لم تمت الأمة ولكن لم يزل في البدن نبض ولربما عاد القلب وعادت له الحياة وهذا أملنا في الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء أن تدب الحياة في البدن الذي أرهقته المطامع.

نبض القلب
نبض ولربما عاد القلب

نبض ولربما عاد القلب

كنت في محاضرة في مسجد يلحق به عيادة طبية متطورة، وأثناء المحاضرة أتاني أحد الآباء وقال لي: إن لي طفلا صغيرا في الحضانة في أعلى هذا المسجد وفي حالة متأخرة ووضعوه على جهاز التنفس ولكني أريد أن أخلع عنه الجهاز لأن الناس رددوا أنه قد مات فهل يجوز أن أخلع الجهاز عن الولد؟

قلت له: لا أعطيك في هذا فتوى إلا إذا جئت لي بالطبيب المباشر للحالة، فأتاني بالطبيب المباشر للحالة قلت له: مثل هذه الحالات تعود أو لا تعود؟ قال لي: ربما تعود.

ثم قص علي قصة أنه كانت هناك حالة مشابهة لهذه الحالة والقائمون على الجهاز استطالوا المدة فخلعوا الجهاز عن الصغير ووضعوه على صغير مثله، قال: فأخذت الحالة على الفور إلى مستشفى آخر ووضعته على جهاز وباشرته بنفسي. قال: وبعد أسبوع عاد القلب كاملا، لذلك أخذت هذه القصة وجعلت منها العنوان (نبض ولربما عاد القلب).

الهزيمة النفسية

أخي الكريم، ما أبغض الاشاعات فقد أشاع الناس عن أمة الاسلام أنها ماتت اكلينيكيا ومن ثم يأسوا الناس، وقالوا إن مصر خربت ويأسوا الناس، وهذه الأحوال كلها تناقل الكلام دونما وعي يرهق ويقلق ويفزع، وهذا سلاح ينتصر به أناس على أناس وهو سلاح الهزيمة النفسية.

فلو رأيتك متمكنا في عملك ورأيت فيك النجابة وحسدتك على ما أنت فيه وعليه وأردت أن أوقفك حتى ألحق بك لا بد أن أرمي كلمة يحملها هذا ويحملها هذا حتى تصلك فإن وصلتك ولم تلتفت إليها سبقت وإن التفت اليها توقفت فلحقت بك ولربما سبقتك.

الطفيل بن عمرو الدوسي

المشركون في مكة أشاعوا كثيراً عن النبي ﷺ قالوا شاعر وكاهن وقالوا ساحر، أرادوا أن يصرفوا وجوه الناس عنه ﷺ ، كانوا يأتون في مواسم الحج والعمرة حيث الاجتماعات الضخمة فيكلمون القادمين إلى مكة احذروا فلان فإنه ساحر احذروا فلان فإنه يتكهن احذروا فلان فإنه شاعر.

ومن هذا القصص قصة الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه وهو تاجر من تجار اليمن وسيد من ساداتهم أتى مكة للتجارة والعمرة فجاءوه يا طفيل إياك وهذا الرجل، فانطلى عليه الكلام فعمد إلى قطن وملأ بالقطن أذنيه حتى لا يسمع.

ثم لما طاف حول البيت حدثته نفسه: يا طفيل انك امرؤ شاعر انك امرؤ عاقل انك سيد في قومك مطاع أينطلي عليك ما يقوله أهل مكة ماذا عليك لو جلست للرجل واستمعت منه.

فخلع ما فيه أذنيه وجلس أمام النبي ﷺ فقرأ عليه النبي ﷺ فآمن من توه وفوره وما زلنا للآن نقول رضي الله تعالى عنه، فأهل مكة استخدموا أسلوب الهزيمة النفسية السلاح النفسي المتمثل في الاشاعات ليبعدوا الناس عن رسول الله ﷺ.

اشاعات بعد الهجرة

بعد الهجرة من مكة للمدينة كانت المدينة مجتمعا مختلطا فيه ثقافات عديدة، لم يكن المسلمون أهل البلد إنما جاءوا وافدين من مكة فاتبعهم أناس وبقي أناس على ملتهم وبقي أناس لا على ملة ولا على دين.

فزادت الاشاعات في المدينة عن حدها لا أقول كل يوم ولا كل ساعة إنما أينما يممت وجهك تسمع اشاعة والقرآن الكريم قص علينا كل شئ.

في السنة الثانية من الهجرة أشاعوا بأن محمدا ﷺ ليس بنبي فقالوا: لو كان نبيا لما غير قبلته، والقرآن فيه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، فالقول هو اشاعة أرادوا بها أن يفرقوا الصف المسلم.

كذلك أشاعوا في المدينة أن النبي ﷺ طلق نسائه ونزل في هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.

