تخطى إلى المحتوى

خطبة عن الفرج بعد الشدة

مشاركة:

خطبة عن الفرج بعد الشدة بعنوان “الأرج في حصول الفرج” للشيخ محمد نبيه يوضح فيها أسباب ومفاتيح الفرج وفوائد الشدائد وأهمية الصبر وفوائده.

خطبة عن الفرج بعد الشدة
خطبة عن الفرج بعد الشدة

مقدمة الخطبة

أرج: اسم والجمع آراج وهي الرائحة الفياحة.

اعلم باركك الله: أن الاضطرار سنة الله في خلقه ولذا فالدنيا لا تدوم على حال أبداً، و صدق الله العظيم (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ). (سورة آل عمران:140)

انظر إليها رعاك الله: فقر وغنى، صحة ومرض، بلاء وعافية، عز وذل، هذا مصاب بالعلل والأسقام وذاك يخرج من مرضه سليماً معافى، هذا مصاب بعقوق أبنائه، وذاك مصاب بسوء خلق زوجه، وآخر مصاب بفقد ماله، وآخر مصاب بسوء أخلاق جيرانه، وهكذا، سلسلة من الآلام والأحزان والمصائب لا تنتهي لكن هل يستفيد الناس منها ويتفكروا فيها ويتدبروا فيما يزيلها.

العبد في هذه الحياة لا يخلو من حالين: إما حصول محبوب أو وقوع مكروه، فالمؤمن الصادق يقابل المحبوب بالشكر، والمكروه بالصبر.

عبد الله: مهما عظمت مصيبتك، وكبر همك، وازداد غمك، فاعلم أن مع العسر يسرا، ومع الكرب فرجا.

يخرج صلى الله عليه وسلم من مكة بعد أن أخرجه قومه منها وحاولوا قتله؛ يخرج متخفياً مع صاحبه والقوم يشتدون في طلبه، وتتجمع العرب قاطبة على النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه في المدينة تستهدف استئصالهم والقضاء عليهم، وينقض اليهود من داخل المدينة عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشتد الأمر والكرب.

لكنه الإيمان الراسخ كالجبال الشم الراسيات بأن مع العسر يسراً، وأن مع الخوف أمناً، وبعد الذل غلبة ونصراً؛ هكذا هو حال المؤمن الموحد الذي يثق بأنه لا مدبر لهذا الكون سوى الواحد الأحد؛ الذي لا تخفى عليه خافية (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)) (سورة الشعراء)، يبتلي عباده بالسراء والضراء.

آيات الفرج وتيسير الأمور

جعل الله لنا في القرآن أمنا وطمأنينة من كل هم وحزن، وفي القرآن الكريم هدي وشفاء لكل ما يصيب النفس من ألم من مشاق الدنيا ومتاعبها، وعلى كل صاحب هم وكرب، أن يلجأ إلى كتاب الله عز وجل ويتدبر فيه، ويتصبر ويعتبر من قصصه.

فقد جعل الله لنا في بلاء الأنبياء والصالحين موعظة وعبرة، وشفاء لما في الصدور، كما جاء في قوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا). (سورة الإسراء:82)

آيات تفريج الهم والحزن من سورة الفاتحة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)). (سورة الفاتحة)

آيات تفريج الهم والحزن من سورة البقرة: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ). (سورة البقرة:255)

(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)). (سورة البقرة)

(الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). (سورة البقرة:156)

آيات تفريج الهم والحزن من سورة آل عمران: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ). (سورة آل عمران:135)

(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)). (سورة آل عمران)

آيات تفريج الهم والحزن من سورة هود: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). (سورة هود:56)

آيات تفريج الهم والحزن من سورة يوسف: (وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ). (سورة يوسف:18)

آيات تفريج الهم والحزن من سورة الأنبياء: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). (سورة الأنبياء:83)

(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)). (سورة الأنبياء)

آيات تفريج الهم والحزن من سورة المؤمنون: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)). (سورة المؤمنون)

آيات تفريج الهم والحزن من سورة فاطر: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ). (سورة فاطر:34)

آيات تفريج الهم والحزن من سورة الإسراء: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا). (سورة الإسراء:82)

آيات تفريج الهم والحزن من سورة طه: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31)). (سورة طه)

آيات تفريج الهم والحزن من سورة النمل: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ). (سورة النمل:62)

آيات تفريج الهم والحزن من سورة غافر: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45)). (سورة غافر)

آيات تفريج الهم والحزن من سورة الفلق: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)). (سورة الفلق)

آيات تفريج الهم والحزن من سورة الناس: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَٰهِ النَّاسِ (3) مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)). (سورة الناس)

أدلة عن الفرج من السنة

روى أحمد في مسنده بإسناد صححه الألباني عن أبي العباس عبد الله بن العباس – رضي الله تعالى عنهما – قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال لي: (احفَظِ اللهَ يَحفَظْكَ، احفَظِ اللهَ تَجِدْه أَمامَكَ، تَعَرَّف إليه في الرَّخاءِ، يَعرِفْك في الشِّدَّةِ، وإذا سأَلتَ؛ فاسأَلِ اللهَ، وإذا استعَنتَ، فاستَعِنْ باللهِ، قد جَفَّ القَلَمُ بما هو كائِنٌ، فلو أنَّ الخَلقَ كُلَّهم جَميعًا أرادوا أنْ يَنفَعوكَ بِشَيءٍ لم يَكتُبه اللهُ عليكَ؛ لم يَقدِروا عليه، وإنْ أرادوا أنْ يَضُرُّوك بِشَيءٍ لم يَكتُبْه اللهُ عليكَ؛ لم يَقدِروا عليه، واعلَمْ أنَّ في الصَّبرِ على ما تَكرَهُ خَيرًا كَثيرًا، وأنَّ النَّصرَ مع الصَّبرِ، وأنَّ الفَرَجَ مع الكَرْبِ، وأنَّ مع العُسرِ يُسرًا) . (تخريج المسند:2803)

قال ابن رجب – رحمه الله -: قوله صلى الله عليه وسلم: (وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ)، هذا يشهد له قوله – عز وجل -: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ). (سورة الشورى:28)

 وما رواه ابن ماجه، وصححه الألباني من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ضحِك ربُّنا من قُنوطِ عبادهِ وقُربِ غِيَرِهِ). (صحيح ابن ماجه:78/1)

والمعنى: أنه – سبحانه – يعجب من قنوط عباده عند احتباس القطر عنهم، وقنوطهم يأسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت فرجه ورحمته لعباده بإنزال الغيث عليهم، وتغييره لحالهم، وهم لا يشعرون.

وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ۖ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49)). (سورة الروم)

وقال تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا). (سورة يوسف:110)

وقال تعالى: (حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ). (سورة البقرة:214)

روى ابن ماجه، وصححه الألباني عن أبي الدرداء قال: سئل عن هذه الآية: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (سورة الرحمن:29)، فقال: سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (مِن شأنِه أن يغفِرَ ذنبًا ويفرِّجَ كربًا ويرفعَ قومًا ويخفِضَ آخَرينَ). (صحيح ابن ماجه:168)

عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تنزِلُ المعونَةُ مِنَ السماءِ علَى قَدْرِ المؤْنَةِ، وينزلُ الصبرُ على قدرِ المصيبةِ). (صحيح الجامع:3001)

روى أبو داود، وصححه الألباني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن أصابَتهُ فاقةٌ فأنزلَها بالنَّاسِ لم تُسَدَّ فاقتُهُ ومن أنزلَها باللَّهِ أوشَكَ اللَّهُ لَه بالغِنى إمَّا بموتٍ عاجِلٍ أو غنًى عاجِلٍ). (صحيح أبي داود:1645)

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا أُخبِرُكم بشيءٍ إذا نزل برجلٍ منكم كربٌ أو بلاءٌ من بلايا الدُّنيا دعا به يُفرَّجُ عنه؟) فقيل له: بلَى، فقال: (دعاءُ ذي النُّونِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ) (سورة الأنبياء:87)). (السلسلة الصحيحة:1744)

روى أحمد، وصححه الألباني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أصابَ أحدًا قَطُّ هَمٌّ ولا حَزَنٌ، فقال: اللَّهُمَّ إنِّي عبدُكَ، ابنُ عبدِكَ، ابنُ أَمتِكَ، ناصيَتي بيَدِكَ، ماضٍ فيَّ حُكمُكَ، عَدلٌ فيَّ قَضاؤكَ، أسأَلُكَ بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيتَ به نفْسَكَ، أو علَّمتَه أحدًا مِن خلْقِكَ، أو أنزَلتَه في كتابِكَ، أو استَأثَرتَ به في عِلمِ الغَيبِ عندَك، أنْ تجعَلَ القُرآنَ رَبيعَ قلبي، ونورَ صَدري، وجِلاءَ حُزني، وذَهابَ هَمِّي؛ إلَّا أذهَبَ اللهُ هَمَّه وحُزنَه، وأبدَلَه مكانَه فَرحًا)، فقيل: يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال: (بلى، يَنبَغي لمَن سمِعَها أنْ يتعلَّمَها). (تخريج المسند:3712)

روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يكثر القول: (اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ، والبُخْلِ، والجُبْنِ). (صحيح البخاري:6363)

شعر في الفرج

قال الإمام علي بن أبي طالب:

إِذا اِشتَمَلَت عَلى اليَأسِ القُلوبُ وَضاقَ لِما بِهِ الصَدرُ الرَحيبُ
وَأَوطَنَتِ المَكارِهُ وَاِطمَأَنَّت وَأَرسَت في أَماكِنِها الخُطوبُ
وَلَم تَرَ لِاِنكِشافِ الضُرِّ وَجهاً وَلا أَغنى بِحيلَتِهِ الأَريبُ
أَتاكَ عَلى قُنوطٍ مِنكَ غَوثٌ يَمُنُّ بِهِ اللَطيفُ المُستَجيبُ
وَكُلُّ الحادِثاتِ إِذا تَناهَت فَمَوصولٌ بِها فَرَجٌ قَريبُ

روى ابن أبي الدنيا قال: كان تاجر من تجار المدينة يختلف إلى جعفر بن محمد فيخالطه، ويعرفه محسن الحال، فتغيرت حالته، فجعل يشكو ذلك إلى جعفر بن محمد، فقال جعفر:

فَلَا تَجْزَعْ وَإِنْ أُعْسِرْتَ يَوْمًا فَقَدْ أَيْسَرْتَ فِي الزَّمَنِ الطَّوِيلِ
وَلَا تَيْأَسْ فَإِنَّ الْيَأْسَ كُفْرٌ لَعَلَّ اللَّهَ يُغْنِي عَنْ قَلِيلِ
وَلَا تَظُنَّنَّ بِرَبِّكَ ظَنَّ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْلَى بِالْجَمِيلِ

وعن محمد بن الحسين قال: وكان القاسم بن محمد بن جعفر يتمثل كثيرًا أبيات:

عَسَى مَا تَرَى أَنْ لَا يَدُومَ وَأَنْ تَرَى لَهُ فَرَجًا مِمَّا أَلَحَّ بِهِ الدَّهْرُ
عَسَى فَرَجٌ يَأْتِي بِهِ اللَّهُ إِنَّهُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي خَلِيقَتِهِ أَمْرُ
إِذَا لَاحَ عُسْرٌ فَارْجُ يُسْرًا فَإِنَّهُ قَضَى اللَّهُ أَنَّ الْعُسْرَ يَتْبَعُهُ الْيَسَرُ

وقال أبو العتاهية:

اِصبِر لِدَهرٍ نالَ مِنكَ فَهَكَذَا مَضَتِ الدُّهُورُ
فَرَحٌ وَحُزنٌ مَرَّةً لا الحُزنُ دامَ وَلا السُرورُ

وقال علي بن الجهم:

حَلَبنا الدَهرَ أَشطُرَهُ وَمَرَّت بِنا عُقَبُ الشَدائِدِ وَالرَخاءِ
فَلَم آسَف عَلى دُنيا تَوَلَّت وَلَم نُسبَق إِلى حُسنِ العَزاءِ
هِيَ الأَيّامُ تَكلِمُنا وَتَأسو وَتَجري بِالسَعادَةِ وَالشَقاءِ

وقال محمود الوراق:

فَلا تَجزَع وَإِن أَعسَرتَ يَوماً فَقَد أَيسَرتَ في الزَمَنِ الطَويلِ
وَلا تَيأَس فَإِنَّ اليَأسَ كُفرٌ لَعَلَّ اللَهَ يُغني عَن قَليلِ
وَلا تَظنُن بِرَبِّكَ ظَنَّ سَوءٍ فَإِنَّ اللَهَ أَولى بِالجَميلِ

وأنشد الحسين بن عبد الرحمن – رحمه الله -:

إِذَا لَمْ تُسَامِحْ فِي الْأُمُورِ تَعَسَّرَتْ عَلَيْكَ فَسَامِحْ وَامْزُجِ الْعُسْرَ بِالْيُسْرِ
فَلَمْ أَرَ أَوْفَى لِلْبَلَاءِ مِنَ التُّقَى وَلَمْ أَرَ لِلْمُكْرُوهِ أَشْفَى مِنَ الصَّبْرِ

وقال الفرزدق:

لَمّا رَأَيتَ الأَرضَ قَد سُدَّ ظَهرُها وَلَم تَرَ إِلّا بَطنَها لَكَ مَخرَجا
دَعَوتَ الَّذي ناداهُ يونُسُ بَعدَما ثَوى في ثَلاثٍ مُظلِماتٍ فَفَرَّجا
خَرَجتَ وَلَم يَمنُن عَلَيكَ طَلاقَةً سِوى رَبِذِ التَقريبِ مِن آلِ أَعوَجا
فَأَصبَحتَ تَحتَ الأَرضَ قَد سَرتَ لَيلَةً وَما سارَ سارٍ مِثلَها حينَ أَدلَجا

وأنشد الحسين بن عبد الرحمن:

هَلِ الدَّهْرُ إِلَّا سَاعَةً ثُمَّ تَنْقَضِي بِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ عَنَاءٍ وَمِنْ خَفْضِ
فَهَوْنَكَ لَا تَحْفَلْ مَسَاءَةَ عَارِضٍ وَلَا فَرْحَةً سَرَتْ فَكِلْتَاهُمَا تَمْضِي

وقال بكر بن المعتمر:

هِيَ الْأَيَّامُ وَالْغِيَرُ وَأَمْرُ اللَّهِ يُنْتَظَرُ
أَتَيْأَسُ أَنْ تَرَى فَرَجًا فَأَيْنَ اللَّهُ وَالْقَدَرُ

وقال يعقوب بن داود:

حَنَا عَلَى يُوسُفٍ رَبٌّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَعْرِ جُبٍّ وَبَيْتٍ حَوْلَهُ عَمَمُ

وقال:

عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ

وقال علي بن أبي طالب:

يُمَثِّلُ ذو العَقلِ في نَفسِهِ مَصائِبهُ قَبلَ أَن تَنزِلا
فَإِن نَزَلَت بَغتَةً لَم يُرَع لِما كانَ في نَفسِهِ مَثَلا
رَأى الأَمرَ يُفضي الي آخِرٍ فَصيَّر آخِرَهُ أَوَّلا
وَذو الجَهلِ يَأمَنُ أَيامَهُ وَينسى مَصارِعَ مَن قَد خَلا
فَإِن بَدَهتَهُ صُروفُ الزَمانِ بِبَعضِ مَصائِبِهِ أَعوَلا
وَلَو قَدَّمَ الحَزمَ في نَفسِهِ لَعَلَّمَهُ الصَّبرَ عِندَ البَلا

وأنشد رجل من قريش:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَبَّكَ لَيْسَ تُحْصَى أَيَادِيهِ الْحَدِيثَةُ وَالْقَدِيمَهْ
تَسَلَّ عَنِ الْهُمُومِ فَلَيْسَ شَيْءٌ يُقِيمُ وَمَا هُمُومِكُ بِالْمُقْيمَهْ
لَعَلَّ اللَّهَ يَنْظُرُ بَعْدَ هَذَا إِلَيْكَ بِنَظْرَةٍ مِنْهُ رَحِيمَهْ

وقال علي بن أبي طالب:

إِذا اِشتَمَلَت عَلى اليَأسِ القُلوبُ وَضاقَ لِما بِهِ الصَدرُ الرَحيبُ
وَأَوطَنَتِ المَكارِهُ وَاِطمَأَنَّت وَأَرسَت في أَماكِنِها الخُطوبُ
وَلَم تَرَ لِاِنكِشافِ الضُرِّ وَجهاً وَلا أَغنى بِحيلَتِهِ الأَريبُ
أَتاكَ عَلى قُنوطٍ مِنكَ غَوثٌ يَمُنُّ بِهِ اللَطيفُ المُستَجيبُ
وَكُلُّ الحادِثاتِ إِذا تَناهَت فَمَوصولٌ بِها فَرَجٌ قَريبُ

وأنشد أحمد بن يحيى الأزدي:

مِفْتَاحُ بَابِ الْفَرَجِ الصَّبْرُ وَكُلُّ عُسْرٍ بَعْدَهُ يُسْرُ
وَالدَّهْرُ لَا يَبْقَى عَلَى حَالَةٍ وَالْأَمْرُ يَأْتِي بَعْدَهُ الْأَمْرُ
وَالْكُرْهُ تُفْنِيهِ اللَّيَالِي الَّتِي يَفْنَى عَلَيْهَا الْخَيْرُ وَالشَّرُّ
وَكَيْفَ يَبْقَى حَالٌ مِنْ حَالِهِ يُسْرِعُ فِيهَا الْيَوْمُ وَالشَّهْرُ

شعر عن الصبر

مفتاح الفرج وسلوان القلوب عند الخطوب: قال الإمام علي رضي الله عنه:

فإِن تَسأَلَنّي كَيفَ أَنتَ فَإِنَّني صَبورٌ عَلى رَيبِ الزَمانِ صَعيبُ
حَريصٌ عَلى أَن لا يُرى بي كَآبَةٌ فَيشمُتُ عادٍ أَو يُساءَ حَبيبُ

وقال أيضا:

اِصبِر قَليلاً فَبَعدَ العُسرِ تَيسيرُ وَكُلُّ أَمرٍ لَهُ وَقتٌ وَتَدبيرُ
وَلِلمُهَيمِنِ في حالاتِنا نَظَرٌ وَفَوقَ تَقديرِنا لِلّهِ تَقديرُ

قال أبو العتاهية:

ما أَكرَمَ الصَبرَ وَما أَحسَنَ الصِدقَ وَما أَزيَنَهُ بِالفَتى
الخُرقُ شُؤمٌ وَالتُقى جُنَّةٌ وَالرِفقُ يُمنٌ وَالقُنوعُ الغِنى

قال إبراهيم اليازجي:

كَم بَينَ صَبرٍ غَدا لِلذُلِّ مُجتَلِباً وَبَينَ صَبرٍ غَدا لِلعزِّ يَحتَلبُ

قال الحسين البغدادي:

تلقَّ بالصبرِ ضيفَ الهمِّ حيثُ أتى إِن الهمومَ ضيوفٌ أكلُها المهج
فالخطبُ إِن زادَ يوماُ فهو منتقص والأمرُ إِن ضاق يوماً فهو منفرجُ
فروِّحِ النفسَ بالتعليلِ ترضَ به واعلمْ إِلى ساعةٍ من ساعةٍ فرجُ

قال عبد الله بن الأحوص:

صبرًا جميلًا على ما ناب من حدثٍ والصبرُ ينفعُ أحيانًا إذا صبروا
الصبرُ أفضل شيءٍ تستعين به على الزمانِ إذا ما مسَّك الضررُ

قال ابن الصلت:

يَقُولونَ لي صَبراً وَإِني لَصابر عَلى نائِباتِ الدَهرِ وَهيَ فَواجِعُ
سَأَصبرُ حَتّى يَقضي اللَهُ ما قَضى وَإِن أَنا لَم أَصبِر فَما أَنا صانِعُ

قال البحتري:

عَوِّل عَلى الصَبرِ وَاِتَّخِذ سَبَباً إِلى اللَيالي فَإِنَّها دُوَلُ

وقال أيضا:

وَعَاقِبةُ الصَّبْرِ مَحْمُودةٌ ولَكِنْ أَخُو الخُرْقِ مُسْتَعْجِلُ

شعر عن الصبر والتفاؤل

قال أعرابي:

تعزَّ، فإنَّ الصبر بالحرِّ أجمل وليس على رَيب الزمان معولُ
فلَوْ كانَ يُغْنِي أنْ يُرَى المَرْءُ جازِعًا لِحادثةٍ أوْ كانَ يُغْنِي التَّذَلُّلُ
لَكانَ التَّعَزِّي عندَ كلِّ مُصِيبةٍ ونائبةٍ بالحُرِّ أَوْلىٰ وأجْمَلُ
فكيفَ وكلٌّ ليسَ يَعْدُو حِمامَهُ وما لامْرِئٍ عمَّا قَضَى اللهُ مَزْحَلُ؟!

قال مصطفى الغلاييني:

اِصْبِر عَلَى سُودِ اللَّيالي وادَّرِعْ بِعَزِيمَةٍ كالطَّوْدِ إِنْ خَطْبٌ نَزَلْ
فالصَّبْرُ مِفْتاحُ النَّجاحِ وَلَمْ نَجِدْ صَعْباً بِغَيْرِ الصَّبْرِ يَبْلُغُهُ الأمَلْ

قال أبو العلاء المعري:

أحْسَنُ بالوَاجِدِ مِن وَجْدِهِ صَبْرٌ يُعيدُ النّارَ في زَنْدِهِ

وقال أيضا:

الصَبرُ يوجَدُ إِن باءَ لَهُ كُسِرَت لَكِنَّهُ بِسُكونِ الباءِ مَفقودُ
وَيُحمَدُ الصابِرُ الموفي عَلى غَرَضٍ لا عاجِزٌ بِعُرى التَقصيرِ مَعقودُ

قال الكاظمي:

وربَّ فتى تتأبى التصبرَ نفسُهُ ولكنه من خشيةِ الموتِ يصبرُ

قال ابن المعتز:

عَلَيكَ بِحُسنِ الصَبرِ في كُلِّ مَورِدٍ مِنَ الأَمرِ كَي تَحظى بِحُسنِ المَصادِرِ

وقال آخر:

لعمرُك ما صبرُ الفتى في أمورِه بحتمٍ إِذا ما الأمرُ جَلَّ عن الصَّبْرِ

قال ابن النقيب:

وحسبُ الفتى إِن لمْ يَنَلْ ما يريدُه مع الصبرِ أن يُلفَى مقيماً على الصبر

قال ابن يسير:

اصبرْ على مضضِ الإِدلاجِ في السحرِ وفي الرواحِ إِلى الحاجاتِ والبكرِ
لا تضجرنَّ ولا تدخلْكَ معجزةٌ فالنجحُ يتلفُ بين العجزِ والضجَرِ
إِني رأيتُ الأيامِ تجربةٌ للصبرِ عاقبةً محمودةَ الأثرِ
وقلَّ من جدَّ في أمرٍ يطالبُهُ فاستصحبَ الصبرَ إِلا فازَ بالظفرِ

قال أبو فراس الحمداني:

أنفقْ من الصبرِ الجميلِ فإِنه لم يخشَ فقرا منفقٌ من صبرِهِ
واحلمْ وإِن سَفِهَ الجليسُ وقل له حسنَ المقال وإِن أتاكَ بهجرِهِ
والمرُ ليس ببالغٍ في أرضهِ كالصقرِ ليس بصلئدٍ في وكرِهِ

قال عبد القاهر الجرجاني:

ادرعِ الصبرَ وكن آخذا بالرفقِ والإِشفاقِ والخوفِ
ولا تكنْ أعجلَ من فيشة عنانُها أطلقَ في الجوفِ

قال خراش بن مرة:

إِذا عِيلَ صبرُ المرءِ فيما ينوبُهُ فلا بدّ من أن يستكينَ ويَجْزعا

قال ابن الدهان الموصلي:

وما يبلغُ الإِنسانُ فوقَ اجتهادهِ إِذا هو لم يملكْ لما جاء مَدْفعا
صبرا لما تحدثُ الأيامُ من حَدَثٍ فالدهرُ في جورِه جارٍ على سننِ
فالصبر أجملُ ثوبٍ أنتَ لابسُه لنازلٍ والتعزي أحسنُ السننِ
وهون الوجدَ إِني لا أرى أحدا بفرقة الإِلفِ يوماً غير ممتحنِ

قال جميل الزهاوي:

تمسكْ بحبلِ الصبرِ في كُلِّ كربة فلا عسرَ إِلا سوف يعقِبه يسرُ
ترى المرءَ في بعضِ الأحايينِ راضيا وبعد قليلٍ شاكياً يتذمرُ
إِذا استيقظتْ في المرءِ روحٌ لطارئٍ فعندئذٍ أخلاقُه تتغيَّرُ

قال محمد بن بشير:

اخلقْ بذي الصبرِ أن يحظى بحاجته ومدمنَ القرعِ للأبوابِ أن يلجا

قال محمد بن زنجي:

إِن الأمورَ إِذا انسدتْ مسالكُها فالصبرُ يفتحُ منها كل ما ارتتجا
لا تيأسنَّ وإِن طالَتْ مطالبةٌ إِذا استَغْنَتت بصبرٍ أن ترى فرجا

أجمل ما قيل في الصبر

قال الشريف المرتضى:

إِذا لم تستطعْ للرزءِ دَفْعا فصبرا للرزيةِ واحتسابا
فما نالَ المنى في العيشِ إِلا غبيَّ القوم أو فَطِنٌ تغابى
هي الدنيا نغَرُّ بها خدوعا ونورَدُها على ظمأٍ سرابا
وهل أحياؤنا إِلا ترابٌ بظهرِ الأرضِ ينتظرُ الترابا

قال أحمد بن حميدس:

فصبراً فليسَ الأجرُ إِلا لصابر على الدهرِ إِن الدهرَ لم يخلُ من خَطْبِ

قال أسامة بن منقذ:

اصبِرْ إذا نابَ خطبٌ وانتظِر فَرجاً يأتي به اللهُ بعد الرَّيْثِ والياسِ
إن اصطبارَ ابنةِ العُنقودِ إذْ حُبِسَتْ في ظُلمةِ القارِ أدَّاها إلى الكاسِ

وقال أيضا:

اصبرْ على ما كرهْتَ تحظَ بما تهوى، فما جازعٌ بمعذورِ
إِن اصطبارَ الجنينِ في ظلمِ الأحشاءِ أفضى به إِلى النُّور

وقال أيضا:

اصْبرْ تَنل ما تُرجّيهِ وتَفضُلُ مَنْ جاراك شَأوَ العُلا سَبقاً وتَبريزا
فالتِّبْرُ أُحرِقَ بالنيرانِ مُصْطَبِراً على لظاها إلى أن عادَ إِبْريزا

قال الشاغوري:

يا نَفسُ صَبراً عَلى ما قَد مُنيتِ بِهِ فَالحُرُّ يَصبِرُ عِندَ الحادِثِ الجَلَلِ

قال ابن الرومي:

اصبري أيتُها النفسُ فإِن الصبرَ أحجى
رُبَّمَا خَابَ رَجَاءٌ و أتى ما ليس يُرجى

قال الشيخ السابوري:

من يعتصمْ بالصبرِ عند الحادث فالحبلُ في يديه غيرُ ناكثِ
إِذا أتى ما لا يطيقُ دفعَهُ فالصبرُ أولى ما اقتنْيتَ نفعهُ
حلولُ ما حَلَّ من البلاءِ كالضيفِ يوماً حَلَّ في الفناءِ
فاصبرْ لضيفٍ بك يوماً نَزَلا لا يلبثُ النازلُ أن يرتحلا

قال المتنبي في الصبر:

أَجِدُ الجَفاءَ عَلى سِواكِ مُروءَةً وَالصَبرَ إِلّا في نَواكِ جَميلا
وَأَرى تَدَلُّلَكِ الكَثيرَ مُحَبَّباً وَأَرى قَليلَ تَدَلُّلٍ مَملولا

وقال البرعي:

فَكَم لِلَّه من تَدبير أَمر طوته عَن المشاهدة الغيوب
وَكَم في الغَيب مِن تَيسير عسر وَمن تفريج نائية تنوب
وَمن كرم ومن لطف خفي وَمن فرج تزول به الكروب
وَمالي غير باب اللَه باب وَلا مولى سواه وَلا حَبيب
كَريم منعم برّ لَطيف جَميل الستر للداعي مجيب
حَليم لا يعاجل بالخَطايا رَحيم غيم رحمته يصوب
فَيا مَلِك المُلوك أَقل عثارى فإني عنك أنأتني الذنوب
وأمرضني الهوى لهوان حظي وَلكن لَيسَ غيرك لي طَبيب
وَعاندني الزَمان وقل صبري وَضاق بعبدك البلد الرَحيب
فآمن روعَتي واكبت حسودي يعاملني الصَداقة وَهوَ ذيب
إلهي أَنتَ تَعلَم كَيفَ حالي فَهَل يا سَيدي فرج قَريب

وقال سعيد بن حميد:

يومٌ عليك مباركٌ ما شئت من فرج وطيبِ
عاد الحبيب لوصله وحجبت عن عين الرقيب
وكذا الزمان يدور بالأفراح من بعد الكروب
فاشرب شرابا نقله تقبيل سالفة الحبيب
ودع الهموم فإنها تنأى عن الصدر الرحيب
لابدّ من فرجٍ قريبٍ يأتي بالعجب العجيب

شعر عن الفرج

قال المعتمد بن عباد:

لا بُدَّ مِن فرَجٍ قَريبْ يأتيك بالعجب العَجيبْ
غَزوٌ عَلَيكَ مُبارَكٌ في طَيِّهِ الفَتحُ القَريبْ

يقول الإمام الشافعي:

وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ
ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ

شعر لمحيي الدين بن عربي:

إذا يضيق بنا أمر ليزعجنا نصبر فإنَّ انتهاءَ الضيقِ ينفرجُ
بذاك خالقنا الرحمنُ عوَّدنا في كلِّ ضيقٍ له قد شاءه فرج
ألا ترى الأرض عن أزهارها انفرجت كما السماء لها في ذاتها فرجُ
والكونُ علوٌ وسفلُ ليسَ غيرهُما والأمر بينهما بالنص مندرج
وكلُّ شيءٍ منَ الأكوانِ نعلمُهُ موحدا هو في القرآن مزدوجُ
حتى الوجودُ الذي إليهِ مرجعنا بما له من صفاتِ الكون يزدوج
فليس يوجد فرد ليس يشفعه شيءٌ سوى منْ لهُ التقسيمُ والدرجُ
ذاك الإله الذي لا شيء يشبهه من خلقه فيه الإصباح تدبلج
وهوَ العزيزُ فلا مثلٌ يعادلُهُ وإنما بمتابِ العبدِ يبتهج
فكيفَ منْ هوَ محتاجٌ ومفتقرٌ إلى أمورٍ بنا إنْ لمْ يكنْ حرجُ
فلا يصحُّ على الإطلاقِ أنَّ لنا حكمَ الغنى ولهذا فيهِ يندرجُ
الحبُّ شاهد عدلٍ في قضيتنا إذا الخلائق فيما قلته مرجوا
همُ المصابيحُ في الظلماءِ إنْ ولجوا كما هم العمى إنْ زالوا وإنْ خرجوا
سبحانه وتعالى أنْ يحيطَ به علماً عقولٌ لمَّا في ذاتهِ دلجُوا
أما تراها على الأعقابِ ناكصة لما رأت فنيتْ في ذلك المهج
فليسَ يدركُ مجهولٌ حقيقتهُ وفيه خلفٌ لأقوام لهم حجج
لو أنهم نظروا في حسنِ صورته قالوا بهِ قرنٌ قالوا بهِ فلجُ
قالوا بعينيهِ في إبصارِهِ وطفٌ قالوا بهِ كحلٌ قالوا بهِ دعجُ
فما أقاموا على حالٍ وما جمعوا عليه في علمهم فيه وما درجوا
هذا معَ الخلقِ كيفَ الحق فاغتبروا ما في بيوتِهمُ منْ نورِهِ سرجُ

عبارات الضيق والفرج

وهي كالتالي:

  • لا تجزع إذا حملت هماً يقطع النفسا، فأقرب ما يكون المرء من فرج إذا يئسا.
  • كم فرج بعد يأس قد أتى وكم سرور قد أتى بعد الأسى.
  • الشدائد مهما تعاظمت وامتدت لا تدوم على أصحابها ولا تخلد على مصابها، بل إنها أقوى ما تكون اشتداداً وامتداداً واسوداداً، أقرب ما تكون انقشاعاً وانفراجاً، فيأتي العون من الله والإحسان عند ذروة الشدة والامتحان، وهكذا نهاية كل ليل غاسق فجر صادق فما هي إلا ساعة ثم تنقضي.
  • إذا اشتدّ الحبل انقطع والمعنى إذا تأزمت الأمور وضاقت فانتظر فرجاً ومخرجاً.
  • العاقل إذا أصابه مكروه فإن هناك أمرين يجعله يشعر بالرضا عمّا حصل له: الأول: أنه متفائل بأن القادم من حياته أفضل، والثاني: أنه يعلم بأن الضيق له نهاية وسيأتي بعده فرج.
  • أما الجاهل فإنه يخاف مما هو قادم وينظر بنظرة تشاؤم لما هو قادم في حياته، كما أنه يشعر بأن الضيق الذي أصابه كبير جداً لدرجة أنه يشعر بأنه لن ينتهي أبداً.
  • يجب عليك أن تعلم بأن كل أمر يجعلك تشعر بالضيق في الحياة له مدّة معينة وسيزول وأنه كلما كان الضيق أكبر كلما كان الثواب على الصبر عليه كبيرا.
  • لا شيء يدوم مع مرور الزمن فقد تكون المصيبة خير لك.
  • إياك أن تشعر بالعجز عندما يكون همّك كبيرا فقد يكون الفرج قريباً جداً لكنك لا تراه.
  • الحبل إذا اشتد تسبب في قطعه، هذه هي المصائب والهموم إذا اشتدت اعلم أن الفرج قريب فلكل حزن نهاية.
  • لا يوجد نفع في البكاء على اللبن المسكوب.

أسباب ومفاتيح الفرج

تقوى الله والإنابة إليه والتوكل عليه والتعرف إليه في الرخاء قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)). (سورة الطلاق)

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إن من شأنه سبحانه أن يغفر ذنباً ويكشف كرباً ويرفع أقواماً ويضع الآخرين.

وقال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة إن يونس عليه السلام كان يذكر الله تعالى فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)). (سورة الصافات)

لا يستكين للحادثات ولا يضعف للملمات بل يحاول تجاوز المحنة أياً كانت والتخلص منها في حزم الأقوياء وعزيمة الأصفياء وصبر الأولياء وقدوته في ذلك سيد المرسلين وإمام الصابرين فقد حل به وبأصحابه من البلايا والمحن ما تعجز عنه حمله الجبال الراسيات ولكنهم ما وهنوا وما ضعفوا بل قابلوا ذلك بالصبر والثبات (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)). (سورة آل عمران)

قد تضيق الدنيا في عيون البعض، لكن الأزمات والابتلاءات لم تأت إلا اختبارًا للعباد، تأتي ليطهر الله تعالى عباده، وعندما يشتد الضيق ضيقًا، ويزيد الهم همًا، فلا يلبث إلا ويلاحقها الفرج، لقوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ‌ يُسْرً‌ا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ‌ يُسْرً‌ا (6)). (سورة الشرح)

وهناك عدة خطوات لخروج الإنسان من حالته الحزينة المهمومة:

أولاً: أن نلجأ لله تعالى ساعة الكرب ولا نلجأ للعباد

نلجأ للسميع، البصير، القادر على خلاصنا من أحزاننا، العليم بحوائجنا، الرحمن الرحيم (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّ‌عُوا). (سورة الأنعام:43)

ثانياً: حسن الظن بالله تعالى

الثقة بأن الذي يذهب ما نحن فيه هو سبحانه لقوله في الحديث القدسي: (أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي) (صحيح البخاري:7505)، وعدم اليأس، والأمل فيما عند الله والصبر والصمود أمام التحديات وانتظار البشرى التي وعد الله تعالى بها عباده الصابرين عندما قال في كتابه الكريم: (وَبَشِّرِ‌ الصَّابِرِ‌ينَ). (سورة البقرة:155)

ثالثاً: الدعاء المتواصل

يقول الله تعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ‌ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْ‌ضِ ۗ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ اللَّـهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُ‌ونَ) (سورة النمل:62)، ويقول سبحانه أيضًا: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِ‌يبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (سورة البقرة:186)، خاصة الدعاء بالأعمال الصالحة.

ونحن نعرف قصة الثلاثة الذين ظلوا وحدهم أمام صخرة عظيمة تسد باب الغار عليهم فلا يستطيعون الخروج منه، فظلوا محبوسين فلا أحد يسمع لندائهم وصراخهم حتى دعا كل واحد منهم بعمل صالح كان قد فعله مخلصًا لله تعالى، فظلت الصخرة تنفرج جزءًا بدعاء الأول، ثم انفرجت جزء آخر بدعاء الثاني، ثم انفرجت نهائيًا بدعاء الثالث.

وكانت بركة الدعاء بالأعمال الصالحة الخالصة لله تعالى نجاة للثلاثة، وأيضا ترديد بعض أدية الكرب منها: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين” ذلك الدعاء الذى دعا به يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت في الظلمات فما لبث أن خلصه الله تعالى من هذه المحنة القاسية، وغيره الكثير من تلك الأدعية، مع انتقاء وقت الإجابة كالثلث الأخير من الليل، ووقت السجود فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

رابعاً: ملازمة الاستغفار

يقول تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُ‌وا رَ‌بَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارً‌ا (10) يُرْ‌سِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَ‌ارً‌ا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارً‌ا (12)). (سورة نوح)

خامساً: ذكر الله كثيرًا

يقول تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ‌ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (سورة الرعد:28)، فذكر الله تعالى يغير القلوب من حال لحال فالذكر يملأها بالطمأنينة والسكون والراحة بدل من التوتر والقلق والخوف، ومنها قراءة القرآن.

سادساً: مناصرة ومعاونة المحتاج

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ). (صحيح مسلم:2699)

فعند الشدة والضيق يجد العبد الله عز وجل عونًا له في شدته، لأنه لم يترك ذلك المحتاج ولم يدخر نفسه وقت حاجه الناس له.

سابعاً: التوكل على الله وليس التواكل

يقول تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (سورة الطلاق:3)، فالذي يتوكل على الله فهو يكفيه ويغنيه عن سؤال الناس، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أنَّكم توَكَّلُونَ على اللَّهِ تعَالى حقَّ توَكُّلِه لرَزقَكم كما يرزقُ الطَّيرَ تغدو خِماصًا وتروحُ بِطانًا). (الجامع الصغير:7402)

ثامناً: بر الوالدين والإحسان إليهما وطلب الدعاء منهما

ففي البر منجاة من مصائب الدنيا بل هو سبب تفريج الكروب وذهاب الهم والحزن كما ورد في شأن نجاة أصحاب الغار وكان أحدهم بارًا بوالديه يقدمهما على زوجته وأولاده.

تاسعاً: رد المظالم ورعاية الأمانات وأداء الحقوق

في حديث الغار توسل أحد الثلاثة برده الأمانة لأجيره بعد رعايتها له، ولا شك أن رد الأمانات والحقوق ورعايتها دفع للحجاب بينك وبين استجابة الدعاء وكشف البلاء، وفيه تنقية للنفس مما يتعلق بها من رغبات الدنيا والتكالب على متاعها خصوصًا عندما لا تكون من حقه، وقد حرص سلفنا الصالح على ذلك بصورة شبه دورية، فيتدبرون الحقوق التي عليهم ويرعون الأمانة التي في أعناقهم ويردون المظالم التي علقت بهم.

عاشراً: تجنب الظلم ودعوة المظلوم

فكم من ظلم اقترفناه ونحن غافلون عن عقوبته، وكم من ضعيف أهملنا أمره في ذلك، فمن أراد تفريج كربه فليرع حاله وليجتنب الظلم، فلا يظلم أخ أخاه في ميراث أو أي شيء يكتسبه دون رضاه، ولا يظلم صاحب صاحبه ولا شريك شريكه، فمن الدعوات المجابة دعوة المظلوم (واتَّقِ دعوةَ المظلومِ فإنَّها ليسَ بينَها وبينَ اللَّهِ حجابٌ). (صحيح أبي داود:1584)

وقد حذر ديننا العظيم من الظلم أشد التحذير، وبين آثاره السيئة، وعواقبه الوخيمة ونتائجه المدمرة، على صاحبه، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَومَ القِيَامَةِ) (صحيح البخاري:2447)، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دعوتُهم: الصَّائمُ حتَّى يُفطِرَ والإمامُ العَدلُ ودعوةُ المظلومِ). (صحيح ابن حبان:3428)

 الصبر مفتاح الفرج

قال الله جل وعلا: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)). (سورة البقرة)

والصبر هو أحد موجبات الجنة ولا يوفى أحد أجره بغير حساب إلا الصابر قال عمر بن الخطاب: وجدنا خير عشينا بالصبر.

وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعه منه فعاضه مكانها الصبر إلا ما عوضه خيراً مما انتزعه.

وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سررت به، قال: (لا يُصيبُ أحدًا مِنَ المسلمينَ مُصيبةٌ فيَستَرجِعُ عند مُصيبتِه، ثمَّ يقولُ: اللَّهمَّ أَجِرْني في مُصيبَتِي واخلُفْ لي خيرًا منها، إلَّا فعَلَ ذلك به)، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة فاسترجعت وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منه، ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: من أين لي خيرا من أبي سلمة؟ فلما نقضت عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم – وأنا أدبغ إهابا لي – فغسلت يدي من القرظ، وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي ألا يكون بك الرغبة، ولكني امرأة في غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: (أمَّا ما ذكَرْتِ مِنَ الغَيْرةِ فسوفَ يُذهِبُها اللهُ عزَّ وجلَّ عنكِ، وأمَّا ما ذكَرْتِ مِنَ السِّنِّ فقد أصابَني مثلُ الَّذي أصابَكِ، وأمَّا ما ذكَرْتِ مِنَ العيالِ فإنَّما عيالُكِ عيالي)، قالت: فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم. (عمدة التفسير:200/1)

في الحديث عن الترمذي: (وأفضلُ العبادةِ انتظارُ الفرَجِ) (سنن الترمذي:3571)، وكما قال سبحانه: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) (سورة هود:81)، صبح المهمومين والمغمومين لاح، فانظر إلى الصباح وارتقب الفتح من الفتّاح.

تقول العرب: “إذا اشتد الحبل انقطع” والمعنى إذا تأزمت الأمور، فانتظر فرجاً ومخرجاً.  

وقوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)) (سورة الشرح)، قال عمر بن الخطاب – وبعضهم يجعله حديثاً -: (لن يغلب عسرٌ يسرين)، ومعنى الآية: أنه لما عرّف العسر ونكّر اليسر، ومن عادة العرب إذا ذكرت اسماً معرّفاً ثم أعادته فهو هو، وإذا نكّرته ثم كررته فهو اثنان. وقال سبحانه: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) (سورة الأعراف:56)، وفي الحديث الصحيح: (واعلَمْ أنَّ النصرَ مع الصبرِ، وأنَّ الفَرَجَ مع الكرْبِ، وأنَّ مع العُسرِ يُسرًا). (تخريج رياض الصالحين:62)

يقول الله تعالى: (وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قريب) (سورة البقرة:214)، (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نصرنا). (سورة يوسف:110)

هذه سنة الله في الدعوات، أن الخطوب تشتد عليها، والأخطار من كل جانب، حتى يفعل جميعهم كل الإمكانيات فلا تفيد، وبعد أن يفقدوا الأمل ويصلوا إلى نقطة يحسون أن لا نصر عندها، إذا بنصر الله يأتي: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نصرنا). (سورة يوسف:110)

متى أتى النصر؟ أتى النصر عندما اشتدت الأمور وظنوا أنه لم يأتِ (جَاءهُمْ نَصْرُنَا) وهكذا لكي لا يكون النصر رخيصاً، فلو كان النصر رخيصاً لقام في كل يوم دعي بدعوة لا تكلفه شيئاً، ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثاً ولعباً، فإنما هي قواعد في حياة البشر ومنهاج لهم.

اللهم:

يا فارج الهم عن نوح وأسرته وصاحب الحوت مولى كل مكروب
وفالق البحر عن موسى وشيعته ومذهب الحزن عن ذي البث يعقوب
وجاعل النار لإبراهيم باردة ورافع السقم من أوصال أيوب
إن الأطباء لا يغنون عن نصب أنت الطبيب طيب غير مغلوب

وقال الشاعر:

إذا تضايق أمر فانتظر فرجاً فأقرب الأمر أدناه إلى الفرج

يقول بعض العلماء: إن الشدائد – مهما تعاظمت وامتدت – لا تدوم على أصحابها، ولا تخلد على مصابها، بل إنها أقوى ما تكون اشتداداً وامتداداً واسوداداً، أقرب ما تكون انقشاعاً وانفراجاً وانبلاجا، عن يسر وملاءة، وفرج وهناءة، وحياة رخيَّة مشرقة وضّاءة، فيأتي العون من الله والإحسان عند ذروة الشدة والامتحان، وهكذا نهاية كل ليل غاسق فجر صادق.

فما هي إلا ساعةٌ ثُمَّ تنْقضي ويَحْمَدُ غِبَّ السَّيْرِ مَنْ هو سائرُ

ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالكرب أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى وحصل للعبد اليأس من كشفه من جهة المخلوقين تعلق قلبه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل.

ومن أسباب الفرج التوبة النصوح، فإنه ما أنزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة.

ومنها: الإحسان إلى الناس وقضاء حوائجهم ورحمة صغيرهم وكبيرهم، فإن من أحسن إلى الناس أحسن الله إليه، ومن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.

ومنها: الإكثار من قراءة القرآن وذكر الله مما يسبب تعلق القلب بالله وكثرة دعائه ومناجاته والضراعة بين يديه، ومن ذلك: أن تقول في دعائك: (يا حيُّ يا قيومُ برحمتِك أستغيثُ).

وأن يتذكر العبد أن الله عز وجل يبتلي العبد وهو يحبه، وقد يطيل الله عليه البلاء ليسمع الله تضرعه وإلحاحه وزيادة طلبه من ربه، ليستخرج الله منه حقيقة العبودية، وهي الذل والانكسار وإظهار المسكنة والضعف بين يدي الله والإدبار عن المخلوقين بحيث لا يسألهم ولا يرجوهم، وليتذكر العبد الفقير المحتاج الغريب المصاب أنه ربما كانت النعمة والصحة والأنس سبب لنسيان الله وسبب للفسوق والعصيان والأشر والبطر والمحن وتأديب من الله والأدب لا يدوم، فطوبى لمن صبر على التأدب، وليتذكر المصاب بأن فرج الله قريب وإنها سحابة عما قريب، تزول، وما بعد الشدة والضيقة إلا الفرج القريب.

علامات قرب الفرج بعد الشدة

اعلم أيّها الأخ الكريم أنه بعد الجوع شبع، وبعد الظمأ ريّ، وبعد السهر نوم، وبعد المرض عافية، سوف يصل الغائب، ويهتدي الضالّ، ويفكّ العاني، وينقشع الظلام (فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ). (سورة المائدة:52)

بشّر الليل بصبح صادق سوف يطارده على رؤوس الجبال ومسارب الأودية، بشّر المهموم بفرج مفاجئ يصل في سرعة الضوء ولمح البصر، بشّر المنكوب بلطف خفيّ وكفّ حانية وادعة.

إذا رأيت الصحراء تمتد وتمتد، فاعلم أن وراءها رياضاً خضراء وارفة الظلال، إذا رأيت الحبل يشتد ويشتد، فاعلم أنه سوف ينقطع.

مع الدمعة بسمة، ومع الخوف أمن، ومع الفزع سكينة، فلا تضق ذرعاً، فمن المحال دوام الحال، وأفضل العبادة انتظار الفرج، الأيام دول، والدهر قُلّب، والليالي حبالى، والغيب مستور، والحكيم كل يوم هو في شأن، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، وإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً.

والقصص كثيرة وشاهدة.

قصص في الفرج

إن العباد إذا نزلت بهم الشدائد فإنهم سرعان ما يقنطون، والله جعل لكل أجل كتاباً، وجعل لهذا الهم نهاية، ولهذا الكرب تفريجاً، ولكن العباد يستعجلون، والله سبحانه يعجب ويضحك من قنوطهم ومن قرب فرجه، وكتب عمر إلى أبي عبيدة يقول: “مهما ينزل بامرئ من شدة يجعل الله له بعدها فرجاً، وإنه لن يغلب عسر يسرين”.

أحوال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في شدائدهم:

قصة يوسف صلى الله عليه وسلم

هذا يوسف لما صار في ظلامة الجب، ثم في ضيق السجن، كرباً على كرب، وهماً على هم، فماذا حصل بعد ذلك؟ تداركته رحمة الله تعالى، وهو قريب من المحسنين، فأخرجته من ظلامة الجب، ومن ضيق السجن إلى سعة الملك، وبسط في العيش، وجمع بأهله في حال الرخاء بعد الشدة.

قصة يعقوب صلى الله عليه وسلم

عمي من كثرة البكاء والحزن على فقد ولديه، وابيضت عيناه فهو كظيم، تداركته رحمة الله بعد سنوات من الشدة، ومفارقة الأولاد الأحباء إلى نفسه، فجمعهم الله سبحانه بهما على غير ميعاد منهم.

قصة يونس في بطن الحوت

لما نزل به البلاء دعا ربه في مكان ما دعا به أحد من الناس ربه، في جوف البطن المظلم، فاستجاب الله دعاءه.

وهذه سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيها شدائد، وأهوال، وكرب، وهموم، ومنها شدائد المواطن التي نصره الله بها في معاركه ضد المشركين.

قصة الإفك

وهي في الصحيحين: عن عائشة رضي الله عنها: لما نزل بها من الضيق الشديد عندما اتهمها المنافقون، وردد ذلك معهم الذين لم يعوا الأمور من المسلمين، ولم يتثبتوا فيها، فاتهموا تلك المسلمة العفيفة، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأنها قد وقعت في الفاحشة وهي منها بريئة، فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليها فلا يكلمها، ولا يتلطف معها كما كان يتلطف، واشتعلت الفتنة من حولها، والألسن تلوك في عرضها وهي البريئة، حتى بكت الدموع أياماً متواصلة، حتى انقطع دمعها، وكان لا يأتيها النوم، ثم جاءها فرج الله بتبرئتها من فوق السبع الطباق، وفرج الله همها، وأذهب كربها.

 قصة الثلاثة الذين خلفوا

وهي في الصحيحين: من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، بعد أن عزلهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن المجتمع المسلم، ونهى الناس عن تكليمهم، فصاروا غرباء في أهلهم وذويهم، حتى وصل الحال إلى أن أمر زوجاتهم بفراقهم، فصاروا كالمبتوتين من المدينة، الذين لا يتصل بهم أحد، ولا يكلمهم أحد، حتى نزل فرج الله بالتوبة عليهم، فوسع الله عليهم بعد أن كانوا في ضيق، ونفس عنهم بعد أن كانوا في كربة.

قصة أصحاب الغار

رواها مسلم في صحيحه: الثلاثة من بني إسرائيل الذين دخلوا في الغار فانطبقت عليهم الصخرة: فرج الله عليهم بعد أن أيقنوا بالموت والهلاك.

قصة إبراهيم وسارة عليهما السلام

نجاهما الله من الجبار الكافر الذي أراد أن يأخذهما، بل إن رحمة الله واسعة تشمل الكافر لو كان في كربة عندما تنزل به إذا شاء ربك أن يفرج عنه.

قصة الحدأة والوشاح

روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، عن عائشة رضي الله عنها: أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب، فأعتقوها، فكانت معهم، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، فكانت لها خباء في المسجد، أو حفش: وهو البيت الصغير في ناحية من نواحي المسجد، قالت عائشة: “فكانت تأتيني وتتحدث عندي، فلا تجلس مجلساً عندي إلا قالت: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني فقلت لها: ما شأنك، لا تقعدين معي مقعداً إلا قلت هذا؟” قالت: خرجت جويرية – يعني صبية – لبعض أهلي، وعليها وشاح من أدم، هذه القصة في الجاهلية، قبل أن تسلم هذه المرأة، كانت خادمة معهم، فخرجت صبية من أهلي، من الأهل الذين كانت تعيش معهم هذه الخادمة، وخرجت معها خادمتها، وكانت لهذه الصبية، كان عليها وشاح من أدم – من جلد – وفي طريق من أنه أحمر من سيور، فوضعته هذه الصبية أو وقع منها، فمرت به حديات، -الحدأة – فحسبته لحماً، فخطفته، قالت: فالتمسوه فلم يجدوه، جاء أهل البنت الصغيرة فبحثوا عن الوشاح فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به – اتهموا هذه الخادمة – فطفقوا يفتشون، فعذبوني، حتى بلغ من أمرهم أنهم طلبوا في قبلي، – فتشوا قبلها – قالت: والله إني لقائمة معهم وأنا في كربي إذ مرت الحديات حتى وازت برؤوسنا فألقته، قال: فوقع بينهم فأخذوه، قالت: فقلت: هذا الذي اتهمتموني به زعمتم، وأنا منه بريئة، وهو ذا هو، ثم كان من أمرها بعد ذلك ما كان من إسلامها، فتأمل حال تلك المرأة المسكينة، ولو كانت كافرة، كيف لما نزل بها الكرب فعذبت، تداركتها رحمة الله بحادثة عجيبة ليست بمعهودة أن يأتي ذلك الطائر فيلقي بالقطعة التي خطفها.

والله لطيف بعباده، لطفه واسع، ورحمته واسعة، فإنه ينقذ العباد من الضيق، ولو كان في أعتى صوره، ولا يتخلى سبحانه عن المخلوقين.

ولك قصة ذكرها القاضي بهاء الدين بن شداد رحمه في كتابه: “النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية” – وهو كتاب يحكي تاريخ معارك المسلمين بقيادة صلاح الدين مع النصارى- قال رحمه الله:

في وقعة الرمل الذي على جانب عكا، يقول: “ومن نوادر هذه الوقعة أن مملوكاً كان للسلطان يدعى سرا سنقر وهو من المسلمين، وكان شجاعاً، قد قتل من أعداء الله خلقاً عظيماً، وفتك فيهم، فأخذوا في قلوبهم من نكايته فيهم، فمكروا به، وتجمعوا له وكمنوا له، وخرج إليه بعضهم وتراءوا له يستدرجونه، ليخرج من عسكر المسلمين ليقاتلهم، فحمل عليهم، وكان شجاعاً لا يخاف، حتى صار بينهم فوقع في الكمين، ووثبوا عليه من سائر جوانبه فأمسكوه، وأخذ واحد من النصارى بشعره، وضرب الآخر رقبته بسيفه، واحد من النصارى أمسك بشعر المسلم، وهم يحيطون به من كل جانب، والآخر رفع سيفه فضرب رقبة المسلم، فإنه كان قتل له قريباً؛ لأن هذا المسلم كان قد قتل قريباً لهذا الكافر، فرفع سيفه ليضربه، ماذا تظن يا أخي المستمع، ماذا تظن أن يفعل الله في تلك اللحظات؟ ماذا تظن وتحسب أن يحدث؟ وكيف ينقذ الله رجلاً في هذا الموقف؟ يقول: فوقعت الضربة في يد الماسك بشعره، فقطعت يده، وخلى عن شعر المسلم، فاشتد هارباً حتى عاد إلى أصحابه، وأعداء الله يشتدون عدواً خلفه، فلم يلحقه منهم أحد وعاد سالماً ولله الحمد (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خيرا). (سورة الأحزاب:25)

فوائد الشدائد

أن الله يكفر بها الخطايا، ويرفع بها الدرجات، ويدفع الكربُ المكروبَ إلى التوبة، ويلجأ إلى الله، وينكسر بين يديه، وهذا الانكسار أحب إلى الله من كثير من العبادات، أن ينكسر المخلوق لله سبحانه، وأن يشعر بذله أمام الله، وأن يشعر بحاجته إلى ربه، وافتقاره إلى خالقه، فينقطع إلى الخالق ويترك المخلوق، وهنا يتحقق التوحيد ويتنقى من أدران الشرك بأنواعها، ويخلص الإنسان لربه.

دعاء تفريج الكرب

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علمنا أدعية إذا نزل بنا الكرب، واشتدت الأمور، وضاقت علينا الأرض بما رحبت، علمنا ماذا نقول.

عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: (لا إلهَ إلَّا اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ ربُّ العالمين ربُّ العرشِ الكريمِ، لا إلهَ إلَّا اللهُ ربُّ السَّماواتِ والأرضِ وربُّ العرشِ العظيمِ). (حلية الأولياء:254/2)

وكان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قال: (يا حيٌّ يا قيومُ برحمتِكَ أستغيثُ). (صحيح الجامع:4777)

وقال لأسماء بنت عميس: (ألَا أُعلِّمُكِ كلماتٍ تقولينَهُنَّ عندَ الكَرْبِ، أو في الكَرْبِ؟ اللهُ اللهُ ربِّي، لا أُشرِكُ به شيئًا). (الفتوحات الربانية:10/4)

وقال: (مَنْ أصابَهُ هَمٌّ أوْ غَمٌّ، أوْ سُقْمٌ، أَوْ شِدَّةٌ، فقالَ: اللهُ رَبِّي، لَا شريكَ لَهُ، كَشَفَ ذلِكَ عَنْهُ). (صحيح الجامع:6040)

وعن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (دعواتُ المكروبِ: اللَّهمَّ رحمتَك أَرجو فلا تَكِلني إلى نَفسِي طرفةَ عينٍ، وأصلِح لي شَأني كلَّه لا إلَه إلَّا أنتَ). (صحيح أبي داود:5090)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوةُ ذي النُّونِ إذ دعا وهو في بطنِ الحوتِ لا إلهَ إلَّا أنتَ سبحانَك إنِّي كنتُ من الظالمينَ فإنَّه لم يدعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطُّ إلَّا استجاب اللهُ له). (صحيح الترمذي:3505)

وهذه ألطاف الله قد تخفى على الكثيرين.

وَكَم لِلّهِ مِن لُطفٍ خَفيٍّ يَدِقُّ خَفاهُ عَن فَهمِ الذَكيِّ
وَكَم يُسرٍ أَتى مِن بَعدِ عُسرٍ فَفَرَّجَ كَربَهُ القَلبُ الشَجيِّ
وَكَم أَمرٍ تُساءُ بِهِ صَباحاً وَتَأتيكَ المَسَرَّةُ بِالعَشيِّ
إِذا ضاقَت بِكَ الأَحوالُ يَوماً فَثِق بِالواحِدِ الفَردِ العَلِيِّ

وقال أبو الحاكم السجستاني رحمه الله:

إِذا اِشتَمَلَت عَلى اليَأسِ القُلوبُ وَضاقَ لِما بِهِ الصَدرُ الرَحيبُ
وَأَوطَنَتِ المَكارِهُ وَاِطمَأَنَّت وَأَرسَت في أَماكِنِها الخُطوبُ
وَلَم تَرَ لِاِنكِشافِ الضُرِّ وَجهاً وَلا أَغنى بِحيلَتِهِ الأَريبُ
أَتاكَ عَلى قُنوطٍ مِنكَ غَوثٌ يَمُنُّ بِهِ اللَطيفُ المُستَجيبُ
وَكُلُّ الحادِثاتِ إِذا تَناهَت فَمَوصولٌ بِها فَرَجٌ قَريبُ

قصة أيوب عليه السلام

وهذا نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام حصل له من البلاء والأسقام والفقر وموت الأولاد ثم فرج الله عنه فعافاه الله وشفاه، ورزقه ورد عليه المال والولد، قال تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)). (سورة الأنبياء)

وقد كان أيوب رجلاً كثير المال من سائر صنوفه: من الأنعام والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة، وكان له أولاد وأهلون، فسلب منه ذلك جميعه، وابتلي في جسده بأنواع البلاء من الأمراض، ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه يذكر الله عز وجل في ليله ونهاره في صباحه ومساءه.

قصة أبي قلابة

عن أبي قلابة المحدث، قال: ضقت ضيقة شديدة، فأصبحت ذات يوم، والمطر يجيء كأفواه القرب، والصبيان يتضوَّرون جوعاً، وما معي حبة واحدة فما فوقها، فبقيت متحيَّراً في أمري، فخرجت، وجلست في دهليزي، وفتحت بابي، وجعلت أفكر في أمري، ونفسي تكاد تخرج غماً لما ألاقيه، وليس يسلك الطريق أحد من شدة المطر.

فإذا بامرأة نبيلة، على حمار فاره، وخادم أسود آخذ بلجام الحمار، يخوض في الوحل، فلما صار بإزاء داري، سلم، وقال: أين منزل أبي قلابة؟ فقلت له: هذا منزله، وأنا هو.

فسألتني عن مسألة، فأفتيتها فيها، فصادف ذلك ما أحبّت، فأخرجت من خفّها خريطة، فدفعت إليّ منها ثلاثين ديناراً. ثم قالت: يا أبا قلابة، سبحان خالقك، فقد تنوق في قبح وجهك، وانصرفت.

قصة صلاح الزرع

قال بعض العلماء: رأيت امرأة بالبادية، وقد جاء البَرَدُ فذهب بزرعها، فجاء الناس يعزّونها فرفعت رأسها إلى السماء، وقالت: اللهم أنت المأمول لأَحسنِ الخلف وبيدك التعويض مما تلف، فافعل بنا ما أنت أهله، فإنّ أرزاقنا عليك وآمالنا مصروفة إليك، قال: فلم أبرح حتى مرّ رجل من الأَجِلاء، فحدّث بما كان؛ فوهب لها خمسمائة دينار، فأجاب الله دعوتها وفرَّج في الحين كربتها.

أتدلُّ العبادَ على الله ثم تنساه؟!

عن شقيق البلخي قال: كنت في بيتي قاعداً فقال لي أهلي: قد ترى ما بهؤلاء الأطفال من الجوع، ولا يحل لك أن تحمل عليهم ما لا طاقة لهم به،

قال: فتوضأت وكان لي صديقٌ لا يزال يقسم علي بالله إن يكن بي حاجة أعلمه بها ولا أكتمها عنه، فخطر ذكره ببالي، فلما خرجت من المنزل مررت بالمسجد، فذكرت ما روي عن أبي جعفر قال: من عرضتْ له حاجة إلى مخلوق فليبدأ فيها بالله عز وجل، قال: فدخلت المسجد فصليت ركعتين، فلما كنت في التشهد، أفرغ عليَّ النوم، فرأيت في منامي أنه قيل: يا شقيق! أتدل العباد على الله ثم تنساه؟!

قال: فاستيقظت وعلمت أن ذلك تنبيه نبهني به ربي، فلم أخرج من المسجد حتى صليت العشاء الآخرة، ثم تركت الذهاب لصاحبي وتوكلت على الله، وانصرفت إلى المنزل فوجدت الذي أردت أن أقصد قد حركه الله وأجرى لأهلي على يديه ما أغناهم.

 يقول الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). (سورة غافر:60)

روى الترمذي في سننه بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: (يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ، واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، وإن اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ). (صحيح الترمذي:2516)

ذكر التنوخي في كتاب “الفرج بعد الشدة” قال: أراد جعفر الصادق بن محمد الباقر الحج، فمنعه المنصور، فقال: الحمد لله الكافي، سبحان الله الأعلى، حسبي الله وكفى، ليس من الله منجى، ما شاء الله قضى، ليس وراء الله منتهى، توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا وهو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم، اللهم إن هذا عبد من عبيدك، خلقته كما خلقتني، ليس له علي فضل، إلا ما فضلته علي به، فاكفني شره، وارزقني خيره، واقدح لي في قلبه المحبة، واصرف عني أذاه، لا إله إلا أنت، سبحان الله رب العرش العظيم، وصلى الله على محمد النبي وعلى آله وسلم كثيراً، حميد بن حماد.

قال: فأذن له المنصور في الحج.

كان رجلٌ من العباد مع أهله في الصحراء في جهة البادية، وكان عابداً قانتاً منيباً ذاكراً لله، قال: فانقطعت المياه المجاورة لنا وذهبت ألتمس ماء لأهلي، فوجدت أن الغدير قد جفّ، فعدت إليهم ثم التمسنا الماء يمنة ويسرة فلم نجد ولو قطرة وأدركَنا الظمأُ، واحتاج أطفالي إلى الماء، فتذكرت رب العزة سبحانه القريب المجيب، فقمت فتيممت واستقبلت القبلة وصليت ركعتين، ثم رفعت يديّ وبكيت وسالت دموعي وسألت الله بإلحاح وتذكرت قوله: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) قال: والله ما هو إلا أن قمت من مقامي وليس في السماء من سحاب ولا غيم، وإذا بسحابة قد توسّطت مكاني ومنزلي في الصحراء، واحتكمت على المكان ثم أنزلت ماءها، فامتلأت الغدران من حولنا وعن يميننا وعن يسارنا فشربنا واغتسلنا وتوضأنا وحمدنا الله سبحانه وتعالى، ثم ارتحلت قليلاً خلف هذا المكان، وإذا الجدب والقحط، فعلمت أن الله ساقها لي بدعائي، فحمدت الله عز وجل: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ). (سورة الشورى:28)

إبراهيم التميمي في سجن الحجاج

لما أُدخل إبراهيم التميمي سجنَ الحجاج رأى قوما مقرّنين في سلاسل، إذا قاموا قاموا معا، وإذا قعدوا قعدوا معا، فقال: يا أهل بلاء الله في نعمته، ويا أهل نعمة الله في بلائه، إن الله عز وجل قد رآكم أهلا ليبتليكم، فأروه أهلا للصبر، فقالوا: من أنت رحمك الله؟ قال: أنا ممن يتوقع من البلاء مثلما أنتم عليه، فقال أهل السجن: ما نحب أنَّا خرجنا.

اذكرني عند ربك

قال أحدهم: صحبنا إبراهيم التميمي إلى سجن الحجاج، فقلنا له: أوصنا، فقال: أوصيكم أن تذكروني عند الرب الذي فوق الرب الذي سأل يوسف أن يذكره عند ربه.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله وهو يحدث عن (إبراهيم التميمي) إن إبراهيم قال: إن حبسني (يعني الحجاج) فهو أهون علي، ولكن أخاف أن يبتليني فلا أدري على ما أكون عليه؟ (يعني من الفتنة)، فحبسني، فدخلت على اثنين في قيد واحد، في مكان ضيق لا يجد الرجل إلا موضع مجلسه، فيه يأكلون، وفيه يتغوطون، وفيه يصلّون قال: فجيء برجل من أهل البحرين، فأدخل علينا، فلم يجد مكانا، فجعلوا يتبرمون منه، فقال: اصبروا، فإنما هي الليلة، فلما كان الليل قام يصلي، فقال: يا رب مننت علي بدينك، وعلمتني كتابك، ثم سلطت علي شر خلقك، يا رب الليلة الليلة، لا أصبح فيه، فما أصبحنا حتى ضَرب بوّابُ السجن: أين البحراني؟ فقلنا: ما دعا به الساعة إلا ليقتل، فخُلَّيَ سبيلُه، فجاء فقام على الباب، فسلم علينا، وقال: أطيعوا الله لا يعصكم..

للدعاة: فيا من تشتغلون بدعوة الناس لعبادة الله ينبغي لكم أن اصبروا على الدعوة والمدعوين لأنه قد توصد بعض قلوب المدعوين أبوابها في وجهك، وقد تحاول وتحاول دونما فائدة، فتصاب بضيق شديد، وإحباط كبير، لا تحزن، إن الله معك ما دمت تدعو إلى سبيله، وذلك ما استقمت على الجادة، وتذكر صبر نوح على قومه، ينوع عليهم وسائل الدعوة ليلاً ونهاراً، تسعمائة وخمسون عاماً وهو يدعوهم إلى الله.

لطالب العلم: يا من تحاول أن تكون ربانياً تربي الناس بصغار العلم قبل كباره:

قد تستغلق عليك بعض الأذهان، ولا تفهم المراد، ولا تعي المطلوب، أو يذهب ما تريد أن ترسخه سريعاً، وقد تقع الأخطاء المخالفة لبعض أساسيات المنهج، والتصور الصحيح في نفوس من تعاشرهم، وقد تواجه حالات من الاستعصاء في الانقياد، وتتكرر الأخطاء في مسائل طال عليها التنبيه وتكرر، فتحس باليأس، وأن لا جدوى، لا يركبنك الهم، واعلم أن مع العسر يسراً، وأن فرج الفهم والتطبيق قريب، وتذكر موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة حاطب وكعب.

أخي التاجر: قد تحل بك خسارة في تجارتك، أو كساد في بضاعتك، وتتراكم عليك الديون، ويطالبك التجار الآخرون، وينزل بك من الهموم والأحزان الخطوب الجسام، والخسارة تلو الخسارة، ولا تدري أين تذهب بوجهك من الديّانة، لا تحزن إن صبرت واتقيت سيفرج الله همك، ويذهب حزنك وغمك، ويجعل لك من الضيق مخرجاً، ويبدل حالتك بعد العسر يسراً.

وقال الشافعي رحمه الله:

صبراً جميلاً ما أقرب الفرجَ من راقب الله في الأمور نجا

أخي أيها العامل أو الموظف: قد تمر بك ساعات شدة، قد تفصل من عملك، أو تفقد وظيفتك، فينزل بك الكرب، ويركبك الهم، أين تذهب؟ وماذا ستفعل؟ وكيف تعيش؟ ومن أين تكسب اللقمة التي تضعها في أفواه أولادك؟ ما مصيرهم؟ ولكن اعلم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأنه يرزق الطير في جوها، والنمل في جحرها، وأن الله لا يضيع عباده، واتق الله في جميع أمورك، حتى يجعل الله لك فرجاً، ويرزقك من حيث لا تحتسب.

من ترك شيئا لله عوضه الله: الذين تركوا أعمالاً محرمة، مثل بعض أعمال البنوك ووظائفها لم يعثروا على وظائف، وبقوا فترات طويلة بدون عمل حتى وقع بهم الشك والحيرة، أين قول الله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا). (سورة الطلاق:3)

إن الإنسان في هذه الحياة متقلب بين الصحة والمرض، والسعادة والحزن، والغنى والفقر، والسفر والإقامة، والخوف والأمن، والجوع والشبع، وبين الخير والشر، والنفع والضر، والمسلم الحق هو الذي يميز بين ما ينفعه وما يضره في دنيا وأخراه، ومن تلك المراحل حصول الشك والضيق والمحنة والبلاء التي يقابلها المؤمن بالصبر والدعاء والرضا بقضاء الله وقدره.

(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ). (سورة النمل:62)

لا يزيل هذه الآلام ويكشف تلك الكروب إلا علام الغيوب الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء فحال المسلم في البأساء الصبر والإنابة إلى الله.

فالزم طريق الأنبياء فهم القدوة في كل شيء قال تعالى: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ). (سورة الأنعام:90)

مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *