بعد الانتهاء من تفسير سورة المجادلة من سلسلة تفسير العُشر الأخير يشرح فضيلة الشيخ محمد نبيه تفسير سورة الحشر فيوضح تعريف سورة الحشر وسبب نزولها ويكمل شرح الآيات.

تفسير سورة الحشر
تفسير سورة الحشر

تعريف سورة الحشر

تفسير سورة الحشر يبدأ بذكر تعريفها وهي سورة مدنية نزلت بعد غزوة بدر في مدينة رسول الله ﷺ بعد الهجرة وعدد آياتها أربع وعشرون آية.

سبب تسمية سورة الحشر

سميت بالحشر لما ذكر فيها من قصة الحشر من اجلاء الرسول ﷺ بني النضير من بيوتهم وأملاكهم لأول الحشر، وتسمى أيضاً بسورة بني النضير لأنها نزلت بسببهم.

الحشر

الحشر يطلق ويراد به معاني يراد به الجلاء ويراد به اسم موطن في بلاد الشام والذي يكون فيه أرض المحشر يوم القيامة كما أخبر النبي ﷺ.

سبب نزول سورة الحشر

سبب نزول سورة الحشر هو غدر يهود بني النضير ونقضهم عهدهم مع رسول الله ﷺ حيث خططوا لاغتياله وقتله بالاتفاق مع أهل مكة الذين أصابهم الحنق وامتلأت قلوبهم بالحقد وعضوا أناملهم من الغيظ بعدما هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة.

ما كانت قريش تحب أن يترك رسول الله ﷺ وأصحابه مكة لأنه بتركهم مكة فضحت قريش بين قبائل العرب، لذلك لما تمت الهجرة ما كان من أهل مكة إلا أن كتبوا مكتوبا وأرسلوه مع أحدهم لسكان المدينة من غير المسلمين.

فكتبوا إلى يهود بني النضير إن لم تخلوا بيننا وبين ابننا سنعلن حربكم. أي إذا جاءوا إليكم أعيدوهم وإلا قاتلناكم. فكانوا يهددون أهل المدينة من اليهود ومن ثم اشتركت معهم اليهود في أن يخرجوا رسول الله ﷺ.

قصة بني النضير

بعد غزوة بدر وانتصار المسلمين قالت بني النضير هذا هو النبي بحق فالأنبياء هذا شأنهم، وبعد غزوة أحد قالوا ليس بني لو كان نبياً ما هزم.

بعدها ذهب كعب بن الأشرف إلى مكة ومعه وفد من يهود بني النضير ليتفقوا مع أهل مكة على النبي ﷺ فعلم النبي ﷺ بأمره.

ثم ذهب رسول الله ﷺ بعدها لبني النضير في محلتهم يستعينهم في دية رجلين قتلهما رجل وهذا كان من البنود المتفق عليها في الميثاق. فقالوا: يا محمد نعم المجئ جئت، ثم قالوا: انتظر ساعة حتى نقدم لك طعاما. وبعدما أجلسوه بنية أن يصنعوا طعاما أشار بعضهم لبعض إشارة فيها خيانة بأن يقتلوا رسول الله ﷺ.

فأتى جبريل للنبي ﷺ فأخبره الخبر وكان مع النبي ﷺ أبو بكر وعمر وسعد بن عبادة وغيرهم فقام النبي ﷺ مسرعا وحده فقالوا: لعله يرجع. فذهب ولم يرجع ثم آذن بني النضير بما كان من أمر خيانتهم فتحصنوا في حصونهم واعتقدوا اعتقادا جازما أن أحداً لن يقدر عليهم حتى المسلمين لم يتسرب لهم الشك في أن يقدروا عليهم لما تحصنوا في الحصون.

حصار بني النضير

فلما تحصنوا في الحصون خرج النبي ﷺ لهم مشاة بجيشه ثم دخلوا وحاصروا الحصون وأمر النبي ﷺ أصحابه من باب الكيد للعدو بأن يشعلوا النار في أموال اليهود عساهم إن رأوا ذلك خرجوا من حصونهم.

فكان بعض الصحابة الكرام أشعل النار في نخيلهم وبعضهم ترك، الذي أشعل النار أشعلها كمكيدة لعدوه حتى يجبره على الخروج من حصنه، والذي تركه تركه على أنه إن خرج اليهود سيبقى للمسلمين مالا. والله تبارك وتعالى ما عاب على من حرق ولا على من ترك لذلك قال الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾.

فألقى الله الرعب في قلوب اليهود فخرجوا مستسلمين، ومن ثم أذن لهم النبي ﷺ أن يخرجوا بدوابهم يحملون عليها أمتعتهم ويتركوا السلاح فقط. فعمدوا إلى بيوتهم فنقضوها بأيديهم وحملوا ما استطاعوا أن يحملوه من بيوتهم على دوابهم ثم تركوا بقية أموالهم كفئ عاد على المسلمين.

وخرجوا بأحمالهم وتركوا أسلحتهم إلى الشام التي هي أرض الحشر وبقي منهم فلول اختبأوا في الجبال ومن ثم تم اجلاء يهود بني النضير وفيهم نزلت السورة.

الفرق بين الفئ والغنيمة

الغنيمة هي ما يتحصل عليه المسلمون بعد الحرب من مال عدوهم وللغنيمة أحكام وضحتها سورة الأنفال. أما الفئ فهو ما تحصل عليه المسلمين من عدوهم دونما قتال.

وتقسيم الفئ يختلف عن تقسيم الغنيمة لذلك قال الله تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

وآخر الآية فيه اعلان الاستسلام والانقياد لأوامر النبي ﷺ إن قال يمنة فيمنة وإن قال يسرة فيسرة وإن قال توقف فتوقف، وفيها أن السنة النبوية وحي كما أن القرآن وحي، فواجب على الأمة أن تتبع رسولها ﷺ إن قال أو فعل أو أقر.

روي أن ابن مسعود رضي الله عنه قرأ يوما على الناس حديث النبي ﷺ: (لعن الله النامصة والمتنمصة والفالجة والمتفلجة والواشمة والمستوشمة). فبلغ كلام ابن مسعود امرأة فجاءته فقالت: أنت الذي قلت هذا؟ قال: نعم. قالت: فإني قرأت ما بين دفتي المصحف فلم أجد هذا الحكم في القرآن.

فقال لها ابن مسعود: أوقرأت كتاب الله كله؟ قالت: نعم: قال: أوما قرأتي قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قالت: نعم قرأتها. قال: وهذا مما أتانا به رسول الله ﷺ وأمرنا به. فآمنت بقول النبي ﷺ وفهمت بعد سوء فهم.

لذلك في الآية تهديد شديد لما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، أي خافوا لقاء الله فأطيعوا رسوله ﷺ خذوا ما جاءكم به وكفوا عما نهاكم عنه وإلا فشدة العقاب تتنظر المخالف.

صفات المهاجرين والأنصار

﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

في الآيتين مدح للمهاجرين والأنصار، مدح الله المهاجرين فوصفهم بست صفات ومدح الله الأنصار بست صفات أُخر.

صفات المهاجرين

وصفهم الله تعالى بالفقر والهجرة وأنهم هاجروا بعدما أخرجوا من ديارهم ثم أخرجوا من أموالهم وأخرجوا وهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله وهم الصادقين.

المهاجرون هم الذين أخرجوا من مكة من أموالهم ومن بيوتهم بسبب توحيدهم لله رب العالمين، لما عبدوا الله ووحده وأطاعوا رسوله ﷺ ما كان من أهل مكة إلا أن آذوهم وكادوا أن يفتنونهم عن دين الله تبارك وتعالى.

فباعوا الدنيا كلها واشتروا ما عند الله رب العالمين، تركوا البيوت والأموال وخرجوا لنصرة الله ورسوله ﷺ يبتغون فضلا من الله ورضوانا وعلم الله الصدق من نواياهم فقال أولئك هم الصادقون.

وفي الآية إفادات أعظمها أن من ترك شيئاً لله عوضه الله، تركوا ديارهم وأموالهم لنصرة الاسلام، فعوضهم الله تعالى تعويضا لا مثل له فتح عليهم الدنيا وأعطاهم ثواب الآخرة.

صفات الأنصار

ثم ذكر الله تعالى مدائح الأنصار حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

التبوء هو الاستقرار والتمكن، أهل المدينة استقروا في المدينة قبل هجرة النبي ﷺ إليها.

كيف دخل الاسلام المدينة؟

دخل الاسلام المدينة سنة احدى عشر من بعثة النبي ﷺ عندما سمعت مجموعة من أهل يثرب من رسول الله عندما كان يتلمس ﷺ مواطن التجمعات يخطب الناس ويدعوهم إلى عبادة الله الواحد. فقالوا: دعنا نأتي أهلنا فنخبرهم بما جئت به ثم نأتيك من عام قادم. فذهبوا وهم يحملون الخبر ولم يسلموا فلما ذهبوا وعرضوا على أقوامهم أسلموا وجاءوا في العام القادم اثنتي عشر نفساً ولقبوا بالنقباء من بعدها.

أسلموا وبايعوا النبي ثم عادوا وقالوا أرسل معنا من يعلمنا فأرسل ﷺ أول سفير له وكان أول سفير في الاسلام هو مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى يثرب ليعلم الناس. في سنة واحدة أسلم أناس كثيرون من استطاع منهم أن يأتي للحج في العام القادم أتى ثنتون وسبعون نفساً وامرأتان جاءوا فأسلموا وبايعوا النبي ﷺ.

ثم أذن لهم النبي في العودة إلى بلادهم فعادوا وأقاموا الجمعة قبل أن تقام في مكة أقيمت في المدينة، وبنوا في المدينة مسجداً وكانوا يجمعون الناس فيه ويصلون الجمعة وكان يخطب لهم أسعد بن زرارة رضي الله عنه وأرضاه.

ومن ثم ﴿ تَبَوَّءُوا﴾ يعني استقروا وتمكنوا، والدار هنا هي دار الهجرة وهي المدينة.

﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ يعني ما ضاقوا ذرعاً بمن جاءوهم مهاجرين بل أحبوهم وعاملوهم بالحب، فالمهاجر ترك أرضه وماله وأتى المدينة فما كان من أهل المدينة إلا أن آووهم وشاطروهم أموالهم.

﴿ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ فإن أعطى يعطي بطيب نفس وخاطر طيب، يعطي برضا.

كرم أهل المدينة

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ جاء في سبب نزولها في الصحيحين أن ضيفاً ألم بالنبي ﷺ فأخذه رسول الله وطاف بضيفه على بيوته التسع فلم يجد في بيوته ما يطعم به الضيف، وهو أكرم الأكرمين من البشر وأجود الأجودين من خلق الله.

فأخذ ضيفه وذهب به إلى المسجد ثم قال لأصحابه: (من منكم يذهب بضيف رسول الله؟) فوقف إليه ثابت بن قيس بن الشماس وكان لا يسمع كثيراً وقال: أنا له يا رسول الله.

فأخذه وذهب به إلى بيته ولما دخل بيته سأل امرأته: ما عندك؟ قالت: ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فعلليهم. فعللتهم حتى ناموا، قال: قومي وقدمي الطعام ثم قومي للسراج لتصلحيه فأطفئيه ثم اجلسي معنا ومثلي أنك تأكلين ولا تأكلي. فجعلت تضرب بيدها في الصحفة ويضرب هو الآخر بيده في الصحفة حتى أكل الضيف وشبع فأتى جبريل عليه السلام رسول الله وقال: يا محمد الحق يقرئك السلام ويخبرك أنه أعجب بصنيع صاحبك مع ضيفه البارحة.

ومن ثم قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فنزلت هذه الآية كبشارة لهذا الصحابي ولزوجته ومدحة لجميع الأنصار.

من هم الصادقين ومن هم المفلحين؟

حكم الله للمهاجرين بكونهم صادقين وحكم للأنصار بكونهم مفلحين. ولما مات النبي واختلف الصحابة فيمن يتولى الأمة بعد النبي، طمع أهل المدينة في الأمر وطمع المهاجرون في الأمر وكادوا أن يقتتلوا فهيئ الله للأمة أبا بكر رضي الله عنه.

فأتى إلى سقيفة بني ساعدة وخطب الناس وثبتهم ثم بين أبا بكر للأنصار فقال: إن الله سمانا بالصادقين وسماكم بالمفلحين، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.

ولو كان لكم في الأمر لما وصى بكم رسول الله، والنبي ﷺ قال في الحديث: (الإمارة في قريش فمنا الأمير ومنكم الوزير) فارتضى الناس حكم أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه لما استدل بهذه الأدلة القوية. فانصاع الأنصار في طاعة أبي بكر وكان الأمر في المهاجرين.

أدب اللاحق مع السابق

بقي بعد ذلك الفريق الثالث وهو الموجود في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.

هذا الفريق هم الذين جاءوا من بعد أصحاب النبي ﷺ، نحن ومن سبقنا نندرج تحت هذه الآية، لذلك عقد الولاء الذي بين المؤمنين بعضهم مع بعض يستلزم أن يدعوا المؤمن لكل المؤمنين، والله قال في كتابه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.

ولذا تجدنا في صلواتنا في التشهد نقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. تدعوا لنفسك بالسلامة وتدعوا لجميع الصالحين من ذرية آدم كذلك بالسلامة، تسلم على نفسك وعلى الصالحين من خلق الله، هذا الأصل في أدب اللاحق مع السابق.

فمن أدب اللاحق مع السابق أن يترضى على من سبق وأن يسأل الله تعالى لهم الرحمة. لكننا في هذه الأيام عندنا ظاهرة غير طيبة وهي لعن اللاحق للسابق، وهذا ليس من سبيل رسول الله في شئ.

وفي الآية جواز التصدق عن الغير، إن كان أخاً أو صاحباً أو غير أخ أو غير صاحب، يجوز للإنسان منا أن يخرج عن غيره صدقة وريع هذه الصدقة يصل إلى غيره وله مثله دون أن يُنقص أحدهما من الآخر شيئاً.

والله تعالى يقول: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، فالدعوة للغير صدقة. والعلماء الكرام فرعوا من هذه تفريعات كثيرة حتى وصلوا وقالوا: لو أن ميتاً مات وعليه صيام وليس له أحد من أهله يصوم عنه وأراد أصحابه أن يتكفلوا بالصيام عنه يجوز. وإن كان على الميت ديون وأهله فقراء وأراد أصدقاءه أن يتكفلوا بالديون يجوز.

﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ينزع الله تعالى من قلوب أهل الجنة الغل، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾.

لذلك عندما يدعوا المؤمن هذا الدعاء ويجعل في دعاءه ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، كأنه يدعوا لنفسه بالجنة، لذلك ينبغى عند قراءة القرآن أن نتدبره وأن نعي مراد الله تبارك وتعالى.

الغل

اعلم أن الغل إذا سكن الصدر حجب صاحبه عن السماء بل وحجب صاحبه عن جنة الرحمن تبارك وتعالى.

والنبي ﷺ كان مع أصحابه الكرام فقال لأصحابه: سيخرج عليكم رجل من هذا الفج (الطريق) هو من أهل الجنة. فالتفت الصحابة الكرام إلى الطريق ينظرون من سيخرج فخرج عليهم رجل. في اليوم الثاني قال ﷺ: سيخرج عليكم من هذا الفج رجل هو من أهل الجنة. فتلقفوا الطريق بأبصارهم فكان الرجل هو الرجل. وفي اليوم الثالث قال النبي ﷺ مثل مقولته في المرتين فكان الرجل هو الرجل.

فتبعه عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، ثم تصنع وطرق عليه الباب ودخل كضيف في داره وما هدفه من الضيافة أن يتحصل على واجب الضيافة، إنما جلس في بيته كضيف ليتابع حال الرجل ليعرف ما الذي أدى به إلى هذه البشارات الثلاثة؟

ثم في آخر مطافه أخبره عبدالله أنه ما نزل عليه ضيفا إلا ليعرف حاله فما رآه يزيد على صلاته شيئاً ولا يزيد عما يفعلون شيئا، فقال: عجبت لك بشرك النبي ﷺ بالجنة مرة بعد المرة فقلت آتي إليك فأعرف، قال: ما أصنع إلا ما رأيت غير أني إذا ذهبت إلى فراشي ذهبت وليس في قلبي غل ولا حسد على مسلم.

نزع الغل

إن استطعت أن تبيت خالي القلب من الغل والضغينة والحسد فأنت على خير، ولو جاء الموت أحدنا وهو على هذه الحالة عُجل به إلى جنة الله تبارك وتعالى.

لذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، يعني اجعلنا من أهل الجنة لأن أهل الجنة نزع الله ما في قلوبهم من غل.

قصة المنافق واليهودي

بعد ذلك ذكر الله تعالى قصة المنافق واليهودي، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾.

قصة المنافق واليهودي هي نفس القصة كقصة الشيطان مع ابن آدم، اليهود لما غدروا ونقضوا عهودهم مع النبي ﷺ وخافوا على أنفسهم وعلم المنافقون هذا سبق أهل النفاق إلى اليهود وقالوا لهم: نحن في ظهوركم لا تخشوا بأس محمد ومن معه، إن أتاكم ليخرجكم لا تخرجوا، وإن أتاكم يحاربكم سنقف معكم ضد محمد.

ومن ثم أهل النفاق لما ذهبوا وقدموا هذه المعونة لليهود تمسك اليهود بما هم عليه وتمنعوا في حصونهم وتحصنوا وما أرادوا أن يخرجوا أبدا ظنا منهم واعتقادا أن المنافقين سيقفون معهم وينصرونهم لكن سرعان ما ألقى الله الرعب في قلوب اليهود وتخلى عنهم المنافقون وأسلموهم إلى مصيرهم.

لذلك ذكر الله تعالى توصيفا دقيقا لحال المنافق واليهودي، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (12) لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (13)﴾.

اليهودي والمنافق يخافوا المسلم أكثر من خوفهم من الله لأنهم لا يؤمنوا بالله، إيمان المنافق ليحفظ دمه وعرضه وماله، لا يؤمن مخافة من لقاء الله يوم القيامة ولا طمعاً في جنة الله.

والكافر من أهل الكتاب ادعى لله الولد ووصف الله بالبخل ووصف الله بالعجز ومن يخاف الله ويؤمن به لا يصفه إلا بما وصف به نفسه سبحانه، لذلك هم يخافون المسلمين أشد من خوفهم من رب العالمين.

حال أعداء المسلمين

﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾.

أخبرك الله وأطلعك على حال عدوك، عدونا لا يقوى على المجابهة، ما جابه اليهود رسول الله في حرب وانتصروا فيها أبدا. ومن بعد النبي بدأت اليهود تشتغل على المسلمين بالدسائس لا بالمواجهة، بتخريب الفكر تارة وبالمسابقات التي لا تسمن ولا تغني من جوع وتهدر فيها الأموال، حتى هيمنوا على أحوال المسلمين فخافهم المسلمون.

والنبي بين في الحديث أن المسلم سيخلع ثوب العزة وسيلبس ثوب الذل، قال ﷺ: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها). قالوا: يا رسول الله أومن قلة نحن يومئذ؟ قال: (لا بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن). قالوا: وما الوهن؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت).

قصة الشيطان والراهب

﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17)﴾.

في كتب التفسير قصة تحت هذه الآيات وهي أن ثلاث رجال من الأمم الماضية كانت لهم أخت وكان لهم شأن في خارج بلدهم غير أن أختهم ألم بها مرض فرأوا أنهم إن اصطحبوها معهم عطلتهم عن حالهم فقالوا نتركها ولكن نتركها عند من؟ فنظروا في القرية فلم يجدوا إلا راهبا استأمنوه على أختهم.

والراهب هو إنسان يتعبد في صومعة بعيدا عن الناس فأتوا الراهب وقصوا عليه شأنهم وقالوا إن أختنا عندك قم عليها إن ماتت ادفنها وإن عاشت قم عليها واسعى في علاجها.

فأخذها منهم كأمانة ثم اجتهد هذا الراهب في علاجها فعالجها فلما عالجها وشفيت وبرأت من علتها طمعه الشيطان في القرب منها فلما اقترب منها طمعه الشيطان في أنه فعل فيها الفاحشة.

فلما فعل فيها الفاحشة خوفه الشيطان الفضيحة ثم أوعز إليه بقتلها حتى لا يعلم أحد نبأه فقام فقلتها ودفنها، ثم من بعدها ذهب الشيطان في المنامات لإخوتها الثلاثة وبدأ يقلقهم في مناماتهم حتى رجعوا وسألوا الراهب عن أختهم فأخبرهم أنها قد ماتت وقام على دفنها.

فما زال الشيطان بالثلاثة وبالراهب حتى خوف الراهب وقال له: أنت قتلتها وسيعلم أخوتها أنك قتلتها فيقتلوك، أدلك على شئ إن فعلته أنجيتك من مكر الثلاثة، قال: وما هو؟ قال: تسجد لي سجدة، إذا سجدت لي سجدة أنجيتك من مكر الثلاثة، فسجد الراهب للشيطان سجدة، فوقف الشيطان وقال: إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين.

فالزنا معصية يغفرها الله، والقتل كذلك معصية، لكن السجدة لغير الله كفر، فما زال الشيطان بالراهب حتى كفره، أسجده لغير الله، وضُرب المثل حتى يتعظ المسلمون من حال أهل النفاق واليهود فمثل أهل النفاق مع اليهود مثل الشيطان مع ابن آدم.

لذلك عاقبة الذي ضحك الشيطان عليه ولعب به وأوقعه في الكفر ومات على هذا أنه خالدا في النار كما قال تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾.

مشاهدة تفسير سورة الحشر


الشيخ محمد نبيه

أبو عرفات محمد بن نبيه بن علي ضيف الله، من مواليد جمهورية مصر العربية، خريج كلية أصول الدين شعبة الدعوة الإسلامية، ويعمل واعظا بالأزهر الشريف.

التعليقات