كيفية التعامل مع الاشاعة

أرجع الأمر إلى أهله، تحقق في الخبر انظر من الذي تولى الاشاعة ومن الذي قال الكلام، وفي القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، التحقق أولا من الخبر ثم الذهاب إلى أهل العلم وأهل الفهم والاستنباط.

مقتل الرسول ﷺ

في غزوة حنين حالة الغزو أشاعوا مقتل النبي ﷺ قالوا: لقد قتل محمد. عند ذلك يأس المسلمون وتركوا أماكنهم وفروا فوقف النبي ﷺ يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب). فعادوا مرة ثانية.

مقتل عثمان بن عفان

كان السبيل إلى قتل عثمان بن عفان رضي الله باحداث الاشاعات بقيادة عبدالله بن سبأ اليهودي الذي أتى من اليمن إلى مصر ثم ذهب إلى الكوفة ودار دورته وأصبح له أتباع من كل جهة وما كانت وسيلتهم في الحياة إلا صناعة الأخبار فقط.

نهضة الأمة

فالأمة لم يزل فيها نبض والقلب سيعود ومصر لن تخرب والعمار سيأتي سيأتي لذلك ما عليك إلا أن تعتمد القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ مصدراً لحياتك، لا تمش إلا من خلال المصدر اعرض على القرآن والسنة أحوالك ما وافق فبه تمسك واثبت عليه وما خالف فاتركه واجعل ثقتك في الله واجعل يقينك في الله واعلم أن نصر الله قريب.

النبض موجود وسيعود القلب سيعود وما علينا إلا التحقق والتثبت من أي خبر وعلينا أن نرجع الأخبار إلى سنة الرسول ﷺ وعلماء الأمة وعلينا أن نحسن الظن في الخبر نحمله على الوجه الحسن: ﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾.

صلاح الأمة

أخي الكريم، عندنا في كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ أن أمتنا ستعود وستقود، والقرآن والسنة وحي، وفي سورة طه لما أهبط الله آدم وحواء عليهما السلام وأحبط معهما إبليس اللعين، قال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾.

فالله تعالى ينصر من نصره، وفي كتاب ربنا أن الفرج قادم وأن النصر آت وأن وعد الله لا يخلف والقيادة لهذه الأمة والمستقبل لها.

خير أمة

خيرية الأمة بالأمر والنهي قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.

ولكن أرباب الكراسي أرادوها بلا أمر ولا نهي فحذفوا هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضاعت العزة ونزل العقاب فطغى بنو علمان واستبيحت الحرمات وصمد الناس في المساجد يدعون بانفراج الغمة ولكن الله لم يستجب تحقيقا لما روى الترمذي في سننه برقم (2169) عن حذيفة بن اليمان ، عن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم). الحديث: صحيح.

وفي سنة النبي في سنن الامام الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره) والحديث حسن صحيح.

فالمطر عند نزوله يفرح به الناس ففي أوله رحمه في أوله خير تقبله الأرض وتبدأ الأرض تعشب وفي آخره كذلك خير، الأمة هكذا أولها خير وآخرها خير، الخير في الفئة الأولى قاله النبي ﷺ: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).

الخيرية المرادة في الرواية خيرية نشر الشريعة والدفاع عنها فلا يدرى أول الأمة خير في نشر الشريعة والدفاع عنها أم آخر هذه الأمة خير في نشر الشريعة والدفاع عنها.

بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا، والغربة ضعف، ولكن بعضهم يقول الغربة بمعنى عجيب بدأ عجيباً يتغلغل في النفوس وسينتهي كذلك عجيباً يتغلغل في النفوس.

ففي هذا مضمون أن آخر الأمة سيكون على صلاح كما كان الأولون، لذلك في الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي وعد الله وهم على ذلك).

وعد الله

وعد الله آت لا شك ولا ريب وآخر الأمة سيعود على ما كان عليه الأولون ولذلك أوصانا النبي ﷺ كثيراً بأن نتمسك بالدين ونعض عليه مهما كانت الأحوال وفي الحديث: (إن من ورائكم أيام الصبر للقابض فيها على دينه أجر خمسين شهيدا)، قالوا يا رسول الله منا أم منهم؟ قال: (بل منكم).

فمن يصبر على الدين حال غربته له أجر خمسين شهيداً من أصحاب النبي ﷺ ، وهذا يدل على أن المستقبل لهذه الأمة.

فالأمة إن أصابها الرهق وإن أصابها التعب وإن أصابتها الغيبوبة لكن الافاقة ستكون، كذلك مصر حرسها الله مهما شوش المشوشون وقالوا إنها خربت سيبقى العمار ما بقي الاسلام في هذه الديار.

مشاهدة نبض القلب

تشغيل الفيديو
التصنيفات: خطب الجمعة

التعليقات