الفقهاء على أصحاب الدكاكين، ويسألونهم عن عويص المسائل والباعة يجيبون، والذي لا يجيب يعزل من السوق، ولا يُسمح له بالبيع، فماذا عساك أن تقول عن باعة هذا الزمان الذي لا أظن أنه سيجيب لو سألته عن أبسط مسائل الطهارة.

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا). (سورة النساء:29)

روى ابن ماجه في سننه بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ). (الصحيح المسند:390)

 فالرضى شرط من شروط البيع وتمامه، فلا يجوز غصب إنسان على بيع أرضه أو مزرعته، ولو حصل هذا فالبيع غير صحيح ومثل ذلك لو علمت أن هذا البائع باع عليك حياءً وخجلاً، أُحرج منك، فباع عليك، فلا يجوز لك أن تشتري لأنه غير راضي.

روى أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: (إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ) فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: (لاَ، هُوَ حَرَامٌ)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: (قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ).

أي مع انتفاع الناس بها فهي ميتة يحرم بيعها، ويستثنى من الميتة، السمك والجراد، فيجوز بيعها ولو ميتاً روى ابن ماجه بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ: الْحُوتُ، وَالْجَرَادُ).

وأن يكون البائع مالكا للسلعة التي سيبيعها، وفي قبضته وحوزته، أو في مستودعه، روى أصحاب السنن عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: يا رسول الله يأتينى الرجل فيريد منى البيع ليس عندى أفأبتاعه له من السوق؟ فقال: (لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ).

وأن يكون البائع قادرا على تسليمه، لأن ما لا يقدر على تسليمه، لا يصح بيعه، كبيع الطير في الهواء، والبيع في مثل هذه الحالة من الغرر والجهالة، روى أصحاب الكتب الستة إلا البخاري أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر”.

سادسا: من منكرات الأسواق

1- الكذب في الكسب والمرابحة: روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرارا، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: (الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ). (صحيح مسلم:106)

المنفق سلعته بالحلف الكاذب: الذي يحلف كذبا ليزيد ثمن السلعة يقول: والله لقد اشتريتها بعشرة، وقد اشتراها بأقل من ذلك.

2- إخفاء العيب الذي يعلمه في السلعة، ويجب على من عرف ذلك أن يخبر المشترى بكذبه، فإن سكت مراعاة للبائع، كان شريكا له في الخيانة، في الصحيحين عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، – أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا-، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا).

3-الشروط الفاسدة، واستعمال الربا: في الصحيحين من حديث عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ).

مثل بيع المحرم والملاهي والصور المجسمة، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). (سورة النور:19)

أي: الأمور الشنيعة المستقبحة المستعظمة، فيحبون أن تشتهر الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم موجع للقلب والبدن، وذلك لغشه لإخوانه المسلمين، ومحبة الشر لهم، وجراءته على أعراضهم، فإذا كان هذا الوعيد، لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة، واستحلاء ذلك بالقلب، فكيف بما هو أعظم من ذلك، من إظهاره، ونقله.

4- الأيمان الكاذبة في البيع والشراء بل أصل اليمين في البيع والشراء ينبغي تركه، هذا إن كان حقاً، فكيف إذا كان باطلاً قال الله: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). (سورة آل عمران:77)

5- النجش وهو: الزيادة في ثمن السلعة لا يريد شراءها لكنه يزيد لأمر آخر، في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا). (صحيح البخاري:6066)

بعد ذكر دور المسجد في التربية والتعليم والتهيئة وكسب الثقة وصناعة الأجيال من القادة والرادة في العلوم والسياسة   وسائر مجالات الحياة وحسن إدارة المال بالحرص على التجارة الحلال التي تعلن الحرب على الربا وسائر العقود الفاسدة والغش والخداع وتحرض على الصدق والورع وإخراج الزكاة وسائر اعمال الخير، اتضح لك العلاقة بين المسجد حيث العلم النظري وبين السوق حيث التطبيق العملي فالسبب المباشر في فساد السوق هو أن المسجد اليوم أصبح لا يؤدي دوره.

مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *