تخطى إلى المحتوى

خطبة عن الحق والباطل

مشاركة:

خطبة عن الحق والباطل بعنوان (الحق والباطل وفاق أم صراع) للشيخ محمد نبيه يوضح فيها تعريف الحق والباطل ويذكر المثل والعاقبة لكل منهما.

خطبة عن الحق والباطل
خطبة عن الحق والباطل

الحق والباطل وفاق أم صراع؟

لا شك أن للحق في الإسلام منزلة كبرى، فمن أسماء الله الحق: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ) (سورة الحج:6)، والإسلام دين الحق: (تِلْكَ آَيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ). (سورة البقرة:252)

الحق هو معرفة حقائق الأشياء، وأسرارِ الوجود، وغايات الحياة، والباطل عكس ذلك.

الحق هو دستور العدالة الذي يوزع الحقوق والواجبات بالقسطاس، والباطل عكس ذلك.

والحق هو قانون الفضيلة التي تحكم الدوافع، وتضبط السلوك، وتسمو بالنفس وتهذب الفطرة والباطل عكس ذلك.

والحق كما تهدي إليه الفطرة السليمة هو الأمر الثابت الباقي، والباطل هو الزائل المتغير، فما كان من شأنه الثبات والبقاء هو (حق)، وما كان من صفته التلاشي والفناء فهو (باطل).

مثل الحق والباطل

إن الباطل كالرغوة المنتفخة، وكالزبد الرابي على سطح الماء يعلو قليلاً ثم يتلاشى ويختفي ولا يبقى إلا الماء الخالص والنبع الأصيل وهو الحق.

وإن الباطل كالخبث الذي يحجب المعدن الأصيل ولكنه يذهب ويبقى المعدن في نقاء وهكذا فالحق في بقاء والباطل في زوال.

وهذا مثل ضربه القرآن الكريم يصور لنا هذه الحقيقة أبدع تصوير: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ). (سورة الرعد:17)

الحق والباطل في القرآن

يصور القرآن الكريم الصراع بين الحق والباطل فنحس بأن الحق قذيفة إلهية تزلزل الباطل وتقضي عليه قضاءً مبرماً: (بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ). (سورة الأنبياء:18)

هذه هي السنة المقررة فالحق أصيل في طبيعة الكون، عميق في تكوين الوجود والباطل منفي عن خِلقة هذا الكون أصلاً، طارئ لا أصالة فيه ولا سلطان له، يطارده الله، ويقذف عليه بالحق فيدمغه، ولا بقاء لشيء يطارده الله، ولا حياة لشيء تقذفه يد الله فتدمغه.

طريق الحق مفروش بالأشواك محفوف بالمكاره، مليء بالمعوِّقات لذا كثير من الخلق يكرهون الحق لأنهم يتذوقون مرارة دوائه، ولا يفكرون في حلاوة شفائه ويحبون الباطل لأنهم يستلذون بطعمه، ولا يبالون بسُّمه والذين يحاربون الحق لا يجهلون أنه الحق.

ولقد أكد القرآن هذه الحقيقة: (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ). (سورة الزخرف:78)

العاقبة للحق في الدنيا والآخرة

من تأمل التاريخ وجده قصة صراعٍ بين الحق والباطل، تنتهي بانتصار الحق وإن طال الأمد وتلك سنة الله في أرضه ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

وهذه قصة موسى وفرعون مثل واضح لذلك: فقد انتفش الباطل، وسحر العيون، واسترهب القلوب، وخيلَ إلى الكثيرين أنه غالب! وما هو إلا أن واجه الحق الواثق، حتى انطفئ كشعلة الهشيم، وإذا الحق راجح الوزن، ثابت القواعد، عميق الجذور.

(فَوَقَعَ الحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ(119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ(120) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ(121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ(122)). (سورة الأعراف)

إنها صولة الحق في الضمائر ونور الحق في المشاعر، ولمسة الحق للقلوب المهيأة لتلقي الحق.

ويوم بدر نصر الله الحق وثبته، وهزم الباطل وأزهقه.

وقد بيَّن الله ذلك في سورة الأنفال: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ(5) يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ(6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ(7) لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ(8))

وفي فتح مكة دخل النبي صلى الله عليه وسلم ظافراً وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يطعنها بعود في يده فما بقي منها صنم إلا خرَّ لوجهه وهو يقول: (وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (سورة الإسراء:81)، (قُلْ جَاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ البَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ). (سورة سبأ:49)

عاقبة الباطل في الآخرة

يكون العقاب الأشد الأكبر الذي يبدأ منذ فترة الموت (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ). (سورة الأنعام:93)

وفي الآخرة يقضي الله تعالى بين عباده بالحق، فيجزي كلَّ نفسٍ بما كسبت، ويكافؤها بما عملت (وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ(70)). (سورة الزمر)

فالحق ينفع من اتبعه في الدنيا وفي الآخرة، أما الباطل فإنه ضارٌ بأهله في الدنيا والآخرة: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ). (سورة الأحقاف:34)

أيها المسلمون: اثبتوا على الحق، واحملوا لواء الدعوة إليه، واعتزوا به، وانتصروا له، واحتملوا الأذى في سبيله، تشبثوا بالحق، ولا تصرفنَّكم عنه مغريات الدنيا ولا مخاوفها، ولا يستهوينكم الباطل بزخرفه وغروره ومغرياته فإذا جاء اليوم الحق أفلح أهل الحق وخسر هنالك المبطلون (وَاللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ). (سورة الأحزاب:4)

حراسة الحق وبقاؤه

التشريع للحياة البشرية يتولاه الله الذي يدير الكون وينسق أجزاءه ولو خضع الكون للأهواء المتعارضة والرغبات الطارئة لفسد الكون ولفسد الناس معه، ولفسدت القيم والأوضاع، واختلت الموازين والمقاييس.

وهذا الدين الحق لا يقوم إلا في حراسة جماعة مؤمنة متعاونة متواصية، متكافلة، متضامنه ولابد من وجود هذه الجماعة التي تستمسك بالحق وتدعو إليه كما يقول سبحانه: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ). (سورة الأعراف:181)

فهم دعاة إلى الحق لا يسكتون عن الدعوة به وإليه، ولا ينزوون بالحق الذي يعرفونه ولكنهم يهدون به غيرهم ويتجاوزون معرفة الحق والهداية به إلى تحقيق هذا الحق في حياة الناس في تصوراتهم الاعتقادية وفي شعائرهم التعبدية وفي حياتهم الواقعية، وفي أخلاقهم وسلوكهم، ومناهج تفكيرهم وثقافاتهم وبهذا كله يوجه الحق في حياة الناس.

ولقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لابدَّ من بقاء طائفة من أمته على الحق، ينصرونه ويرفعون لواءه مهما تكاثر أهل الباطل، وتظاهروا على محاربة الحق.

روى أبو داود والترمذي قال صلى الله عليه وسلم: (لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي علَى الحقِّ ظاهرينَ لا يضرُّهم من خذلُهم حتَّى يأتيَ أمرُ اللَّهِ). (صحيح الترمذي:2229)

فجندي الحق لا يضيره أن يقف في الميدان وحده، يصارع الباطل بعدده وعدته، ويتحدى الباطل بسلطانه وجبروته، فإن عاش عاش بالحق سعيداً، وإن مات مات في سبيله شهيداً.

إن الله سبحانه يداول الأيام بين الناس، تربيةً لأهل الحق، وتمييزاً لهم، وليبتلي الله ما في صدورهم، وليمحص ما في قلوبهم ولكن العاقبة دائماً لأهل الحق.

ولقد يخيل للناس أحياناً أن واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشاً كأنه غالب، ويبدو فيها الحق منزوياً كأنه مغلوب.

وما هي إلا فترة من الزمان للفتنة والابتلاء والمؤمنون بالله لا يخالجهم شك في صدق وعده، وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه.        

فالباطل قد يظهر حيناً ولكن في غفلة الحق، غير أنه لا يدوم طويلاً، ولا يستمر على ظهوره كثيراً فدولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة.

وإن صولة الحق في ساعات تقضي على انتصار الباطل في سنوات.

فلابد أن يأتي اليوم الذي يزهق فيه الباطل وتزول دولة الضلال أمام عسكر الحق الزاحف المنتصر  الذي يكشف الباطل ويدمغه ويمحوه كما يمحو الصبح سوادَ الظلام.

وفي هذا يقول الحق سبحانه: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَّامُ الغُيُوبِ). (سورة سبأ:48)

حوار بين الحق والباطل

قال الباطل: أنا أعلا منك رأساً، قال الحق: بل أنا أثبت منك قدماً.

فقال الباطل: أنا أقوى منك، قال الحق: بل أنا أبقى منك.                    

قال الباطل: أنا معيِ الطغاة والظالمون والأقوياء والمترفون.                       

قال الحق: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ). (سورة الأنعام:123)

فقال الباطل: أستطيع أن أقتلك الآن.

فقال الحق: ولكن أولادي سيقتلوك ولو بعد حين.

مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *